ماذا يخططون للعراق!؟
نواف ابو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين يقيم في الأردن
"إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية" قانون لإدارة العراق وضعه الاحتلال الأمريكي.. ينص على إمكانية تشكيل (أقاليم) عراقية تضم كلا منها ثلاث محافظات.. حيث تكون لهذا الإقليم حكومة ويتشكل له برلمان خاص به وبما أن العراق يتكون من ثماني عشرة محافظة فإن هذا "القانون" الأمريكي يسمح بوجود ست حكومات وستة اقاليم وستة برلمانات، إضافة إلى الحكومة المركزية - في بغداد! وينصّ الدستور - المؤقت ومشروع الدستور الدائم على "أن العراق دولة فدرالية" فإن هذه الكيانات "الستة" ذات صفة خاصة تمنحها ملامح "الدولة"، كما هو حال محافظات إقليم كردستان - السليمانية واربيل ودهوك، وهي المحافظات التي لها (حكومتها وبرلمانها) ومطامح "كردية" بضرورة ضم "كركوك" لاستكمال شروط "الانفصال" خاصة في ظل تجميع تواقيع وتقديم طلبات "كردية عراقية" إلى الأمم المتحدة مطالبة بإجراء استفتاء لإعلان الانفصال وإقامة "دولة كردية" في الشمال العراقي.
الأخطر أن ثمة طلبات تتقدم على كل "شيء" في العراق، لدمج ثلاث محافظات (جنوبية) في إقليم، وفقا للقانون الذي وضعه الاحتلال.. وأن هناك، في "الحكومة المؤقتة"، من اقترح كذلك تشكيل كيانات أخرى، من بينها كيان يضم الموصل وتكريت والرمادي! والحبل سيكون على الغارب حيث تعرض العراق للتمزيق - بعد الدمار والفوضى - ليصبح هذا العراق الواحد - تاريخيا ومصيريا - عدة كيانات متنافسة وربما متقاتلة أيضا.
إن كل قرية ومدينة وبلدة في العراق حصلت وتحصل على قيمتها الاجتماعية والحضارية والثقافية والاقتصادية من حقيقة كونها جزءا من العراق، وأن الحديث عن أن تشكيل هذه الأقاليم ليس خطرا على وحدة العراق هو ذرّ للرماد في العيون، لأن ما يجري فعلا يصب في عملية تنظيم التمزق وجعله حالة دائمة كواقع قائم! ولعل تجربة كردستان منذ عام 1991 أثبتت أن ثمة من لا يعير أي اهتمام للعراق ووحدته، بدليل ما يجري من علميات تثبيت وتركيز الواقع الذي افرزه واقع الاحتلال الأمريكي وكوّنه كنتيجة لحرب 1991 في العراق، وتجميع تواقيع "مليونية" وتقديم الطلب إلى الأمم المتحدة ليس سوى بداية عملية لتقنين وتشريع "المرسوم" منذ أكثر من قرن في الدهاليز والمخططات الصهيونية.
كما أن الملامح الخطيرة التي تؤشر هذا التوجّه تبدو جليا من الحديث عن "الدستور الدائم" الذي يفترض أن يعلن من (المجلس الوطني) المنتخب - تحت ظل الاحتلال - بعد الثلاثين من شهر كانون الثاني/يناير الجاري.
ونغمة "العراق الفدرالي" هي المقدمة (الشرعية) التي ستغطي على المؤامرة ثم تنزاح عن وجهها البشع.
وإذا كانت اللعبة التآمرية تتسم بالخطوات الدؤوبة المتسلسلة، فان واقع حال الشمال أكد هذه الحقيقة، وأن المطالبة بكركوك تكريس لمبدأ "الدولة الكردية" وأن اللجوء إلى نصوص قوانين وضعها المحتل استكمال أكيد لدفع المخطط إلى حيّز التنفيذ.
هناك مغريات لمحافظات بعينها، وهذه المغريات تتجلّى "بوجود تناسق وانسجام" بين هذه المحافظات، تجاهلا لوجود التناسق والانسجام ووحدة الهدف والمصير وعمق العراق كله، والتشابك الاجتماعي المترابط.
إن
كثيرا من العشائر العراقية منتشرة من البصرة إلى الموصل، ومن بعقوبة إلى الرمادي
فكيف يراد فصل الواقع المتجذّر تاريخيا! لا بد من حوافز ومشجعات واغراءات، والكراسي
عادة هي المحفزات والمشجعات والاغراءَ لكن هل تنجح هذه المؤامرة، أي مؤامرة تمزيق
الكيان الوطني للعراق، إلى ستة كيانات هزيلة وإن كانت تتحدث عن كونها "جزءا لا
يتجزأ من العراق الموحد"، وعن "احترام حق الحكومة المركزية في الوزارات السيادية"!
هذا غلاف لمّاع، لكنه شفاف وذو مسامات تسمح لتسرب الرائحة الزنخة لما هو داخل
المغلف.
العراق الواحد الموحد كان عبر التاريخ قدرة عربية وقدرة إسلامية، وقوّة للعرب والمسلمين ويراد الآن أن يتحول العراق - بكياناته المرسومة - إلى عبء على العرب والمسلمين وظهير للصهيونية ومنفذ إلى الاختراقات اللاحقة، شرقا وغربا لتمتد عملية تكوين (دويلات الطوائف) إلى بلاد العرب والمسلمين.
إن ما يجري في العراق اليوم ليس مجرد اختلافات حول "الانتخابات" و"مواعيدها" من دون الحديث عن تحرير العراق من الاحتلال، بل إن ما يجري هو محاولة تنفيذ المخطط التاريخي الذي يستهدف العرب كلهم والمسلمين كلهم! واحتلال العراق كان السانحة الملائمة للصهيونية العالمية - في ظل موازين القوى الدولية - لترى العراق أكثر من عراق، وتشهد عملية تشظي القدرة العراقية، وشرارات الضعف التي لا تشعل قشة واحدة في هشيم المتآمرين الصهاينة ومن يسندهم ومن ينفذ مآربهم.