مقدمة كتاب من صلب الفلوجة يخرج "الحُرُّ بنُ عاصوفاء"
تأليف عمر شبلي – لبنان
"تبعاً للحكماء من كبار السن في منطقة "شوكو" الكولومبية كان آدم وحواء أسوديْ البشرة وكذلك ابناهما قايين وهابيل.
وعندما قتل قايين أخاه بضربة عصا انفجر غضب الرب. وأمام غضب الرب شحب القاتل من الخوف والذنب وراح يشحب ويشحب حتى بات لونه أبيض إلى آخر أيام حياته.. نحن البيض أبناء قايين" يا لها من دماء مقدسة سُفحت في مدينة المساجد... مدينة العرب العاربة.. إنهم لا يفهمون لغة المآذن.. تعلُّم اللغات شيءٌ ضروري.. ولأنهم لا يفهمون لغة المآذن يظلون مهيئين للدخول في أكياس البلاستيك السوداء....
وعندما يدخل الجنود الأمريكان إلى مساجد الفلوجة بأحذيتهم المصنوعة من جلود الشعوب، ويقتلون الجرحى يكون "محمد العربي" وأصحابه أسرى وزعتهم العواصم العربية على بلاد الروم والزنازين المظلمة في "غوانتاناو و"أبو غريب"..
لا بدّ من فهم العلاقة بين الفرات والإمام الحسين ومقاتلي الفلوجة والمآذن المتهدمة.. ما أضيق الفجوة بين الحب والحقد، يكادان أن يكونا شيئاً واحداً أحياناً.. لقد جُرح الفرات ثانيةً فسال من دمه "الحسين بن علي" الشهداء والمآذن والفرات غارقون في قراءة كتاب " ظهور الحرّ بن عاصوفاء".. ما أروع القتال حين يكون النصر مستحيلاً.. فقط وقتها يصبح النصر ممكنَ الحدوث..
ما سرُّ ذلك الحب الذي يجعل العاشق يفنى في محبوبهِ ... ولذلك نستطيع القول: إن الفلوجة مدينة يقطنها الشهداء والعشاق.....
يقال: إن الرجال يَقتلون ويُقتلون، وفي الحالتين يتجول الشهداء في الفلوجة في الليل، هم يلبسون ثياباً خضراء، يقال إنها محوكةٌ من سعف النخيل... ولذلك كان الجندي الأمريكي يتعجب كثيراً، ويقول لقائده: إني رأيت نخلةً عاريةً تبكي!!..
نخيل العراق أيضاً يشارك في المعركة، إنه يصنع الضمادات، في زمن عدم وجودها في الصيدليات العربية...
لقد تأكد الغزاة أن النخيل والرجال والفرات سيبقون في العراق مهما كان الموت كثيفاً وغزيراً....
لقد كان حطام الفلوجة وحده الدليل على عظمة هؤلاء الرجال، وعلى قيامتها أيضاً.. كانوا يقاتلون، وهم يشربون الشاي، ويهوِّسون "جابوا يبلعْنا غَصْ بـِينا" "يا حوم اتبع لو جرّينا" لم تـُقطف أعذاق النخيل هذا العام، لقد اسودتْ من دخان القذائف. أترى كم هم فعلاً أعداء الحياة!!!.... قبل سنوات أكلت من تمر الفلوجة ،حين دعاني أصدقائي الأسرى، إلى الآن لا زال طعمة هذا التمر في حلقي...
عند جذع شجرة نخيل جريح عراقي، وجندي أمريكي حيالهما حائر على أيهما يطلق النار أولاً.... يجب على الغزاة أن يعرفوا أخلاق النخل جيداً، نخل العراق حنينه قاس، وجذوره لا تموت في العراق.... فسائلُ النخيل تنمو بسرعة حول الجذوع المحترقة... الفرات أيضاً يشارك في المعركة، إن الفلوجة ابنته ، ليلياً ينقل إليها الرجال العراقيين العراقيين ليحرسوها.. "علموا أبناءكم: الرميَ والفروسية والسباحة"...
نفط العراق أيضاً يقاتل الغزاة، "إنه مادة سريعة الاشتعال" وجلود الغزاة لا تحتمل حرارة العراق، ولا كبة اللهب المستعر من النفط. نفط العراق ليس رجعياً.... لم تبق بقعة في الفلوجة ليس عليها شهيد... فط العراق يأبى التعامل مع قوات الاحتلال..
الغزاة يقتلون الأطفال في الفلوجة، ظناً منهم أنهم سيكبرون خلال المعركة، لأن يوماًواحداً في الفلوجة عند الأمريكان كألف سنة مما يعدون.. فويل لهم من مجيء يوم عقيم. الطائرات كانت ذليلة فوق الفلوجة، وهي تقتل الأطفال. الغزاة يمزقون أجساد الأطفال وكأنهم يلعبون. إن الذي يقتل الطفل ليس إنساناً... هو مهزوم في داخله سلفاً... شاهدناهم في الفضائيات يقتلون الجرحى والأطفال، ترى بم يجيبون لو سألهم المسيح الذي يتمسحون به؟.... وشاهدناهم مملوئين خوفاً وهم يطلقون النار، هل هذا الخوف يدل على أنهم أحاب قضية؟... لماذا يهرب الجنود الأمريكان من العراق؟...
لماذا يخافون حتى من البيوت الخالية؟ لماذا يسحبون أبوابها من بعيد سحباً بحبال معدنية ثخينة؟... لماذا أنتم مصابون بلعنة العراق؟...
هل تتقدم البشرية كلما تقدمت آلتكم!!.. هل تدركون أن حضارة العراق عمرها أكثر من عشرة آلاف سنة!!!...
الأمريكان يقولون: إن الزرقاوي في العراق، ونحن نرى في الفضائيات مع الجنود الأمريكان الشقر سِحـَناً من آسية بوضوح تقاتل معهم. فهل هم من جماعة الزرقاوي؟
هل الأطفال والنساء والشيوخ الذين يُقتلون أو يسحبون من تحت الأنقاض من جماعة الزقاوي؟ وهل الزرقاوي يوجد في كل بيت من بيوت الفلوجة،؟ ولماذا لا تلقون القبض عليه؟ ولماذا كلما دخلتم مدينة هرَّبتموه إلى غيرها؟؟!!... ولماذا الزرقاوي حي لا يموت؟...
يا بوش الإمبراطورية الجديدة تحتضر في الفلوجة.. صحيح أنك هدمت الفلوجة، ولكننا قوم نؤمن بالقيامة.... والهدم أحياناً كثيرة ضروري للبناء....
هل تعلم يا بوش أن اسم الفلوجة يُذكر ليوم في الفضائيات أكثر من واشنطن ونيو يورك؟ وبالطبع يذكر أكثر من العواصم العربية... في رأيك لماذا؟
يا بوش: تريدنا أن نرى المسيح في عزرائيل الذي تركته يتجول بين أطفال العراق!! جئت إلى بلادنا ممتطياً صهوة إلهك الحديد.... تريد أن تدلنا على الله؟
هل تعلم أن الله ابتدأ من بلادنا؟...
مآذننا ونواقيسنا أقامت العلاقة بين الأرض والسماء...
لا أحد يقرأ إنجيلك يا بوش إلا حكامنا المؤمنون بك، وأصحاب الشركات الكبرى وباعة الحمام في الهيكل ويهوذا العربي...
هل السادة حكامنا المحترمون يرون الفضائيات؟... إذن لماذا يتكلمون في المؤتمرات بجدية؟...
ولماذا لا تعقد المؤتمرات إلا في شرم الشيخ أو وادي عربة؟...
ولماذا لا تعقد في المناطق الآهلة بالسكان؟....
لماذا لم نسمع كلمة الفلوجة في مؤتمرات الشيخ المشروم؟...
هل رأيتم في الفضائيات كيف يجلس الحاكم العربي كتلميذ الراهبات أمام المسؤول الأمريكي؟.... ترى لماذا كل هذا الأدب أمام قتلة فلسطين والعراق؟...
إذا كان في السياسة موقف ونصف موقف وربع موقف وأدنى فلماذا يبتعد حكامنا عن أدنى أدنى المواقف؟....
لماذا لا يُمثــَّل الشهداء وأسرى الحرية والمقاومين في أي مؤتمرٍ عربي؟...
إذا لم يحضر من يمثل هؤلاء فماذا يبحث الرؤساء والملوك والأمراء في مؤتمراتهم، وهل الحكام هم الذين يقاتلون الغزاة حتى يتفاوضوا معهم على وقف النار...؟!!!
هل يدرك الساسة العرب أن الشعب مقهور مما لحق به من امتهان نتيجة السياسات الجبانة، هل يدركون أن كلامهم الرسمي يزيد آلام الشعب وكراهيته لهم؟....
هل يدركون أن الجياع لا يشبعون من الوعود والخطابات السمينة؟....
هل يدرك الساسة العرب أن الشعب العربي من محيطه إلى خليجه مقهور ويكاد يعصف بكل شيء بسبب ما يحدث في الفلوجة؟؟...
هل الشعب العربي مسرور باجتياح العراق؟ إذن لماذا يتظاهر الساسة بأننا مملوؤون بالرضا لما يفعلون؟...
لماذا كلما ازدادت لائحة حقوق الإنسان ازداد خرقها من قبل واضعيها؟...
من يدري مدى الحزن الذي تشعر به الأم الفلوجية تحت الأنقاض وطفلها الجائع بين يديها، وهو يصرخ ويبكي، إنه يريد الخروج إلى الشارع ليلعب مع أترابه، إنه لا يدرك أبداً ماذا يحدث في الشارع!!!!!....
الفلوجة محرومة اليوم من الأشجار والمدارس وكركرات الأطفال، ومحرومة أيضاً من مطعم "كباب الفلوجة"....
الموت في الفلوجة ليس عادلاً إلاّ حين يتجول بين القوات الأمريكية... وقتها الحياة أيضاً تكون عادلة....
نهر الفرات يصبح أجمل عندما تعبره الأجساد العاشقة مساء. تلك عادة الفرات من زمن الحسين بن علي...
يصبح الموت محبوباً كالحياة عندما يكون الحب كبيراً، وكذلك الحقد.... أن لا يُجنى النخيل في موسمه فذلك يعني أن شيئاً مهماً قد حدث، أعذاق النخيل سوداء هذا العام، وكذلك قلوب الغزاة....
شباب الفلوجة لا يدركون مدة الزمن التي تتطلبها مدينتهم لخدمتها، ولتنظيف شوارعها من أتربة الموت، ولذلك وصلوا حياتهم بحياة مدينتهم وبحياة العراق أيضاً....
الفلوجة مزدحمة بالموت، وكذلك بالثوّار.. ولكنها تبدو خالية من الغزاة رغم كثرتهم لأنهم من سكان الدبـّابات... لا يبرحونها إلا إلى أكياس البلاستيك السوداء.... فهل يفهم "الحرس الوطني ذلك"؟....
لقد ثبت علميّاً في الفلوجة أن أشد أنواع الشظايا فتكاً هي شظايا الجسد... الجسد الذي اتخذ قراراً بالتحول إلى شظايا.... الثوار القادمون إلى الفلوجة ليلاً ليسوا بحاجة للمصابيح. أحقادهم هي المصابيح... الضابط الأمريكي منهمك بالبحث عن "الزرقاوي" والزرقاوي لا يُرى ولا يموت...
استطاعت الفلوجة أن تجعل الجغرافية تاريخاً... وللجغرافية والتاريخ ذاكرة حادة تنغرز في الأجيال مثلما ينغرز الوعي في حفنة من تراب....
الأمريكي يريد الفلوجة التي يريدها هو، والثوار يريدون الفلوجة التي تشبههم تماماً...
والمعركة على أشدها لتحديد شكل الفلوجة...
هل دمٌ بهذا الوضوح يكون حمّالَ وجوه؟...
حين تدعى الحكومة العراقية المؤقتة لحضور المؤتمرات إنما يدعى النفط وليس العراق.... العراق هناك في شوارع الفلوجة وكربلاء، وأخواتهما...
للعراق اليوم مفتاح واحد. إنه بيد المقاومة البطلة.. وآلاف المفاتيح الأخرى ليست ملائمة للباب العراقي العظيم.... المقاومة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي.. سيأتي يومٌ وليس بالبعيد يطلبون فيه الغفران من قدميْ الفلوجة....
آه ما أصعب خيانات ذوي القربى....
إن جرح الفلوجة هو ضماد لجرح أمتنا الكبير...
أقوى أسلحة العرب انتفاضة فلسطين ومقاومة العراق.. وأعجزنا السلاح الرسمي الذي يصدأ في الأقبية... لمن يشتري حكامنا السلاح إذن؟... الجواب معروف وواضح..
العرب الرسميون يطالبون بالسلام العادل والشامل... هل يعنون ما يقولون حقاً؟..
هل يضع الضعيف شروطاً على القوي...؟
حكامنا ضعفاء لأنهم لا شعوبَ لهم، الشعوب ترفض أن تكون لهم... حكام العدو أقوياء لأنهم يمثلون شعوبهم... هذا سبب هزائمنا...
حكامنا ممتلئون بضبط النفس أمام العدو حتى الرمق الأخير... ونحن ممتلئون بالقهر...
وضبط ساعاتنا على وقع أقدامهم...
الحل في بنادق الثوار وليس في أدراج الحكام الذين يمثلون دور الشرطي والـ... إنهم يبحثون في مؤتمراتهم عن شعوبهم، ومن يدري لربما يحلـّون هذا الشعب لينتخبوا شعباً آخر، كما يقول بريخت.... إنهم يقمعون أطفالنا بقتلنا... يجب ألاّ نسكت، لأننا مرشحون للحذف باستمرار.... إنهم كالـ يحولون بين المرء وقلبه...
الإذاعات العربية أكذب من أولي الأمر... تكذب حتى في نشرة الأحوال الجوية...
أروع ما في المقاومة العراقية أنها لا تتسابق على تبني العمليات.. إن الثوار يؤمنون ببنادقهم جيداً... ويؤمنون بأن الشعب العراقي هو وحده صاحب الحق بتبني العمليات.... الجرح العراقي يغوص بحلم كبير كبير...
لماذا عدد المساجين.. مساجين الرأي الحر دائماً أكثر من عدد القوات المسلحة في بلاد العرب...
عيبٌ أن ندافع في زمن الهجوم...
من رأى بندقية الجندي الأمريكي وهي مصوّبة إلى رأس أعزل.. طفل أمام الجندي الأمريكي يبكي من الخوف.. أهذه هي الحرية الجليبة؟!!!!....
امرأة تستغيث وطفلها يرضع من صدرها، إنها قضية الحياة والموت في حالة واحدة..
الجثث الصامتة في شوارع الفلوجة هي المتكلم الوحيد في هذا الزمن العربي الرديء... هل يستحي رامسفيلد حين يرى جثث الأطفال العراقيين تسحب من تحت الأنقاض، وضباطه يزعمون أنهم قتلوا مجموعة من أنصار الزرقاوي؟ هل هؤلاء الأطفال هم من جماعة الزرقاوي... إذا كنا لا نعتب على رامسفيلد وبوش، ألا يحق لنا أن نعتب على الحضارة الغربية كلها.. طبعاً سيقولون لنا: اعتبوا على حكامكم أولاً.. ونقول: لا إن حكامنا خُلقوا كما يبدو لزمن غير زمننا...
من يستطيع النظر طويلاً إلى بندقية موجهة لرأس طفل...؟
شيوخ النفط يلبسون العـُقـْلَ والكوفيات والعباءات المزركشة رمزاً للشرف العربي.. ويلبسون أيضاً ما لا أستطيع ذكره...
الفلوجة تقاوم ومؤتمر شرم الشيخ يدعو لضبط النفس والحكمة الأمريكية...
العرب في مؤتمر شرم الشيخ يمارسون عملية التضامن الميكانيكي ، ويزنون بآخر مدينة عربية تقاوم...
يبدو أن الثوار في العراق لا يسمعون أخبار مؤتمراتنا التي نختلف فيها على صياغة جملة ولا نختلف على صياغة أوطان على الطريقة الأمريكية...
الحاكم العراقي المحكوم إياد علاوي يذهب إلى الموصل بالطائرة... أترى لأن الموصل بعيدة ، أم خوفاً من بنادق الثوار؟... الجواب جاء على لسان الصواريخ التي أُطلِقتْ على طائراته في سماء الحدباء أم الربيعين...
إنه يقبل بكل ما يوحي إليه وعيه الأمريكي...
الأرض بالنسبة للإنسان هي التي تحدد سماءه.. فالذي تصادر أرضه تُصادَر سماؤه أيضاً...
يقولون إن أفراد المقاومة العراقية قليلون جداً، ونحن نقول: من العبث أن تعد الأشجار في الغابة...
الحكومة العراقية المؤقتة وأعضاء السفارة الأمريكية يتجاورون في "المنطقة الخضراء" كتجاور الأموات في المقبرة... في الحكمة اليونانية "إنني أرى الحصان لكن لا الطبيعة الحصانية" يتساءل "إدواردو غاليانو" "في الحروب من يبيع السلاح؟"... هذا السؤال نحوِّله بدورنا للشركات العملاقة التي كانت في حرب فيتنام لاتقبل الانسحاب من بلاد العم "هوشي منه"....
هم لا يعرفون العراقيين أبداً، العراقيون يشاكسون حتى مع الحاكم الوطني، فما بالهم مع العملاء القادمين تحت الرايات الأجنبية...
أول خطوات السلام في العراق هو أن يدرك الأمريكان أنهم لا يستطيعون البقاء في العراق.. تلك نصيحة مخلصة نقدمها لكوندوليزا رايس رئيسة الجمهورية الأمريكية وبالطبع لنائبها جورج بوش!! مع حفظ الألقاب، أو نسيانها لا يهم...
أول ما يجعلني أصاب بالذهول حين أسمع: أنّ الحكومة العراقية قررت كذا وستفعل كذا وحين أسمع السيد أحمد الجلبي يتكلم عن الوطنية في العراق... ماذا يحدث في هذا العالم لا أحد يعرف بالضبط... لماذا لا يستطيع أحد فهم ما يقوله الخبراء؟...
هل تستطيع أمريكا أن تحسم الوضع لصالحها في العراق إذا استخدمت القنبلة الذرية؟
أنا أشكّ في ذلك، لأن الطوفان البابلي غمر العراق كله ومع ذلك نبت العراقيون من جديد؟.... ومع نخيلهم أيضاً....
أغرب ما سمعت: أن القتال ضد الأمريكان الغزاة المحتلين يحتاج إلى فتوى....
مفتي الأزهر يفتي بقضية: أن، أكل الجراد حلال، ولا يفتي بقضية إنسان يدافع عن أرضه وعرضه وقيمه....!!!!!!
الثوار العراقيون يدافعون عن الإنسانية كلها بقتلهم "خمبابا" الجديد، ولا عجب. إن ذلك من رسالة أمتهم الخالدة....
هل هناك منظر أجمل من أطفال العراق وهم يرفعون الشظايا الأمريكية في وجه الشمس،... إنهم ينتمون لأول شريعة ناولتها الشمس للإنسان العراقي، ولذلك لن يضلوا الطريق أبداً...
المشهد في العراق مغمور بالظلام.... وبالشمس أيضاً...
عرفت العراقيين في الأسر لعقدين من الزمن.. فيهم طباع الجذور والرياح العاصفة.. ولذلك من لا يعرفهم يظنهم متناقضين.. إنهم عراقيون قبل كل شيء.. ما رماهم أحد بسوء إلا حلت به لعنة العراق... إنهم يتقنون الموت حتى لكأنهم يمارسونه يومياً كأعمالهم العادية... يحبون حتى الذوبان ويكرهون حتى الانفجار.. فحذار من العراقي إذا أحب "يفنى ولا عايل يمسْ محبوبتا".. وحذار من العراقي إذا حقد "ما دام بالرِيـّا نفـَسْ ما اندنِّجْ نبوس الكفْ"... "المقهور هو الذي ينتصر في النهاية"...
العراقي يصمت كالرصاصة في حجرة النار... فيه سر الموت والحياة في لحظة واحدة...
العراق ينهض، لأن النخيل ظلّ منتصباً رغم تمزقه بالشظايا... ورغم اللهب الذي صبَّ عليه...
الحياة هي الهدف الأول عند العراقي، ولذلك يموت طوعاً ذوداً عنها....
اليوم، السير في الفلوجة محفوف بالموت، غداً سيحجّ إليها ثوار العالم ومثقفوه لأنها بداية عصر ونهاية عصر....
"كان قدماء العراقيين يؤمنون بالأبدية في عالم واحد، والموت فيه حالة ليست خارجة عن الحياة، الموت هو دائرة من دوائر الحياة، وهذا له علاقة بفيضان النهرين في أوائل الربيع. كان الموت مفسَّراً من خلال الطبيعة المحيطة بهم. وصراعهم مع الموت كان كصراعهم مع فيضان النهرين، وكما يخلق الطمي عبر جرف النهرين كان الموت يتجدد بالحياة." و"شخّصتْ المقدسة جنة عدن فيها والنهرين التوأمين "دجلة والفرات" ضمن أربعة أنهار تنبع من الجنة "في عقيدة السومريين."...
"استخدموا الصلصال لحفظ المعلومات . أول محراث بدأ في وادي الرافدين، قسموا الدائرة إلى درجات ودقائق وثوان. أول نظام مصرفي بدأ في وادي الرافدين، ورسم الخرائط، واستنبات لأنواع من الحبوب، والمراقية الفلكية. وربما أول تقويم كان في وادي الرافدين..." ومن ينسى شريعة حمورابي، وقوانينه "العين بالعين والسن بالسن" ومن ينسى حدائق بابل المعلقة...
"وكان الكلدانيون والآشوريون يؤمنون بخلود الروح ، بعد مراسم الدفن الجسدي تظل الروح حائمة وهائمة بشكل غير واضح.... كانوا يؤمنون بالبعث في الحياة، كانوا يعتقدون أن تمّوز إلهَ الخضرة والربيع ينزل إلى العالم السفلي كل خريف ويعود إلى الحياة مع أوائل الربيع، وكذلك عشتار نزلت إلى العالم السفلي وعادت إلى النور ثانية. قامت من الموت وعادت إليها الروح.."
والعراق -مذ كان - مشغولٌ بالاتجاه إلى الأعلى في وجوده الحضاري، مع شمولية في التوسع الإدراكي الإنساني، ولذلك كانت حضارة بني العباس الإنسانية وشمولها الكوني حتى لكأنها بلا مثيل إلى الآن...
والعراق صاحب الملحمة العظيمة قبل اليونان. الملحمة التي بطلها كلكامش، "وهو الذي رأى كل شيء" والذي جسّد الطبيعة البشرية بالبحث الدائم عن الخلود. والذي جسّد خلوده بالفعل الحضاري والفن المؤرخ للروح الإنسانية قبل جغرافيتها....
هذا هو العراق الذي أنشأ مؤخراً جيشاً من العلماء... ولعل هذا هو السبب الأبرز لغزو العراق يريدون قطعه عن أصوله الحضارية ليفقد ذاكرته، ويتلاشى... لماذا نقول كل هذا عن العراق، وتحديداً عن الفلوجة التي صارت هي عراقاً؟.. طبعاً لنؤكد لكل من يعنيه الأمر أن العراق أكبر مما يظنون... إن هذا الرصيد الحضاري يدخل في كل التفاصيل العراقية... يدخل في التربة المتجددة بالطمي.. يدخل في سحن الأطفال.. يدخل في أصلاب الرجال.. يدخل في الشعر العراقي الحاد كمخالب الصقور الجارحة... يدخل في الجمال العراقي الوحشي بجرأته وحِدَّته وتميزه. يدخل في لوحات ساحة التحرير.. وقبر الحلاج.. وشارع الرشيد وشناشيله.. يدخل في قباب مسجد الكاظمية الوضيئة كالإيمان نفسه.. يدخل في أم الطبول... يدخل في دجلة التي يتوضأ التاريخ من مائها صباح مساء... يدخل في شهرزاد وألف ليلتها... يدخل في شارع أبي نواس الذي يسكر على خصر دجلة، وهناك له نشوتان "وللندمان واحدةٌ"... يدخل في خان مرجان ومقامات القبانجي والبياتي... يدخل في المستنصرية وحكمة "مأمونها" وإخوان صفاها، وجاحظها ومعتزلتها وعبد قادرها "الكيلاني" المجذوب" إلى فوق.. يدخل في ملجأ "العامرية" الشاهد على حضارة الأمريكان التي قتلت الأبرياء بما فيهم الفنانة ليلى العطار... يدخل في شموخ تمثال الجندي المجهول... يدخل في أضرحة الأولياء الذين هم تربة بغداد الحقيقية بمقدار ما هم روحها وتاريخها.. يدخل في المتحف العراقي والمتحف البغدادي.. يدخل في لعبة "المحيبس".. يدخل في جسر الشهداء، وشوارع بغداد الواسعة كصدور أهلها.... يدخل في شعر الرصافي وعبد المحسن الكاظمي، وعبود الكرخي وصوت ناظم الغزالي.. يدخل في آلاف المنحوتات واللوحات التي جعلت من بغداد متحفاً إنسانياً لا يُضاهى... يدخل في غيم هارون الرشيد الواسع كالدنيا.... يدخل في "طاق كسرى" وسينية البحتري.. والقديس "سلمان باك" وتصافح الحضارات واندغامها في الذات العربية... يدخل في "ملويّة" سامراء التي لوت عنق الاحتلال، يدخل في قبة هاديها ومهديِّها، وفي معتصمها، وهو يلبي نداء "الهاشمية" وفي شعر حبيب بن أوس الطائي، وهو يؤكد له "ولو أجبتَ بغير السيف لم تجبِ"... يدخل في "الحدباء" "أم الربيعين" وقبر النبي يونس وهو يعود مجدداً من جوف الحوت إلى "مئة ألف أو يزيدون"، مدينة تغلب وبني حمدانها... يدخل في كربلاء مدينة الشهادة المحمية بالحسين إلى أبد الآبدين، ذات المنائر الوضيئة والضحايا البريئة.. الطفِّ التي فازت بالحسين والعباس قمر بني هاشم الأسيف... يدخل في النجف الأشرف، مدينة أبي الحسن المكرّم الوجه الذي غدا النموذج المتكامل للإنسان والذي نحن معه بلا شروط.. يدخل في بابل ذات الحدائق المعلقة والقوانين المضيئة والأسد الرابض على مدخلها يحرس التاريخ والجغرافية معاً... يدخل في البصرة، بصرة الجاحظ والحسن البصري والفراهيدي والأخفش وسيبويه، وشط عربها و"أبلامه" الماخرات به كالأحلام بين وشوشة النخيل وسقسقة المياه على ضفافه.. يدخل في "جيكور" السيّاب و"بويبها" الخالد، يدخل في أهوارها السحرية المذهلة... يدخل في كوفتها الحمراء ومسجد "مسلم بن عقيل" ومآذنها وحزنها الذي يردده ليلها ونهارها باستمرار وحتى قيام الزمن الآخر... يدخل في نواعير عانا وراوة... يدخل في المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس، والذي جسّد العبقرية العربية بشعر يحسده الخلود عليه... يدخل في الغناء العراقي الحزين المتفجع "حِنْ بويَ حِنْ.. حنَّتْ حمامات السجنْ... مرخوصلك كَت الدمع شرط الدمع حد الجفنْ"..... "خلِّي ونـَّكْ فوق ونِّي وخلْ نِوِنْ بشفافْ خرسا... الدنيا ما تسوا بواكي... السكتةْ ونسةْ" يدخل في الجيش العراقي العظيم الذي تشهد له سوح الأمة في كل معاركها.. يدخل في صلاح الدين الأيوبي القادم من تكريت ليحرر فلسطين... يدخل في مجد آشور وتاريخها الخالد، وفي كردستان ذات الشعب الوفي الشجاع... يدخل في الفلوجة مدينة المساجد والشهداء والتي ستكون أول مدينة عربية تهزم أعظم أمبراطورية في تاريخ الإنسانية...
لو قرأ بوش تاريخ العراق لما تقدم إلى جغرافيته... إنها الجغرافية المسكونة بالتاريخ، المسكونة بكل قيم الإنسان مذ كان... لو حذف العراق من التاريخ لتأخرتْ نهضة العالم قروناً كثيرة....
أمريكا تريد نقلنا إلى عصر الأنوار الخاطئة جداً... إنها تمارس عدمية مطلقة، حين تخدع البشرية بأنها تريد التأسيس للمدينة الفاضلة في العراق.. هل ما يحدث في الفلوجة مداميك في جدر المدينة الفاضلة؟!!! إن المدنية الحمقاء مرعبة أكثر من مذأبات منتشرة في القارات الخمس، إن وسائل دمارها قوية وهي تفتقر إلى الحكمة والتوازن ومن هنا فإنها مهددة بالانهيار ومهدّدٌ معها المجتمع الإنساني كله... الفلوجة الآن أخذت على عاتقها مع أخواتها العراقيات أن تلجم الريح الشهوانية السوداء ،كما فعلت آلهة الأولمب مع "عوليس" العائد إلى إيتاكا حين لجمت الرياح والأمواج ليصل "عوليس" إلى وطنه حيث "بينلوب" الوفية وكلبه وصديقه وابنه "تليماك". ومعاً يهزمون العشاق الأراذل الأوباش الذين يسرقون مال غيرهم ليتنعموا به هم وحدهم...
المقاومة العراقية اليوم مؤهلة لإنقاذ العالم من الوحش الأمريكي، ومؤهلة لولادة القائد العربي الجديد المتصف بالبطولة الخارقة وبالحكمة الخارقة.
من صلب الفلوجة سيظهر "الحرُّ بنُ عاصوفاء"
بيروت 17 /12 /2000