وعد بلير بالجنة..
سوسن البرغوتي/محررة وناشرة موقع مبدعون عرب
رغم ما نتج عن "وعد بلفور" القاضي بقيام "وطن قومي لليهود في فلسطين"، من تأسيس للكيان الصهيوني، وتشريد للشعب الفلسطيني بأنحاء المعمورة، ورغم أن بريطانيا عُرفت في دعمها "لاسرائيل" وإمعانها في سلب الحقوق الوطنية، نتابع بغباء مصدقين نوايا سليل الإرث الاستعماري طوني بلير وتحركاته الدبلوماسية المتمثلة في استضافته بالعاصمة البريطانية، لندن لمؤتمر يدعو إلى إصلاحات اقتصادية وسياسية وأمنية في السلطة الفلسطينية.
إن محاولة رئيس الوزراء البريطاني، بلير التدخل في شؤون فلسطينية، تنم عن رغبة في لعب دور سياسي، متجانس وربما مكمل للدور الأمريكي، على أمل فرض الإملاءات على السلطة الوطنية الفلسطينية، وإعطاء تلك الإملاءات صفة المشروعية من خلال نقلها جاهزة، ومعلبة إلى المحافل والمؤتمرات الدولية. ولتضع تلك المحافل والمؤتمرات أختامها وتواقيعها على مشاريع التفريط والتنازل عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، من جهة، ومن جهة أخرى توريط قيادة السلطة في معاهدات واتفاقيات لا تستطيع الفكاك منها، كونها سوف تأخذ مكانها تحت يافطات الشرعية الدولية وهيئة الأمم المتحدة. وتعول الإدارة البريطانية على أن تزج بالسلطة في تبعية مريعة تأخذ طابع التحالف المشترك، تحت ذريعة تحقيق إصلاحات في هياكل وأنظمة.
إن قبول السلطة بالمبادرة البريطانية يعني أنها لم تتعلم بعد من الدروس، ولم تأخذ بالقول المأثور "لا يلدغ المرء من جرح مرتين"، فكيف إذا كان ذلك الجرح قد تكرر مرات ومرات.
إن ذلك إنما يدل على إفلاس وفشل القيادة الفلسطينية. وليس أدل على ذلك من غض طرفها عن توجه "الوسيط" البريطاني النشط بتوصياته، وبشكل أدق بشروطه، إلى الجانب الفلسطيني فقط، الذي هو الطرف الأضعف في المعادلة، والتغاضي عن فرض شروط على الطرف الآخر، تلزمه بالاعتراف بحق تقرير المصير للفلسطينيين، وبحقهم في الحرية والعودة إلى ديارهم، وإقامة الدولة المستقلة على ترابهم الوطني. وهو الطرف الذي لم يقدم على التفريط أو التنازل عن أي شيء مما سطا عليه واغتصبه بقوة الدعم الأمريكي البريطاني، وانهيار النظام العربي الرسمي وتداعي الإرادة العربية.
وليس الحديث عن "خريطة" الطريق باعتبارها انطلاقة جديدة في مسار التسوية سوى تعبيد للطريق أمام المخططات التوسعية الصهيونية ومشاريع الهيمنة الأمريكية، انطلاقا من فلسطين والعراق، لتشمل الوطن العربي بأسره، لخلق حالة تشظ وتقسيم لا تقل قبحا ولا قسوة عن تلك التي شهدها الوطن العربي إثر وضع اتفاقيات "سايكس- بيكو" موضع التنفيذ.
هكذا يثبت طوني بلير مرة أخرى أنه تابع جيد ومراسل مميز وخادم مطيع لحكومة الرئيس الأمريكي بوش، يعمل جاهداً، عبر محاولة تغطية الدور البريطاني الاستعماري بلبوس سلمي، الحصول على لقمة، أيا يكن حجمها، في مشروع الهيمنة الأمريكي للقرن الواحد والعشرين. وكما استخدم أسلافه من قبل شعارات التمدين والديمقراطية، ووضع شعوب المنطقة تحت طائلة الوصاية أحيانا والانتداب أحيانا أخرى، من أجل الأخذ بيدها نحو التطور والتحديث، فإذا بتلك الشعارات، تكشر عن أنياب حادة، تمارس الاحتلال والإرهاب والنهب، وإبقاء المنطقة بأسرها سوقا استهلاكية للخائب من المنتجات، فإن الخانع الذليل، بلير يعود من جديد إلى استحضار تلك الشعارات التي تكشف زيفها، أملا منه في تسويق بضاعته وتحقيق أحلامه الاستعمارية.
لكن الشعب العربي قد تعلم من دروسه، وما حدث بالأمس في الموصل هو الرد الشعبي الحاسم على مشاريع الهيمنة الغربية. لقد كانت تلك العملية نقلة نوعية في حركة المقاومة العراقية لطرد المحتل، وتعبيرا أصيلا عن الغضب والرفض الشعبي لمحاولة مصادرة الهوية وتفتيت الوطن على أسس إثنية وطائفية. وهي أيضا تأكيد على زيف دعاوي الانتخابات الحرة، وبطلان تمثيلها لإرادة العراقيين.
وقديما قال أجدادنا "إنك لا تجني من الشوك العنب". ولن ينطلي على الأحرار والشرفاء العرب أي كلام عن الحرية والديموقراطية، بعد ما حدث من دمار وخراب في حاضرة العباسيين، ولن تكون تلك الوعود إلا وعد إبليس بالجنة.
إن ما يتم في فلسطين الآن هو تحضير لما قبل مرحلة الانتخابات الصورية، يراد منه إعداد المسرح لتقديم مزيد من التنازلات على حساب الأرض والكرامة العربية، والتخلي عن عروبة القدس وحق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم.
ووقف حالة الانهيار الراهنة هي رهن بوحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة فصائله المقاومة. لقد حقق الشعب الفلسطيني، بوحدته كثيراً من المكتسبات، كان من أهم محطاتها الاعتراف بوحدانية تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني والانتفاضتين الباسلتين، وخروج الثورة الفلسطينية إلى مسرح الأحداث العالمية، كواحدة من أعظم الثورات في العصر الحديث. وكان اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات الشتات هم العمود الفقري للثورة.
أي حديث عن حقوق الفلسطينيين لا يشمل دورا أساسيا للاجئين في الشتات، هو حديث مشوه وزائف، يكفيه تشوها وزيفا أنه يتنكر لدماء الشهداء والأحرار الذين رسموا الخطوات الأولى على درب التحرير الطويل. وأي حديث عن الإصلاح في ظل الاحتلال هو ذر للرماد في العيون. فليس هناك إصلاح ولا تطوير ولا نماء عند شعب لا يملك السيطرة على إرادته ومقدراته.
فلتخسأ الوجوه الخائبة التي تسلم قيادها للأجنبي والمحتل، ولترتفع عاليا راية وحدة الشعب الفلسطيني في الشتات والأرض المحتلة، ولتستمر حركة الانتفاضة في زخمها وعطائها، تقض مضاجع المحتل، وتجعل الأرض جحيما تحت أقدامه، وليسقط شعار إنهاء عسكرة الانتفاضة.
وحدة الشعب الفلسطيني واستمرار مقاومته هما الضمانة الحقيقية لكي يسقط حلم بلير، ويتحول حلمنا إلى واقع وحقيقة.