نواقض الوحدة الوطنية: التحزب الطائفي

صلاح المختار/العراق

هناك سباق علني، على طريقة "المزاد العلني"، يجرى الآن في العراق، موضوعه الأساس: من يثبت أنه أعلى صوتاً في التنديد بالطائفية، وصب اللعنات عليها والتحذير منها، وتبيان مخاطرها! وسبب وضعنا علامة التعجب، هو أن هؤلاء المتسابقين، ليسوا سوى أبطال الفتنة الطائفية، ومطلقي عوائها، ومغذي نيرانها. فالفتنة لم تطل برأسها إلا حينما رفعوا رؤوسهم، وشغلوا ألسنتهم الطويلة، من هم هؤلاء؟ ومتى زرعت بذور الفتنة الطائفية؟

البداية: الاختراق الصفوي

يخطأ من يظن أن النداء الطائفي في العراق ابتدأ نعيقه عقب الاحتلال الاستعماري الأمريكي للعراق، رغم أن الاحتلال جاء بمخطط تفصيلي لتقسيم العراق،على أسس طائفية - اثنية، فالقصة اقدم بكثير، وتعود إلى زمن الخلافة العثمانية، حينما قام اسماعيل الصفوي، ملك ايران السنية آنذاك، بفرض التشيع بحد السيف على ايران، ليس حباً بالتشيع، بل رغبة في التخلص من ولاية العثمانيين! ولأنه لم يكن شيعياً حقيقياً، فقد أسس تشيعه الخاص، القائم على التعصب الطائفي، المقترن بطقوس زراد شتية، كتقديس رجل الدين إلى درجة منحه حق إدخال الجنة والنار لمن يريد! فرجل الدين هو (وكيل الله في الأرض)، و(آيته)، و(سره المقدس)، (وروحه) ولذلك فطاعته بشكل مطلق وأعمى واجبة.
كذلك ادخل الصفويون الممارسات الغريبة على الإسلام بشكل عام، والتشيع بشكل خاص، مثل تقديس الأئمة الأطهار إلى حدود التذلل لمراقدهم، والضرب على الأجساد حتى تدمى، والسعي على أربعة مسافات طويلة، كالكلاب التي تدلي لسانها، ولحس الأرض بألسنتهم! والأخطر، في هذا الإطار، هو ارتكاب المعاصي وإحالة الذنوب كلها إلى المرجع، عند تنفيذ أوامره! ففتحت أبواباً كانت محرمة، إسلامياً، للقيام بأعمال غريبة، مثل تحويل (التقية)، من حالة استثنائية إلى وضع دائم، فأصبح الإنسان يعيش وسط الغاز ودسائس، أفقدته الثقة بغيره، أو (زواج المتعة)، الذي هو الآخر كان مؤقتاً، في زمن الفتوحات، ثم الغي، لكن الصفويين أعادوه، فأدى ذلك إلى هز مؤسسة الزواج وخلق مشاكل لا تعد ولا تحصى.

التحزب الطائفي

تلك كانت البداية الحقيقية للفتنة، خصوصاً وأن الصفوية كانت حركة توسعية، لأنها اعتمدت على التبشير، بأفكارها وممارساتها، في الوسط الإسلامي، من اجل تغييره، ودفعه لقبول طروحاتها. وهكذا شهد العراق والخليج العربي بشكل خاص حركة تبشير صفوية، تتبرقع بالتشيع، تولى إدارتها وتمويلها شاهات ايران المتعاقبون، مستخدمين رجال الدين الايرانيين، خصوصاً وانهم كانوا تقليدياً يأتون للدراسة في النجف وكربلاء. ومقابل هذه الحركة الصفوية السياسية، والشوفينية بالأساس والحقيقة، ظهرت في العراق حركة طائفية سنية كرد فعل على الصفويين الناشطين.
لكن طبيعة العراق العشائرية، ثم الحزبية فيما بعد، كبحت اندفاعات كلا التيارين الطائفيين، الشيعي الصفوي والسني. فالعشائر العراقية التي انقسمت، بعد دخول النشاط الصفوي للعراق والصراع مع العثمانيين على أرضه إلى شيعة وسنة، بقيت قوية في روابطها، فعطلت اغلب مفاعيل الطائفية بفضل (رابطة الدم). وفي الثلاثينيات من القرن العشرين شرعت الأحزاب الوطنية بالظهور والسيطرة على المشهد السياسي العراقي، فجاء عامل كبح جديد وقوي للطائفية إضافة للكبح العشائري. إن الأحزاب العراقية الرئيسية، كالبعث والشيوعي والوطني الديمقراطي والاستقلال، والتي برزت في الأربعينيات، وصعدت في الخمسينيات وما بعدها، قامت على أساس وطني من حيث كسب الأعضاء والأنصار، فهي خاطبت، واستقطبت، كل عراقي بغض النظر عن ديانته (مسيحي أو مسلم أو صابئى)، وطائفته (شيعي اوسني)، أو أثنية (عربي أو كردي أو تركماني)، لأنها آمنت بأن خلفيات تكوين العراقيين، ومهما كانت، مسألة خاصة وطبيعية، وهي بمجموعها، تشكل النسيج الطبيعي للعراق. لذلك لم يكن مقبولاً أبداً في الأحزاب الوطنية، الانحياز لطائفة او دين او اثنية، فالكل عراقيون، واجبهم هو الدفاع عن عراقيتهم أولاً وأخيراً، حينما يتعلق الأمر بقضايا العراق.

الأفعى تطل برأسها

شهدت الخمسينيات ذروة المد الوطني العراقي والقومي العربي، وقد تجلى ذلك في توحد العراقيين، بمختلف أحزابهم، ووقوفهم مع الثورة المصرية، التي قادها المرحوم جمال عبد الناصر، خصوصاً بعد أن وقع العدوان الثلاثي على مصر، في عام 1965م، وقيام الوحدة المصرية- السورية في عام 1958م. في ذلك الوقت بالذات، ولمواجهة المد القومي العربي الجارف أنشئ حزبان طائفيان: الأول هو حزب الدعوة الشيعي الصفوي، الذي أسسته المخابرات الايرانية في زمن الشاه، والثاني (حزب الاخوان المسلمين)، الذي موله (البترو دولار)، وأعقبه (حزب التحرير). وكانت هذه الأحزاب الثلاثة تمثل نزوعاً طائفياً ودعوة طائفية شيعية صفوية وسنية. لكن قوة الحركة الوطنية ووجود إجماع وطني على رفض الطائفية الحزبية، عزل هذه الأحزاب، وأبقاها على هامش السياسة العراقية.

البداية الحقيقية للفتنة الطائفية، والتي بقيت نائمة، أو هامشية، هي سقوط الشاه ووصول خميني للسلطة، ووقوع حرب أفغانستان ضد الغزو السوفيتي، عندها تضافرت جهود (الصفويون الجدد) مع الولايات المتحدة والبترو دولار، كي تحول طبيعة الصراع والتشكيلات والتوازنات السياسية في العراق والمنطقة، من التمسك بالإطار الحزبي الوطني العام، إلى طرح منافس وبديل يقوم على أساس الانتساب الطائفي، سواء كان شيعياً او سنياً، ولتحقيق ذلك أنشأت ايران (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)، ليدخل حلبة الإثارة الطائفية ويعززها. إن مصدر الخطر في الأحزاب الطائفية هو أنها لا تقبل إلا أبناء طائفة واحدة، وهذا يعني أن خط الصراع الحزبي اصبح محض سباق طائفي، كان محتما أن يؤدي إلى شق الصف الوطني والإسلامي، وجعل الوحدة الوطنية والوحدة الإسلامية شبه مستحيلتين بوجه التحديات الخارجية.

لقد وجدت الأحزاب الوطنية العراقية التي بقيت (وهي البعث والشيوعي بعد زوال الوطني الديمقراطي والاستقلال) أنها بمواجهة مد طائفي خطر ومدمر، كان أول وأهم أهدافه، هو القضاء على البعث ونظامه في العراق، الأمر الذي غير أولويات الصراع السائدة لعدة عقود، فاصبح البعث يركز على الأمن الوطني العراقي، المهدد من قبل الصفويين الجدد بقدر تركيزه على الخطر الصهيوني- الأمريكي، وقد برز ذلك واضحاً في الثمانينيات وما بعدها. إن شعار (تصدير الثورة الإسلامية)، واختيار العراق هدفاً أولاً لتطبيقه، والتحرك المسلح والعدواني لحزب الدعوة ضد النظام في العراق، قد ادخل البلد في دوامة خطيرة، كانت أحد أهم أسباب تسهيل غزو العراق، والذي ابتدأ فعلياً في عام 1991م. لقد صارت الأحزاب الطائفية تهدد الطبيعة الوطنية للأحزاب العراقية وتجبرها على التعامل مع التحريض الطائفي بدل مواصلة العمل الوطني.

عواء الافاعي

للأفاعي فحيح وليس عواء، ومع ذلك وجدنا أفاعي الطائفية في العراق تعوي، من شدة حقدها وعصبيتها، وإصرارها على تفتيت الوحدة الوطنية العراقية خدمة لقوى خارجية، وقد وصل سعارها وعواؤها حد الخروج إلى العلن، في خدمتها لأعداء العراق، حينما حضرت الأحزاب الطائفية مؤتمري لندن وصلاح الدين لما سمي آنذاك (المعارضة العراقية)، واللذان نظمتهما المخابرات الأمريكية والبريطانية، ووضعت الخطط من خلالهما لغزو العراق وتدميره، وبمشاركة تامة من قبل الأحزاب الطائفية. وما أن بدأ الغزو في 20/3/2003م، حتى رأينا (الحوزة) تطلب الحياد بين الوطن والغزاة ! فيما تدفق الصفويون الجدد، من خارج الحدود، إلى جنوب العراق، بعد أن دخلت القوات الأمريكية- البريطانية الغازية، واخذ الصفوي يقاتل ضد الجيش العراقي وشعبه تحت راية (المحافظون الجدد) الصهيو-أمريكية!

واكتملت استدارة الحلقة الطائفية، المحكمة الإغلاق، حينما برز الحزب الإسلامي العراقي (الطائفي السني)، كطرف مشارك في إسناد الغزو، ودخل مجلس الحكم حينما شكل، وهكذا رأينا الوجه الحقيقي للطائفية بشقيها الشيعي الصفوي والسني، وهو وجه كالح تفتيتي، يخدم الاستعمار والصهيونية،علنا وفعلياً ورسميا، ويسهم في خدمة مخطط تدمير الدولة العراقية، وارتكاب جرائم ضد العراقيين، شيعة وسنة وعرباً وأكراداً وتركمان!

ومع ذلك، ورغم كل حقائق التاريخ المعاصر، نجد الحزبية الطائفية تندد بنفسها، أي بالطائفية وخطر التقسيم الطائفي، وكأنها تريد أن تغطي شمساً بغربال! إن الطائفية، وفتنتها، هي من صنع كل حزب تشكل على أساس طائفة معينة، وليس عضوية كل مسلم، لان عراق الأحزاب الوطنية كان لا يشكو من الطائفية أبداً، وكان البعثي، مثلاً لا يعلم ما هو الانتساب الطائفي لرفيقه في الحزب أبداً، بل أن أحداً لم يسأل عن سبب كون أول ثلاثة أمناء سر للبعث في العراق من الشيعة، وهم المرحومين فؤاد الركابي وعلي صالح السعدي، والسيد حازم جواد. ومن الظواهر التي تنطوي على معنى وطني عظيم، إن قيادة البعث التي قادت ثورة رمضان الموافق 8/2/1963م. كانت كلها مؤلفة من الشيعة، باستثناء المرحوم حمدي عبد المجيد، ومع هذا لم يخطر ببال أي عراقي أن يسأل عن أسباب هذه الغلبة، المطلقة للشيعة على قيادات البعث.

وهنا تحضرني حادثة مثيرة، وهي أنني عرفت أن المرحوم علي صالح السعدي كان شيعيا، رغم أنني كنت أعرفه شخصيا، وأنا استمع إلى محاضرة في واشنطن، في عام 1982 حول البعث، كان يلقيها أحد أهم خبراء أمريكا بشؤون العراق، وهو حنا بطاطو على ما أتذكر، وهو أمريكي من أصل فلسطيني. وكان أغرب ما في تلك المحاضرة هو تفسير انشقاق البعث لعام 1963 على أنه صراع طائفي بين سنة البعث وشيعته! فنهضت ونقدت المحاضر بتأكيد أن هذا التفسير ليس خاطئاً فقط بل هو خطير ويزور تاريخ العراق والبعث. وكان ذلك بعد وفات السعدي وفصله من الحزب، في حين كان السعدي عند تفجير خلافه مع قيادة الحزب القومية، ومع رفاقه الشيعة العراقيين، وفي مقدمتهم حازم جواد والمرحوم طالب شبيب، يصر على القول حتى وفاته، أن خلافه (هو خلاف اليمين مع اليسار)! وقتها تأكدت أن أمريكا تخطط لإثارة فتنة طائفية في العراق. هكذا كان مناضلوا العراق، ومازالوا فوق الطائفية، ولا يعرفون الجذور الطائفية والإثنية لرفاقهم، لأنها غير مهمة ولا صلة لها بعضوية الحزب، ولكونهم أمناء على وحدة العراق الوطنية، ويعملون من اجل الوحدة العربية وليس تجزئة المجزأ.

أما الآن فإننا نسمع العجب من صفويين يرتدون العباءة الشيعية تخفياً، وهم يتحدثون عن (الأغلبية الشيعية التي يجب أن تحكم)، ويصرون على العمل كطائفة أولاً وليس كعراقيين، كما كان الحال قبل الغزو، فيرد عليهم الحزب الإسلامي وغيره، بتحية طائفية سنية سيئة مثلها، حينما يتحدث عن (حماية مصالح السنة) وليس حماية العراق من الاغتصاب الاستعماري! وبدل أن تنغمس هذه الأحزاب في التثقيف ضد الاحتلال نراها اليوم تثقف طائفيا، وتحفر خنادق طائفية بدل أن تحفر خنادق الجهاد ضد الاحتلال!

لذلك قلنا: انه عواء الأفاعي الطائفية، الذي يسمح (لبرابرة التوراة) الغزاة، أن يجلسوا على ظهورهم، ويحملوهم إلى مدننا المقدسة، كالنجف الأشرف وفلوجة المجد وبعقوبة الأسود وغيرها، كي تدنس، وتغتصب حرائر العراق، وتبيد شبابه. وعواء الأفاعي هذا لا يصدر من أفواه عملاء الاحتلال فقط، بل أنه أيضاً ينداح من أفواه بعض أدعياء مناهضة الاحتلال، الذين يتمسكون بالجمع بين الليل والنهار في ساعة واحدة حينما ينتقدون الاحتلال ويشتمون قيادة المقاومة ورموزها بنفس الوقت، لكنهم يرفضون إدانة أبناء طائفتهم الذين صاروا جحوشاً للاحتلال! ألم نقل أن الفحيح من شدته ينقلب عواءا؟