العراق أمام مخاطر التقسيم... 1/5

إلى من يهمه الأمر: صونوا وحدة العراق تصونوا وحدتكم

سميرة رجب/البحرين

استبدل مفكرو الغرب المجددون الاستبداد والانحطاط الفكري، الذي حاربوه في عصر النهضة، بشكل آخر من الاستبداد، إذ أن المبدأ الذي قامت عليه قواعد الحرية والديمقراطية الليبرالية وحرية التملك أدى إلى قيام الدولة ذات القيم المادية المطلقة، ومن ثم إلى نشوء الدولة الرأسمالية، التي ما كان لها أن تستمر وتتطور وتتعاظم لولا نشوء مبدأ الاستعمار في عقيدة الغرب الليبرالية.. ومع التطور والتقدم الصناعي والعلمي أصبح الاستعمار يجري في شرايين الحضارة الغربية وعليه تعيش مجتمعاتها.. وهكذا يصور أحدهم المبدأ الاستعماري في عقيدة الدول الرأسمالية بأنه "إذا كانت الرأسمالية هي روح الحضارة الغربية، فالاستعمار هو قلبها النابض".

ومع بزوغ هذا الاستعمار ظهرت الفنون والخدع الاستعمارية التي تميّز بها الاستعمار الغربي في القرن العشرين، وخصوصاً بعد فرض سيطرة الاستعمار البريطاني على العراق والخليج ومصر (معاهدة سايكس بيكو 1916)، وصعود مركزها الاستعماري كقوة عظمى.. حيث يكشف مجلس الحرب البريطاني تلك الخدع في برقية إلى قواتهم في العراق، بعد احتلالهم بغداد عام 1917، قائلاً "ستكون العراق دولة عربية بحاكم محلي أو حكومة تحت الحماية البريطانية في كل شيء ما عدا الاسم.. وبناء عليه لن يكون لها علاقات مع الدول الأجنبية.. وستدار شؤون بغداد من وراء ستار عربي زائف قدر الإمكان" بي دبليو أيرلاند (لَفٌْة .ط.)، العراق: دراسة في التطور السياسي، 1973.

هذا الإطار تمكنت بريطانيا أن تجدد الفن الاستعماري الغربي في أوائل القرن الماضي باستحداث نظم الحكم العميلة ودعمها، حيث تشير وثائق مكتب الخارجية البريطانية لعام 1947 إلى ذلك في نص صريح يقول "يمكن الحفاظ على مصالحنا الاستراتيجية والأمنية في أنحاء العالم بشكل أفضل بإنشاء (محطات بوليس) في مواقع مناسبة تكون مُعَدّة بشكل كامل للتعامل مع الطوارئ ضمن نصف قطر كبير، فالكويت واحدة من هذه المواقع، التي يمكن بواسطتها السيطرة على العراق، وجنوب إيران، والعربية السعودية والخليج الفارسي". إلا أن مع "حرب الخليج الثانية" بدا واضحاً ما طرأ من تغيير على الفكر الليبرالي الغربي وعقائده في استعمار الشعوب، فكانت تلك الحرب بمثابة الإعلان عن الليبرالية الأصولية الجديدة وعقيدة استعمارية غربية يمينية متطرفة وأكثر وحشية وعدائية ضد معارضيها. فكان الظهور الاستعماري الأمريكي العلني هو إعلان صريح بتبني الولايات المتحدة الأمريكية لتلك العقيدة الليبرالية والاستعمارية الجديدة، أي بروز الدولة الاستعمارية الإمبريالية وصاحبة النفوذ والهيمنة الشمولية والكونية، وبأساليب جديدة للغزو والاحتلال، مع التأكيد على إمكانية ممارسة كل الوسائل الشرعية وغير الشرعية لتحقيق أهدافها، وبالعمليات السرية، والاستعباد الاقتصادي وجميع أنواع المكائد السياسية، ناهيك عن سياسة بناء القواعد العسكرية والسيطرة على جميع المنافذ البحرية بأساطيلها وبناء قوات التدخل السريع في كل أرجاء العالم وفي منطقتنا العربية خصوصاً. وهذا ما يشير إليه "روبرت كوبر"، مستشار توني بلير للسياسة الخارجية، في مقالة بعنوان "الدولة في العصر الحديث" (2002)، موضحاً جوهر هذه العقيدة الاستعمارية في الفكر الغربي الليبرالي الجديد، بقوله "إن التحدي أمام عالم العصر الحديث أن يعتاد على فكرة المعايير المزدوجة.. ففيما بيننا، نتعامل على أساس القوانين وأمن تعاوني مفتوح، ولكن حين نتعامل مع دول ذات طراز قديم خارج قارة أوروبا الحديثة، نحتاج اللجوء إلى طرق خشنة تنتمي لعهد سابق: القوة، هجوم وقائي، خداع، وكل ما يلزم للتعامل مع أولئك الذين لا يزالون يعيشون في القرن التاسع عشر، في كل دولة بعينها.. وفيما بيننا نحافظ على القانون، ولكن عندما نعمل في الغابة، علينا أيضا أن نستعمل شرعة الغاب.. المطلوب إذن نوع جديد من الاستعمار، نوع مقبول في عالم حقوق الإنسان والقيم العالمية، نستطيع أن نحدد معالمه.. إنه استعمار مثل كل أنواع الاستعمار، يهدف إلى فرض القانون والنظام، ولكنه يعتمد اليوم على الأساس الطوعي". أما مع الاحتلال الأمريكي للعراق فقد بدأت تلك الأساليب تأخذ أبعاداً لم يشهدها التاريخ الاستعماري من قبل.. وهذا ما سنناقشه في المقال القادم...