روابط للبسالة العراقية والفلسطينية بين احتلالين غاشمين

سليمان نزال

دخلَ الغزاةُ بغدادَ، اكفهر وجهُ النهار العربي، تيبست قسماته، اسودَّت ملامحه وطرقاته، وعلى خديه ارتسمت صور الحزن والتردد والعجز والشكوى، والتصقت به شتى أنواع الهموم والتناقضات والخيبات الصفراء. شوهدت الحقيقة كضحية تتناوشها الطعنات المعادية من جهات للضغائن والسموم والأطماع، كثيرة، غازية. فلا "حقيقة" بعد اليوم غير حقيقة تفوق الطاغوت وجنسه الاحتكاري المتعطش للنفط العربي، وللدم العربي الذي يرفض الذل، ويقاوم الهوان. هنا الحقيقة يُزَجُّ بها في متحف، أو تُعرض في مزاد تنظمه فوضى الغاب و"نوستالجيا" إعادة مشاهد الانقضاض على الهندي الجديد المتمثل بشعبي العراق وفلسطين.. المتجسد في شخصية كل عربي ومسلم يتمسك بحقوقه، ويدافع عن كرامته وكيانه من الماء الحزين حتى الماء المتوتر.

كلنا مستهدفون. الحقيقة تصبح في نظر الغزاة سلعة و بضاعة..و ليس مهماً ما تقوله فرنسا و ألمانيا و روسيا و غيرهم من دول في مجلس الأمن ، ليس مهماً ما ينادي به مئات الملايين من البشر الذين تظاهروا ضد غزو العراق في مختلف دول العالم ، المهم مصالح الإدارة الأمريكية ،و شبكات الإحتكارات المترامية الأطراف، المهم أن تفوز فلسفة التفوق "البوشية" التي لا تخلو من نوازع شخصية موتورة و تواشجات وتحالفات إستراتيجية مع قاتل أطفال رفح وغزة والضفة، مجرم الحرب السفاح، شارون الجزار، المتسبب في قتل رموزنا الوطنية و التاريخية و على رأسها الرئيس الشهيد، ياسر عرفات، شارون مرتكب المجازر بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، و الذي دمرت جرافات و دبابات أحقاده العدوانية آلاف المنازل في الأرض المحتلة، فما رأينا من وزراء الصمت العربي إلا بعض بيانات الشجب، على استحياء، في لغة باهتة خائفة، ثرثر و تحكي و تعجز و تسقط في كل امتحانات الفعل العربي الصائب الفاعل المؤثر، و هل يتضرر الصهاينة الذين يحاكون النازية في جرائمها، بل يتفوقون، من قطن الاستنكار الممزوج بسموم التراخي و التفكك حتى يكون بمقدور الجراح العربية في فلسطين و العراق الاستفادة من هذا القطن المفخخ..؟

لكن الحقيقة تباع و تشرى، مثل الديمقراطية و حقوق الإنسان، و ألف نيرون يبرز و يتجسد في شخصية الغازي الإمبريالي الدخيل الذي يتعمد بالتحالف مع الصهاينة إهانة العربي و تعذيب جسد العروبة والاعتداء على الشخصية القومية العربية و هو ينكل و يغتصب و يعذب سجناء العراق الأباة و السجينات العراقيات الماجدات.، ويشن حرب إبادة ضد الفلوجة و غيرها من مدن العراق الباسل، و تتوالى مشاهد السقوط الأخلاقي والقيمي والسياسي والإنساني اليانكي في أرض الرافدين، يستمع العالم إلى اعتذارات وحشية عن جرائم تعذيب واغتصاب وقتل مدنيين عزل أقبح من ذنوب، كما تجلت مشاهد وتعبيرات السقوط الصهيوني في أرض الرباط فلسطين ومنذ النكبة عام 48 و قبلها وبعدها وصولاً إلى نكبات رفح وخان يونس وجنين وبين حانون ومجزرة نابلس.. وقضية تسميم الشهيد، كوكب الكواكب، أبو عمار وما سبقها وما قد يتبعها من نكبات ومكابدات وأحزان عربية.

وتأتي أقنعة لتهدئة الصراعات، لخداع الفقراء والمقهورين، خاصة من الشعوب العربية والإسلامية، معزوفة التهديدات والإصلاحات المخادعة تستخدم ضد أنظمة لا ترضى عنها منظومة السوق الاحتكاري في مسار العولمة وصعوده على ظهر المعوزين.. ذئاب تلغي المنطق السليم من أجل أن تتزود بأسنان ومخالب نووية، توسعية، منطقها الخاص العدمي، المزاجي..الشرير. الأغلبية على مستوى العالم تقف ضد احتلال العراق، ليس من الضروري أن تلتزم الإدارة الأمريكية برأي الأغلبية، فالديمقراطية الغربية توضع في ثلاجة، لقمع العرب وخدمة "إسرائيل" الإرهابية، ستنتج الإمبريالية فلاسفتها، منظريها، بعضهمً من أصل عربي أو إسلامي، أمثلة معروفة، من عجمي إلى غيره، فيقول أحدهم في معرض التبرير المريض: هذه غوغاء لا تعرف مصالحها.. وخزعبلات أخرى من هذا القبيل..

هي ديمقراطية احتكارات إذن؟ وتمرير صفقات وعقدها، وتخدير قطاعات شعبية في مرحلة التنافس وتبديل وجهة الصراع مع الآخر الذي كان اشتراكياً إلى استعداء كل ما هو عربي و مسلم! فما الحاجة للديمقراطية واحترام رأي الأغلبية، طالما أن معظم وأقوى الأنظمة الاشتراكية قد سقطت، ومعظم أنظمة العرب الرسمية لا تحتاج حتى إلى استخدام هذه المفردة في وصف سقوطها الذريع على أعتاب الخوف والجبن والتبعية؟

هذه اسفنجة ظلام لتمرير وضع ظلامي ضد العرب، ضد خارطة وجودهم. الإمبريالية في مرحلتها الوقحة، المعولمة، تفتح أكثر من باب للتنفيس، متى تشاء تفعل ذلك وفق أغراضها، حسب منافعها.. هنالك أسمال تلقى دونما اكتراث، بشفقة "هوليودية" مفتعلة على أجساد تشكو من قهر يتمثل في سمات و حالات مختلفة، قهر نتيجة تفاوت المداخيل، كنتاج عن حالة عوز وظلم واستبداد. والحرب تسبقها الدعاية ومسلسل من المكائد والأكاذيب، الحرب الظالمة على العراق يسبقها الحصار وتجويع الأطفال والتسبب في موتهم، لتتقدم أكذوبة العصر الكبرى عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة الذي يمتلكها العراق قافلة الأكاذيب الرخيصة الحليفة، ومن يتفوق على الرأسماليين الكبار في هذا الفن؟.. إعلام تقني متطور يدخل غرف العقل، كي يحوله ويحيله إلى أنقاض.. إلى جهاز استقبال سلبي تابع وخادم لمكائد الغزو و العدوان والاستغلال.

تترى وتتواصل مشاهد العسف والقمع والهيمنة.. مواقف نخبوية، تصنيفات القاهر الغازي: علامة كبيرة كناية عن الرضا، للمجرم الصهيوني، قاتل الأطفال الفلسطينيين، علامة رسوب لكل من يتمسك بالدفاع عن أمته وتاريخها، وقيمها، وحقها في التقدم والازدهار، وتمسكها بحقوقها وكرامتها.

انتقاء أعمى، اجتزاء متعمد لمكونات الحقائق، لأشياء الواقع، بهدف التعمية والتعتيم على صورة الواقع في شكله الحقيقي وجوهره الفعلي، حيث الخريطة العربية تنطق بأوجاعها. مقصات وأقنعة.. أدوات تشطير، تجزئة لخريطة مستباحة أصلاً، لديها ما يكفيها من ثقوب وثغرات، منذ سايكس-بيكو، فما الحاجة إلى سايكس-بيكو أمريكي إمبريالي صهيوني تسبقه أسلحة دمار أكثر من شامل؟

أفلسطين جديدة في العراق.. أندلس الضياع والندم.. كم أندلس ستضيع حتى يبكي عليها العرب؟ كأنهم لم يخسروا شيئا حين يغيب الفعل الصحيح.. أيكون صحو في اللحظات الأخيرة.. صحو متأخر على كارثة محققة أم تأخر في الصحو كي نتعود الندب.. فيكون الصمت والخواء والإفلاس والجدب؟

وجه النهار العربي مظلم.. يبدأ الوحش بافتراس أسماكنا الكبيرة.. كيف ينجو السمك المتوسط الحجم والصغير والذي يظن نفسه كبيراً من الفك التوسعي المفترس، القادم كي يعلمنا كتابة أيامنا بلغة تابعة خاضعة، مستسلمة لأبجدية الفناء والخضوع..

"كرازايات" جاهزة.. يجري إعدادها وتلميعها، من كل قطر يخرج كرازاي، يلف جسده الخانع بعباءة من صوف يانكي.. حيث القبعة الصهيونية تغطي رأس النذالة ليكتمل ديكور الانهزام.. قيد التحضير والإعداد، جلبيات تسقط بعد أداء وظيفتها الظلامية، ثم تقفز "العلاوية" إلى السلطة بمعونة الاحتلال الأمريكي الغاشم، يجري تحضيرها وتلميعها وتخلف الجلبية التابعة بعد سقوطها المدوي بعد أن انتفت الحاجة إلى خدماتها الذليلة وتلونت تلك الخدمات على قاعدة الدفع والمنع.

لكن. لا إحباط مع المقاومة. بل هي مقاومة شرسة للإحباط، لأسبابه ومسببيه. الحقيقة تنتصر رغم كل شيء. فلا خسوف يبقى، ولا من كسوف يستمر إلى الأبد، فيمنع شروق الشمس العربية، و يحجب الضياء عن وجه النهار العربي الباسل. لا بد من مقاومة، من عمليات موجعة للغزاة كعملية الموصل.

والذين يجترحون المعجزات والملاحم البطولية في العراق الشامخ وفي فلسطين الباسلة، يربطون، على طريقة الصقور والشجعان الفرسان بين القضايا والهموم والمشكلات العربية، وعندما تتوالى عمليات أبطال المقاومتين العراقية والفلسطينية، نوعية، متلاحقة، موجعة، ضد الغزاة والطغاة والمجرمين من محتلي ومغتصبي فلسطين والعراق، تتجلى سمات وتضاريس هذا الربط القومي العربي الحكيم وتتسع مدارات الوعي والإدراك على قاعدة القواسم العربية المشتركة، والتقاط الحلقة المركزية في الجهود العربية الجمعية، حيث يتصدر هدف تحرير الأرض العربية في فلسطين والعراق والجولان السوري ومزارع شبعا في لبنان، قائمة الأهداف الوطنية والقومية كمقدمة نحو امتلاك كافة شروط السيادة والتضامن والوحدة والنهوض والتجديد والحرية والتقدم.

واضحٌ وجليٌّ، أن احتلال عراق الحضارة والمقدسات وإسقاط نظامه، وسرقة نفطه والاستيلاء على ثرواته وكنوزه الفكرية والتاريخية، ما كان ليتم لو لم تكن فلسطين مُحتلة من قبل الصهاينة، بموقعها الإستراتيجي الهام، بمقدساتها وتاريخها المشرف.

إن أهداف ومخططات وأطماع الإمبريالية اليانكية متشابكة ومترابطة على أرضية الأحقاد الموجه للعرب وللمسلمين، إلى درجة أن أي هدف للغزو والإخضاع يتم اختياره من جانب المجرمين الصهاينة يلقى دون مناقشة واعتراض، موافقة شركائهم في البغي والبطش والشر والنهب والعدوان.

أبواب التضليل في تبرير الحرب الظالمة على العراق لم تترك إدارة بوش الابن-أسوأ رئيس أمريكي يعاد انتخابه لولاية ثانية- أبواباً للكذب والافتراء والتزوير والضغوط والإملاءات إلا فتحتها على مصاريعها، لشن الحرب الظالمة على عراق التاريخ المجيد، حتى باتَ المجتمع الدولي كله ضحية تلك الأكاذيب ذات البعد التدميري الانتهاكي الشامل.. لم يستثن هذا الكذب اليانكي الوبائي الشعب الأمريكي نفسه ناهيك عن بقية شعوب هذه المعمورة.

فالكذبة الرئاسية الأمريكية المدعومة من طغمة الجشع والشركات الاحتكارية، المتحالفة عضوياً مع أخطبوط الشر الصهيوني المتعدد الأطراف الحاقدة، تتلون وتصبح ذئباً، يتلذذ بدماء ضحاياه الكثر من العرب والمسلمين.. والكذبة تنهش لحم أطفال العراق وفلسطين، وتعتدي على النساء والشيوخ، وتفتح مراكز ومعتقلات سادية للقهر والإذلال والتعذيب، ما كانت تخطر في القسوة والوحشية والسادية على بال النازيين والفاشيين وعتاة المجرمين على مدار العصور المعروفة.

أما عن "الحرية" التي وُعد الشعب العربي بها فلم تتجاوز حرية المجرمين الغزاة وأذنابهم وملاحقهم في مداهمات استفزازية متواصلة لبيوت ومنازل العراقيين وحرية قتل وتعذيب المعتقلين-في سجن أبو غريب وغيره من السجون والمعتقلات، هي حرية والتنكيل بالسكان في الفلوجة والرمادي والموصل وسامراء والنجف.. وحرية قصف المنازل على رؤوس الأطفال والنساء والشيوخ- دون تقيد أو مراعاة لحقوق الأسرى والمعتقلين والمدنيين التي تكفلها المعاهدات والاتفاقيات الدولية ومنها اتفاقية جنيف الرابعة-.

وأما عن حقوق الإنسان التي روَّجَ لها الغزاة من حلفاء النهب والهيمنة وتدافع المصالح، فقد ظهرت على شكل متفجرات وكواتم تغتال علماء العراق في محاولة لتفكيك بنيته العلمية الفكرية، وظهرت على هيئة صواريخ تستهدف المدنيين العراقيين، وتقصف الجوامع والمساجد والعتبات المقدسة، في الفلوجة والأعظمية والكاظمية، حتى وصل حقدها ليستهدف المدن والأماكن المقدسة وقبور الصحابى في كربلاء والنجف والكوفة وغيرها العديد من مدن ومناطق العراق الباسل.

أما عن قناع الديمقراطية الذي يخفي خلفه الوجه الإمبريالي الدميم، فقد مهَّدَ السبيل تحت عناوين مخاتلة برَّاقة، لدخول "الموساد" الصهيوني إلى العراق، ليعملَ بحرية ودون محاسبة أو رقيب، على زرع العملاء و إرسال "فرق الموت" والشروع باغتيال العراقيين، مع التركيز على تصفية الشخصيات العراقية البارزة و المبدعة، من علماء وسياسيين ورجال دين سنة وشيعة، والقيام بإلقاء عبوات ناسفة على مساجد ومقدسات الشيعة والسنة بهدف الوصول إلى حالة احتراب واقتتال بين أهل المذاهب والإثنيات والأعراق العراقية المتعددة.. لم ينس الصهاينة تنظيم عمليات شراء عقارات من أرض و فنادق وغير ذلك في العراق مستخدمين في تلك العمليات المشبوهة رأس المال الـ... ووسائل التجسس والإغراءات التي تجتذب بعض ضعاف النفوس ووسطاء الجشع و الأذلاء من العرب وغير العرب!

كما غزت جيوش الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وبقية الحلف العدواني السافر أرض الرافدين، بغية استخدام تراب العراق كقاعدة انطلاق لنشر وتنفيذ خططها العدائية ضد العرب والمسلمين، وفي الطليعة سوريا ولبنان، فإن "إسرائيل" الإرهابية لم ترد أن تفوت هذه الفرصة -وقد صنعت لخدمتها- فقد دخلت العراق ومن بين أهدافها التجسس والتنصت على سوريا انطلاقاً من العراق ومحاصرتها في أكثر من جهة وحدود، وصولاً إلى العقوبات الاقتصادية المجحفة الغاشمة التي فرضتها عليها أسوأ إدارة عرفها الشعب الأمريكي منذ جورج واشنطون، بالتنسيق والتعاون مع الصهيونية ومخالب اللوبي!

كما هو معروف، فإن أسلحة الدمار الشامل، تلك الكذبة الكبيرة، انكشفت ولم تعد تنطلي حتى على أصدقاء وأتباع الإدارة الأمريكية بقيادة بوش المتعصب، وقد جاء اعتراف وزير خارجية أمريكا كولن باول - المستقيل-، عن معلومات مضللة وكاذبة نقلها لمجلس الأمن، مصدرها المخابرات المركزية الأمريكية ليحفر قبراً سحيقاً لطائفة المبررات المراوغة والمختلقة التي استخدمت كدرع تمويه لاحتلال العراق وإطلاق يد المجرم شارون-وسط انشغال العالم- ليرتكب المجزرة تلو المجزرة، بحق الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة، وليبني سور الضم و التشريد والتوسع، ويقترف المزيد من جرائم اغتيال أبناء وبنات الشعب الفلسطيني المناضل، وكانت من أبرز قمم جرائمه الجبانة، اغتيال الرئيس الرمز الكياني عرفات واغتيال الشيخ القائد الشهيد المقعد أحمد ياسين.

أبعاد اقتصادية وتاريخية وأساطير النشوء والتوسع

كثيرون ما زالوا يذكرون ذاك العلم العراقي الذي أراد مجلس الأتباع و حواشي التفريط فرضه على الشعب العراقي، تحت إشراف بريمر الهارب ذعراً، قبل موعد تسليم أكاذيب "السيادة" للحكومة العميلة ، كان علما بملامح و ألوان و زرقة صهيونية فاقعة، هنا يبرز الشعار الصهيوني الشهير "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل" وقد استخف البعض بهذا الشعار وأهدافه ودلالاته، و نسوا إن إسرائيل دخلت العراق مع الدول الغازية بأشكال مباشرة وغير مباشرة كقوة محتلة، أنها شاركت في سرقة آثار العراق،و مستغلة قصة "السبي البابلي" لتحريف التاريخ لصالح مزاعمها.. وأن هذه الدولة العبرية الإرهابية التوسعية العنصرية، أخذت تنتشر على شكل، سفارات، قنصليات، علاقات وتطبيع، مقرات تجسس، بضائع وسلع، تصدير وتفجير.. إلى ما هو أبعد من الأزرقين، النيل والفرات، فموريتانيا، على سيبل المثال، لا الحصر، تقع خارج حدود هذين النهرين الخالدين.. والأطماع الصهيونية في ثروات العرب ومواردهم وترابهم القومي أكبر بكثير من مساحتها التي اغتصبتها على حساب تشريد الشعب الفلسطيني بعيداً عن أرضه التاريخية و حقوله و سائر ممتلكاته السليبة.

إن الصهيونية الني غزت أرض الرباط في فلسطين المغتَصبة، حملت لواء الزيف والتلفيقات الدعائية، حين أخذت ترشق الدنيا بأباطيل مزاعمها عن" أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" مستخدمة الخزعبلات والأساطير الموضوعة و تحريفات وإستثمارات توراتية خرافية وسوى ذلك من ادعاءات مغرضة، حين أخذت الهجرة اليهودية بالتدفق على فلسطين، في ظل و حماية الإنتدابين البريطاني والفرنسي، ارتفعت في فضاء المكائد و الألاعيب مقولات الظلام والخداع، لتغري القادمين بأرض اللبن والعسل و بوسائل الترهيب و الترغيب، و يبدو أن عينها كانت منذ ذلك الوقت على أرض المن و السلوى! فكيف لا تحرض الصهيونية على احتلال العراق بموقعه الإستراتيجي الهام وهو يتربع، على بحيرة من النفط وعلى نسبة كبيرة جداً من إحتياط البترول العالمي..

لقد استثمرت الصهيونية خرافاتها وأساطيرها إلى أبعد حد استغلالي مزور، مُدمرة في أساليبها الدموية التصفوية مئات المدن والقرى الفلسطينية، طاردة ومشردة شعب فلسطين، جاعلة من المزامير والكتب الصفراء، صواريخ قتل وأدوات تعذيب، وآلة عسكرية إجرامية "متطورة" استخدمتها لتنظيم المذابح و المجازر ضد الشعب الفلسطيني.

كيف لا تغزو العراق و قد خاض الحروب واشتركَ في معارك باسلة، في سبيل حرية فلسطين و شعبها، ضد "إسرائيل" الإرهابية وسقطت صواريخه في قلب الثكنة العبرية العنصرية؟

كانت الصهيونية التي أدركت مبكراً أهمية السيطرة على وسائل الإعلام و على مفاتيح أساسية في المعاملات المالية وأسواق البورصة ومختلف النشاطات والأعمال التجارية المشبوهة والغير أخلاقية، كتجارة الرقيق الأبيض والمخدرات وسوق السلاح، قد شرعت بتأسيس بنية اقتصادية وعلمية مستقلة وخبيثة في فلسطين، أثناء وجود الانتداب البريطاني وقامت بالاستيلاء على أراض فلسطينية بواسطة تزوير عقود وتواطوء بعض الأثرياء العرب المعروفين الذين كانوا يمتلكون أراض خصبة واسعة، كمرج ين عامر..

وأطلقت الصهيونية أبواقها الكاذبة زاعمة أنها تريد الخير للفلاحين الفلسطينيين وأنها تعمل على إشاعة الازدهار والرخاء والتقدم لكل سكان فلسطين-لاحظوا التناقض- ولاحظوا أيضا كيف أن التاريخ يعيد نفسه، فيأتي الغزاة بأسلحتهم المدمرة ومنها أسلحة دمار شامل محرمة دولياً، و بجيوشهم الجرارة لاحتلال العراق وترويع العرب و الترويج لعملات الصدأ المكشوف: نريد الحرية للعراق، الديمقراطية و حقوق الإنسان، الازدهار، التقدم!.. وأمعنوا في جرائمهم، في إنتهاكاتهم المروعة الوحشية ضد المدنيين العراقيين، إلى درجة خلنا أننا في مواجهة طغاة غزاة قدموا للتو من العصر الحجري، بأخلاق مغرقة في البدائية والتوحش، وبتقانة متطورة يفلح الإمبرياليون وجنودهم وقادتهم في استخدامها، في إنتاج الشرور وقتل وتعذيب المدنيين الأبرياء العزل في العراق وفي فلسطين..

أما أمريكا التي قامت وتأسست على الإرهاب والبطش، ونظمت المسابقات وقدمت الجوائز لمن يقتل أكبر عدد ممكن من الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين، فقد أدركت أن طفولتها التاريخية وافتقادها إلى مكونات وأسس حضارية عريقة، نقطة ضعف وعقدة كيانية في مسيرتها المتقدمة اقتصادياً وتكنولوجياً، فأخذت تروج لأسطورة الحياة على الطريقة الأمريكية، فركزت الأضواء على أسطورة تفوقها ونعيمها الأرضي، لم يكن كل ذلك كافيا، فقد وجدت ضالتها في تأسيس الكيان الصهيوني الغاصب لتستمد من وجوده ومن خرافاته حقول وهمية، توحد بين النشاطات الكنسية-خاصة الإنجيلية- والمحافل والجمعيات الدينية المتعصبة والأيديولوجية الصهيونية ومنابعها اليهودية، فآمنت بأن دعم "إسرائيل" والتغطية على جرائمها ومعاداة العرب والمسلمين مسألة مبدئية واعتقادية، فبقاء "إسرائيل" والحفاظ على وجودها وحمايتها والتخلص من أعدائها-كما حدث مع الرئيس صدام حسين- يجعل عودة المسيح الثانية وثيق الصلة بتفوق "إسرائيل" وكيانها!

إن عدم امتلاك عمق حضاري إنساني عريق يشكل عقدة نقص لدى الأمريكي الذي يريد أن يكون متفوقاً في كل الميادين لذا يبرهن بغطرسته على تاريخية انحطاط القيمي والسلوكي والإنساني في شخصيته.. تلك الصفات لم يكن فقط وليدة جرائم احتلال فيتنام، أو تنظيم الاغتيالات والوقوف وراء الانقلابات وتصفية خصومها في جمهوريات الموز في معظم الدول اللاتينية.. وصولا إلى الأفريقية-كعملية اغتيال (باتريس لوممبا) ودعمها لنظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا..

إن أمريكا الرسمية بصفاتها اليانكية العسكرية الثقافية الإعلامية تحمل في "عقلها" ألف ديكتاتور من الحجم الكبير، وهي لا تكف عن إلحاق الأذى بكافة شعوب الأرض، انطلاقاً من نظرة التجبر والهيمنة والاستعلاء.. ومن اعتقادها بأنها أسطورة كونية تصنع الأساطير على أنواعها وتطلقها في فضاءات العنف والإكراه والتزوير.. وفي هذا الإطار يمكن النظر إلى نظرية (صموئيل هننغتون) في "صراع الحضارات" كأسطورة حية، تحميها وتنفذها ضد العرب والمسلمين و بقية الشعوب الضعيفة، آله عسكرية متفوقة.. ألم يسبق هذا المنظر الصهيوني بأفكاره البوارج والأساطيل الإمبريالية الأمريكية إلى تمهيد اجتياح العراق وترويع وتهديد العرب والمسلمين؟ ألم يكن محرضاً ومخططاً كبيراً للتحالف اليانكي الصهيوني في اعتداءاته ضد العراقيين والفلسطينيين والعرب؟ إن الإمبريالية الأمريكية تنظر إلى العرب والمسلمين "كأغيار" تماماً مثلما تعتبرهم المزامير والكتب اليهودية الموضوعة، وأن العهد القديم ليس وحده الجامع بين محتلي العراق وناهبي خيراته ومغتصبي فلسطين ومشردي شعبها.. بل أن عهود الشرور والمصالح والاستغلال ما زالت تكتب وتوقع بين الحاقدين على العروبة والمعرقلين لوحدة العرب، بمداد الأحبار الجدد و سمومهم.

أما الآخر (فوكوياما) الذي أثار ضجة مبرمجة ومعدة بإعلانه "نهاية التاريخ" فقد أراد أن يعلن نهاية تاريخ كل من يعارض اقتصاد رأس المال الاستغلالي وشركاته واخطبوطاته الاحتكارية.. فّإذا به يروج لانتصار النموذج الأمريكي في التفكير والثقافة والتجارة وأسلوب العيش.. كأنه يدعو الشعوب إلى الاستكانة والتسليم بقدرها.. واللحاق في تقليد المثال الأمريكي "المتفوق" والذي لا تقف ضده أية ثقافة أو منظومة قيم إلا وتعرضت للغزو والتدمير والاجتياح والاستهداف.. تماما كما يحدث-بأساليب مختلفة- لنا في العراق وفلسطين وسوريا ولبنان والخليج العربي ومصر والمغرب العربي.. حين تصبح الدعوة إلى الإصلاح والتغيير -في الجوهر- بمثابة دعوة إلى الامتثال وإتباع أمريكا وشريكتها الصهيونية في تعميم الديمقراطية.. وأية ديمقراطية زائفة وشكلية وناقصة، تبرز مخالب هيمنته حين تتعرض مصالحها ومنافع رموزها لخطر يأتي من الشعوب التي تطالب بسيادتها الحقيقية وانسحاب المحتلين الغزاة من كل شبر من الأرض العربية ولتتمكن شعوبنا المقهورة من التحكم في نفطها وسائر مواردها؟

إن الولايات المتحدة و إدارتها التي تنظر إلى شعوبنا نظرة إحتقار هي الصهيونية ذاتها في نفس النظرات اللئيمة..

أذكر أنني في أحد المرات ، بينما كنت ماشياً في الشارع العام في دولة أوروبية.. إستوقفني ثلاثة شبان أمريكيين.. و عرضوا علي بضاعتهم الدينية..فزعمت –كي أتهرب منهم بأني لا أتكلم الإنكليزية، فإذا بأحدهم يعمد إلى حقيبة جلدية، يفتحها و يقدم لي كتيبا باللغة العربية..و حين إنصرفوا قرأت في الكتاب فإذا به يتحدث عن ألواح محفوظة" مقدسة" عثر عليها ، و هو تائه في الصحراء" نبيهم" فأطلقوا على أنفسهم لقب "المورمون"..و يا لهذا التيه الذي يشبه تيه النبي موسى في صحراء سيناء..و يا لها من "مصادفات" بين حاقدين و طامعين ينسجون الأساطير لتسويغ عملية قتل الآخر!

ما أشبه الليلة الصهيونية بالليلة الإمبريالية الأمريكية، و كم تتشابه و تتقاطع برامج و خطط الإحتلالين الأمريكي للعراق الشامخ و الصهيوني لفلسطين الحبيبة!

لم يبق غير أن يقول الأمريكان عن عراق حمورابي و الشرائع و بابل و أشور و بغداد الرشيد و المنصور و المستنصر و عن مدرستي الكوفة و البصرة و كل المنجزات و الحضارات العظيمة و عن العراقيين الأباة: جئنا لنعلمهم زراعة النخيل ثم نأخذ بترولهم نظير هذه الخدمة!

تقطيع أوصال الأماني والتطلعات القومية

في لمحة سريعة و موجزة على بعض الوقائع في تاريخ العرب الحديث نشير إلى أن إنعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في سويسرا "بازل" عام 1897.. تم بعد عشرين سنة من اتفاقية "سايكس- بيكو"، التي ما زال العرب يعانون حتى وقتنا الراهن من آثارها و نتائجها الكارثية على شعوبنا العربية و الإسلامية، و سبقها بعام واحد فقط صدور وعد بلفور سيء الذكر"1916" هذا الوعد الذي يوصف حقاً بوعد من لا يملك لمن لا يستحق! فهل يسفر الخنوع الرسمي لمعظم الأنظمة العربية عن إصدار وعود جديدة للدخلاء، الطامعين في أرض العروبة و مواردها و ثرواتها فتأتي جحافل المغول الجدد لتحتل المزيد من أراضينا، تحت ذرائع واهية وأكاذيب ملونة، كتخضير الصحراء العربية و تقويم اللسان العربي حتى "يتعقل" و يبتعد عن ألفاظ غير إصلاحية، تستفز قوة الحبروت و الإستعلاء و الهيمنة، كتلك التي تحمل تعابير السيادة و الحرية و التقدم و التضامن العربي و تدعو إلى دعم و مناصرة المقاومتين الباسلتين في العراق و فلسطين ؟

إن أخطاء و خطايا بعض القيادات السياسية العربية و بؤس البرامج السياسية و الإقتصادية و الفكرية و الثقافية.. لمعظم الأحزاب و التنظيمات و التشكيلات الإجتماعية و النخب الثقافية العربية هي التي أدخلت الإستعمار الأجنبي بكافة أطيافه و ألوانه وتحولاته الذئبية إلى "كرم عروبتنا و سيادتنا" دون أن نغفل واقعية الأسباب القاهرة الموضوعية و طبيعة التحالفات و التبدلات الدولية، عبر مراحل تاريخية متباينة، أسهمَ عامل التراخي و التفكك و العجز الداخلي في مساعدة أعدائنا الخارجيين، من صهاينة و أعوانهم و أتباعهم و الضاربين بخناجر ضغائنهم، على سرقة ثرواتنا، و إقامة القواعد العسكرية التي تخدم إسرائيل و محاولتها المدعومة أمريكياً و غربياً..للسيطرة على العرب و المسلمين ، بحيث تتغير وظيفتها من ثكنة تصدير أزمات للعرب و شرطي المنطقة إلى جنرال طاغية مُقرر مُسيطر له اليد الطولى في ما يسمى بالشرق الأوسط الكبير الذي يجمع الدول العربية و الإسٍلامية، تحت ضربات الإملاءات و التطبيع الهجين و التدخل في الشؤون الداخلية و ممارسة الضغوط وتغيير المناهج التربوية و تشويه القيم و التقاليد و الأعراف العربية والإسلامية-تحت عناوين الإصلاح و التغيير المخاتلة-

كأن العرب لا يكفيهم ما حلَّ بهم من نكبات و عذابات و هموم متواصلة و أنظمة خانعة و مواقف مخزية رسمية و فقر و جهل واقتصاد مريض و بطالة مقنع و سافرة مع نسبة مخيفة من الأميين.. و شلالات من دماء زكية طاهرة تسيل على أرض الرافدين و في فلسطين.. حتى ترث الصهيونية و حليفتها الإمبريالية الإحتكارية أرض و ممتلكات و ثروات العرب و المسلمين كأنهم يملكون حق الميراث بعد وفاة العرب!

هي عملية متواصلة لتقطيع أوصال التماسك و التلاحم و الأماني العربية.. وعد بلفور يتكرر على لسان مُحتل العراق و مُعذب شعبه بوش، في إطلاق يد المجرم شارون في تصفية الفلسطينيين و تدمير بيوتهم و الطلب من الفلسطينيين أن يكونوا واقعيين في طروحاتهم و مطاليبهم السياسية و التحررية فيقبلوا شيئاً من "فتات رؤيته" المتقلبة و التخديرية،حول دولة فلسطينية ناقصة السيادة، غير قابلة للحياة و التطور، في ظل إبتلاع و ضم صهيوني لمساحات واسعة جداً من الضفة الغربية لصالح المستعمرات و جدار الضم و التشريد و الطرق الإلتفافية و سواها من حلول إلتفافية-قضية الإنسحاب من مستوطنات غزة- يراد بها إخضاع الشعب الفلسطيني و مصادرة حقوقه المشروعة في بناء دولة فلسطينية كامل المواصفات و الشروط السيادية على أرضه المحتلة، عاصمتها القدس الشريف مع ضمان عودة كل اللاجئين و النازحين إلى أرضهم و ديارهم الأصلية التاريخية السليبة.

سايكس بيكو يتكرر في سيناريوهات حاقدة، منع وحدة العرب، الحيلولة دون وصول العقل العربي الجمعي إلى مرحلة الخلق و الإبداع و الإنتاج الصناعي المتقدم..إسرائيل قامت ككيان مغتصب، كأن بالمستعمرين و الصهاينة يتذكرون أن وحدة الشام مع مصر، فالمغرب العربي، هي التى وفرت شروط النصر التي مكنت القائد الإسلامي صلاح الدين أن يدحر الصليبين و ينتصر عليهم في معركة حطين و يدخل القدس مُحرِراَ..

جاء إحتلال العراق كي يخدم إسرائيل و يزيل من طريق شرورها عقبة قومية كأداء-كما يؤكد هذه الحقيقة أحد جنرالات الحرب الأمركيين- جاء الغزو الغاشم، المؤسس على جبال من أكاذيب و إفتراءات كي يمحو من الوجود ركائز النهضة و قواعد التقدم العلمي و القدرات العسكرية و يحول دون إنتشار "الظاهرة العراقية" و إمتدادها-الذي يشكل خطراً على إسرائيل- للمحيط القومي العربي..و ليوجه ضربة قاصمة لإمكانية إحياء الجبهة الشرقية و ربما إلى أمد بعيد..

أرادَ الغزاة ومن خلفهم إسرائيل الإرهابية، إخماد الإنتفاضة الفلسطينية المباركة عبر قطع شرايين الدعم و المساندة العراقيين ، لشهداء و شهيدات فلسطين الأبرار..

استهدفَ الإمريكيون الغزاة و بالتعاون مع الصهاينة و العملاء تسديد ضربات موجعة للمشروع الحضاري النهضوي العربي و لتأبيد سجن القدرات و الكفاءات العربية في معتقلات التهميش و الشطب و الإلغاء..

هي عمليات و إجتياحات مستمرة، لتقطيع أوصال و أطراف كل محاولة عربية وحدوية..منذ أن ضُرِبَ مشروع محمد علي باشا في مصر على أيدي المستعمرين البريطانيين و الفرنسيين، وصولاً إلى إنهاء وحدة سوريا مع مصر في عهد الزعيم الخالد الراحل جمال عبد الناصر و ما تلاها من محاولات وحدوية بصرف النظر عن جديتها و نية و أهداف القائمين عليها..

وغير بعيد عن هذا الطرح..فقد دفع العراق غالياً ثمن مواقفه و تضحياته القومية ، فكان من الطبيعي أن يستنفر الغزاة كل جهودهم الحاقدة على عراق الحضارة و التاريخ العريق، فيلفقوا له التهم بغية تدمير مشروعه الحضاري و تمزيق هويته العربية والسيطرة على نفطه ، بعد أن دانت لهم السيطرة على نفط الجوار و التحكم بقرارات "أوبك".

روابط بين بواسل العراق و صقور فلسطين

من جرح نزيفنا المستمر في أرض الرباط و الصبر و التحدي إلى جرحنا النازف في عراق البواسل..تعمدت روابط الأخوة و الوفاء بدم شهدائنا الطاهر. هي علاقات تربط العربي بالعربي تؤكدها أواصر التاريخ المشترك ، من لغة و عادات و دين و أهداف و آمال و تطلعات و آلام مشتركة. فأي شيء أفضل و أسمى من تلك الجسور المنيعة التي يبنبها التواصل النضالي يين أبناء و بنات أمة يواجهون العدو الواحد و يربطهم المصير الواحد من المحيط إلى الخليج و لو كره الخانعون!؟

لقد اهتدى الظلام الوحشي بل مكوناته و مصالحه و شركاته الإستغلالية المتوحشة و أطماعه التوسعية إلى تلك الروابط التي تضع الشعبين العربيين الفلسطيني و العراقي، مع كل الشرفاء العرب، في طريق مشترك مناهض للذل و الإستخذاء و الإحتلال بنسختيه المتشابهتين الصهيونية و الإمبريالية، و ضد كافة أشكال القهر و الهيمنة و الإستبداد و التشرذم و التبعية، فسعى إلى إطفاء نيران انتفاضة أبطال فلسطين، بواسطة مياه تجلبها ماكينة وأدوات أحقاده و مخططاته التقسيمية التبديدية، من نهري دجلة والفرات. لكن مياه الرافدين، أعلنت مقاومتها الشجاعة ضد الغزاة و جيوشهم المجحفلة، و قد تسلح النهران الأبيان بكامل غضبهما، فصارا يرشقان قطرات المياه على هيئة نيران إضافية تصد الغزاة، و تعلن سيادة شعب الرافدين ، لا السيادة المكذوبة الخارجة من أحشاء الكذبة الكبرى: أسلحة الدمار الشامل العراقية .

إن الترابط بين العرب حقيقة تؤكدها مفاهيم الحق و المنطق و التاريخ و الضرورة القومية و المصلحة المشتركة، حقيقة يفرضها الواقع الملموس والمنافع والطموحات الحيوية الواحدة، أما ترابط أهداف ومخططات أعداء الأمة والعروبة والإسلام، فهي مشدودة بحبال الباطل وخيوط الشر والعدوان.

توأمة الإرادات و العزائم هو الهدف النبيل الذي ينبغي أن تتحلق و تجتمع حوله كل الجهود العربية، و دعماً لكل قضايا العرب المصيرية ،في فلسطين و العراق و سوريا و لبنان و سائر الأقطار و البلدان والأمصار..

هي عناوين للنهضة و للوحدة، لتوحيد البرامج الكفاحية العربية، للنهضة و التقدم و الشروق، ينبغي أن ترتفع و تتجسد في ممارسات عملية واعية و جريئة، تضع حداً لحالة المواجع و التفكك و الذل و الهوان في الواقع العربي الكئيب .

فهل يستمر نزيف فلسطين و العراق، إلى أن تفتح جراحات جديدة في خارطة العروبة، أو يدرك الجميع أن الخطر الداهم يهددنا من الماء الجريح حتى الماء المُهان؟