الصراع/التوافق الأمريكي الإيراني الخفي في العراق
أ. د. محمد العبيدي
لم تكن الاتهامات الصريحة التي أطلقها الملك الأردني عبد الله الثاني لإيران بالتدخل في شؤون العراق من خلال تمويلها العديد من المنظمات فيه وتشجيعها لمليون إيراني على اجتياز الحدود مع العراق ليدلوا بأصواتهم هناك في الانتخابات قد جاءت عبثاً وبدون أدلة مادية. بل وأخطر ما قاله ملك الأردن عن هذا الموضوع عند حديثه لصحيفة (واشنطن بوست) هو تأكيده لوجود طموحات تراود إيران بقيام ما أسماه بالهلال الشيعي، الذي يضم إلى جانب إيران كلاً من العراق ولبنان وسورية.
بنظرة فاحصة لعمق التأريخ نجد أن طموحات إيران الصفوية بأرض العراق لم تقف عند حدها وخصوصاً منذ بدء الخلافات الإسلامية الأولى وحتى يومنا هذا والتي توجتها في أواخر ثمانينات القرن الماضي بمحاولة استيلائها على أراضٍ عراقية بالقوة الأمر الذي أدى إلى اشتعال حرب دامت ثمان أعوام بينها وبين العراق، خسرتها إيران جميعاً في النهاية. ومن هنا فإن حقيقة ما صرح به ملك الأردن هو فعل واقع بوضوح على الأرض في العراق اليوم، حيث نجد التدخل الإيراني السافر بأعتى صوره في الوضع المتردي أصلاً هناك نتيجة الاحتلال وما جلبه من مآسي على العراق وشعبه، وقد تمثل تدخل إيران من خلال آليات تعاونها الوثيق مع أحزاب وتنظيمات مرتبطة بها ارتباطاً تأريخياً وستراتيجياً ومنفذة لمآربها الخبيثة في العراق كحزب الدعوة والمجلس الأعلى وأخيراً مجموعة التنظيمات "الشيعية العلمانية" التي شكلها أحمد الجلبي، إضافة إلى الأعداد الهائلة من عناصر مخابراتها التي تسرح وتمرح في كل أرض العراق.
إلا أن الغريب في الأمر هو لماذا صرح الملك عبد الله بهذا الموضوع وبهذه الصراحة وفي هذا الوقت بالذات خصوصاً والأردن يعلم قبل غيره من الحكومات "العربية" أن مطامع إيران وتدخلها في العراق ليس بالشيء الجديد بل كان على مدى التأريخ القديم والحديث؟ والإجابة على ذلك تكمن في رأينا أنه بالرغم من أن الولايات المتحدة قد صنفت إيران كدولة مارقة من دول "محور الشر"، وبالرغم من مواقفها من مسائل عديدة تخص الشأن الإيراني وعلى رأسها موضوع القدرة النووية الإيرانية المحتملة، إلا أن الولايات المتحدة لا تستطيع الاستغناء عن الدعم الإيراني لها في احتلالها للعراق سواء كان منه الدعم المباشر أو غير المباشر والذي نراه على أرض الواقع بأشكال مختلفة. كما أنها لا تستطيع الاستغناء عن الموقف "الإيجابي" للمرجعية الإيرانية الشيعية التي يقودها علي السيستاني المؤيدة لاحتلال العراق، أو على الأقل غير الرافضة له، إضافة للدعم العسكري واللوجستي الذي تقدمه لقوات الاحتلال الأحزاب والحركات السياسية المرتبطة بشكل مباشر بإيران. لهذا فقد كانت ستراتيجية الولايات المتحدة في الوقت الراهن هي الإبقاء، ربما مكرهة، على هذا الجانب "الإيجابي" لعلاقتها مع إيران، إذ بعكسه تعلم الولايات المتحدة جيداً أنه في ظل الوضع المتردي لقواتها في العراق نتيجة ضربات المقاومة الباسلة ورفض الشعب العراقي للوجود الأمريكي في العراق فإن أي حساسية علنية مع إيران حول هذا الموضوع قد يؤدي لفقدان الولايات المتحدة الدعم الذي تقدمه لها إيران وممثليها من الأحزاب العميلة أو انحساره على الأقل وبذلك قد تتفاقم الورطة التي تعاني منها الولايات المتحدة نتيجة احتلالها للعراق والتي تعمل جاهدة من أجل التغلب عليها. لهذا اعتقدت الإدارة الأمريكية أن أفضل صيغة تستخدمها أولاً وبشكل غير مباشر هي توجيه تحذير إلى إيران من خلال إطلاقها العنان لعميلها "وزير" الدفاع حازم الشعلان في الأشهر القليلة الماضية كي يتهم إيران علناً بالتدخل في الشأن العراقي وقيامها بأعمال "إرهابية" في العراق ومن خلال تصريحات "نارية" لم تلق أي صدىً من الجانب الإيراني. وبعد أن ذهبت تصريحات الشعلان تلك أدراج الرياح، وجدت الإدارة الأمريكية في مسألة "تدويل" الضرب على الوتر الطائفي، والإيراني الشيعي منه بشكل خاص، خطوة ثانية ربما تستطيع من خلالها إرسال رسالة أوضح إلى الإيرانيين مفادها أننا نعلم جيداً بتدخلكم المباشر في الوضع الراهن في العراق وأننا لا يمكننا السكوت على ذلك. ولهذا توجه الملك عبد الله بتحذيره الذي سمعناه والذي عبر بشكل غير مباشر عن رأي الإدارة الأمريكية حول الموضوع، وبذلك وضع الأمريكان الأردن رأس حربة في مواجهة التأثير والتدخل الإيراني في الشأن العراقي. هذا وقد رأينا أن تصريحات الملك عبد الله قد أدت لنتائج ما كان متوقعاً منها ولو مبدئياً، بحيث أن إيران ستقاطع حضور مؤتمر الدول المجاورة للعراق المزمع عقده في العاصمة الأردنية عمان في كانون الثاني/يناير الحالي، وذلك يعني أنها قد استلمت الرسالة الأمريكية عبر الأردن. كما ودعمت سوريا إيران في مقاطعتها للمؤتمر وذلك لما بين الدولتين من علاقات قوية تذهب بعيداً، وأهمها التعاون بينهما أثناء الحرب العراقية الإيرانية، إضافة لما تراه الحكومة السورية من فرصة يجب استغلالها خصوصاً أمام تزايد الضغوط الأمريكية عليها مؤخراً.
والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه هو لماذا يقوم الأردن بهذا التحذير نيابة عن الولايات المتحدة؟ أليست الولايات المتحدة قادرة بنفسها على توجيه مثل هذا التحذير لإيران؟ والجواب على ذلك هو أنه بالإضافة إلى الورطة العسكرية التي وقعت بها الولايات المتحدة جراء احتلالها للعراق والخسائر البشرية التي ألمت بقواتها نتيجة المقاومة العراقية البطولية التي تزداد اتساعاً وتأثيراً، وجدت الولايات المتحدة أيضاً أنها ستعاني من نكسة سياسية بعيدة المدى في حال إجراء مهزلة الانتخابات، بالرغم من أنها تجد نفسها مجبرة على إجرائها، لما سيكون لنتائجها انعكاسات تراها الإدارة الأمريكية بأنها قد تكون سلبية على تحقيق مشروعها الاستعماري في المنطقة على المدى البعيد. والنكسة السياسية التي تراها الإدارة الأمريكية قادمة هو الاحتمال القوي لفوز القوى المرتبطة بإيران والمدعومة من المرجعية الشيعية الإيرانية بمسرحية "الانتخابات" القادمة مما يعني بالتالي تشكيلة حاكمة للعراق مرتبطة ستراتيجياً بالأطماع الإيرانية. ومع تأكده أن الشيعة هم من سيفوزوا بمهزلة الانتخابات تلك، لم يكن تصريح بوش قبل فترة وجيزة عن عدم ممانعته، ولو مكرهاً، من قيام حكومة دينية في العراق إلا بناء على تقارير مخابراته بأن أكثر من مليون إيراني قد تدفقوا إلى العراق، غضت أمريكا الطرف عنهم، الأمر الذي قد يحسم نتائج الانتخابات إلى صالح الشيعة الموالين لإيران. لهذا فضلت الإدارة الأمريكية أن تبعث برسالتها عبر طرفٍ ثانٍ تجنباً "لإزعاج" حلفائها في العراق المرتبطون بإيران.
كما أن السبب في رأينا الذي حدا بالإدارة الأمريكية بعدم التصريح علانية عن مخاوفها من التغلغل الإيراني الواسع في العراق هو:
إن هدوء الشيعة المرتبطين بالمرجعية الإيرانية وعدم مقاومتهم للاحتلال ما كان ليكون لولا التعهد الذي قطعه علي السيستاني للأمريكان بعدم الإفتاء بمقاومتهم عندما التقاه ضباط كبار من المخابرات المركزية الأمريكية في أول يوم دخلت فيه القوات الأمريكية للنجف. وبهذا فالإدارة الأمريكية لا ترغب بخلق حساسية هم في غنى عنها مع السيستاني بتوجيه أصابع الاتهام علانية لإيران حول تدخلها المحموم في الوضع العراقي الراهن، إذ كفاهم ما رأوه من السيستاني عندما طالب بإجراء الانتخابات بأقرب وقت ممكن.
إن التعاون الوثيق بين مليشيات المجلس الأعلى والدعوة والجلبي والتنظيمات الأخرى المرتبطة ستراتيجياً بإيران مع قوات الاحتلال كان ولا يزال عاملاً مهماً بالنسبة للإدارة الأمريكية نظراً لمشاركة تلك المليشيات في العمليات العسكرية التي تقوم بها قواتهم ضد المدن العراقية العديدة المقاومة للاحتلال. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ضمان الإدارة الأمريكية استمرارية دعم تلك التنظيمات لتقسيم العراق من خلال دعوتها لفدراليته "الثلاثية" تنفيذاً لحلم الصهيونية العالمية بتفتيت العراق والقضاء على مقومات وجوده كدولة عربية. وبهذا فإن الاتهام الأمريكي المباشر لإيران بتدخلها في الشأن العراقي قد يؤدي إلى انحسار التعاون بين تلك المليشيات وقوات الاحتلال مما قد يفاقم لحد كبير من المشاكل المتزايدة التي يواجهونها في احتلالهم للعراق الأمر الذي قد يؤدي إلى إفشال المخطط المرسوم للمنطقة عموماً.
والأهم من السببين أعلاه، فإن أعضاء مهمين في الإدارة الأمريكية من الممثلين لشركات الاحتكارات النفطية، ومن بينهم ديك تشيني، قد وضعوا خططهم مسبقاً للسيطرة على نفط العراق، وخصوصاً على النفط غير المستخرج لحد الآن. وأن أهم المواقع التي تنوي تلك الشركات للتنقيب فيها عن النفط والاستئثار بموارده الضخمة هي تلك الموجودة في المنطقة الجنوبية من العراق وخصوصاً في منطقة الأهوار المحاذية للحدود مع إيران. فقد أفادت التقارير، والتي تأكدت الآن على أرض الواقع، أن ادعاءات الإدارة الأمريكية بإعادة المياه إلى الأهوار المجففة سوف لن تجري بالكامل، إذ أن شركات الاحتكارات النفطية قد طلبت من الإدارة الأمريكية الإبقاء على جفاف ما يقارب من 75 بالمئة من تلك الأراضي وذلك لاستخدامها في عمليات التنقيب عن النفط واستخراجه، وهو ما ستقوم قوات الاحتلال بتنفيذه. وعليه فإن أي تعكير لصفو العلاقات مع إيران مباشرة قد يخلق لتلك الشركات أزمات هي في غنى عنها، خصوصاً وأن الأراضي التي ستستغل تقع في جنوب العراق حيث الأغلبية الشيعية التي يعتقد أنها مرتبطة بالمرجعية الإيرانية في النجف.
ووفقاً لما ورد أعلاه فإن التكتيك الأمريكي تجاه الوضع المتأزم حالياً لوجودهم في العراق يمر بمرحلة حرجة جداً بالنسبة لمخططاتهم المرسومة لهذا الاحتلال، بل ويمكن تصويره أن الأمريكان أصبحوا الآن بين نارين، عسكرياً هم يلتظون بشدة بنار المقاومة لقواتهم، وسياسياً يلتظون بنار قبولهم التعاون مع إيران إحدى دول "محور الشر". وبهذا فقد ارتأت الإدارة الأمريكية الانحياز إلى النار السياسية كأهون النارين ولو إلى حين انتهاء مهزلة الانتخابات و"شرعنة" حكومة عميلة لهم، حيث سيضمنون أولاً ربط العراق باتفاقيات ومواثيق لا يمكن لتلك الحكومة التنصل منها، خصوصاً وأن قواعدهم العسكرية الضخمة ستكون منتشرة في كل أنحاء العراق، وثانياً سيضمنون تقسيمه تنفيذاً للمخطط الصهيوني المعد مسبقاً.
وبهذا نرى أن الأردن باتهاماته العلنية لإيران نيابة عن الولايات المتحدة قد أصبح آنياً رأس الحربة للسياسات الأمريكية التي تنزف دماً في العراق وكبش فداء للعنجهية الأمريكية ومخططاتها للمنطقة.