دافعوا عن حرية الكلمة في وجه محترفي السباب!

بقلم: جمال السلمان/البحرين

إن القيم "الأصيلة" لشعب هذه الأرض الطيبة وهذه الأخلاق الراقية والتسامح العالي هي التي يجب أن نشجعها ونؤكدها، وذلك بألا نعير بالنا للشتامين والسبابين الذين يحاولون إرهاب كل صوت معارض لهم، وأن تلك الأصوات التي لا تعير حرمة للناس لمجرد الاختلاف هي أصوات دخيلة على ثقافة أهل البحرين وأصولهم العربية وثقافتهم الإسلامية الراقية، فقد برزت في الآونة الأخيرة كتابات فيها من الإسفاف والسطحية والتهجم على الناس برخيص الكلام ونابي الحديث، مما لا يحمل احتراما لأمانة القلم ولا يتجمل حتى بأبسط معاني الأخلاق، مليء بالسباب والشتائم لمن يبدي رأيا مخالفا لرأيه، تشم منه رائحة طائفية بغيضة وتهجما على قيم أهل هذا البلد العربي حيث يتهجم على معاني العروبة والقومية ويحاول جاهدا أن يخلق انفصاما بين هذه المعاني وقيم الإسلام العظيم.

نحن ننظر إلى ما قاله الرسول الأكرم صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((جئت لأتمم مكارم الأخلاق)) ذلك الحديث النبوي الكريم الذي خاطب به محمد صلى الله عليه وسلم العرب الأقحاح من أهل الجزيرة العربية من مكة والمدينة المنورة، ليدلل على أن الله سبحانه عندما اختار أمة العرب لحمل هذه الرسالة للعالمين فإنما اختار أمة تحمل من القيم والأخلاق ما يؤهلها لتحمل أمانة حمل الرسالة. وكما أن في الإسلام آدابا وقيما ومنهجا أخلاقيا فإنه أرسى منهجا في الحوار يحترم الإنسان وحريته في الاختيار، كما يحترم حقه في الاختلاف وفي المجادلة. إن للحوار قواعده وآدابه، ولعل من ابرز هذه القواعد والآداب ما ورد في سورة سبأ، ففي أسمى تعبير عن احترام حرية الآخر في الاختيار، وعن احترام اختياره حتى لو كان على خطأ كان الرسول محمد يحاور غير المؤمنين شارحا ومبينا ومبلغا، ولكنهم كانوا يصرون على أن الحق إلى جانبهم، فحسم الحوار معهم كما ورد في الآية الكريمة: ((إنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين)) (سورة سبأ، الآية 24). لقد وضع الرسول نفسه في مستوى من يحاور تاركا الحكم لله، وذهب إلى أبعد من ذلك عندما قال القرآن الكريم في الآية التالية مباشرة: ((قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون)) فكان من قمة آداب الحوار أن وصف اختياره، وهو الصادق الأمين، للحق وهو على حق بأنه إجرام (في نظرهم)، ووصف اختيارهم للباطل وهم على باطل بأنه مجرد عمل. ما أروع تلك الصور التي يرسمها لنا القرآن الكريم لذلك الخلق الرفيع والسامي الذي كان عليه الرسول الأكرم والذي خاطبه رب العزة: ((ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك))، إن احترام حرية الاختيار هذا ليس احتراما للخطأ. فتسفيه وجهة نظر الآخر ومحاولة إسقاطها ليسا الهدف الذي لا يكون الحوار مجديا إلا إذا تحقق، إن من أهداف الحوار تعريف الآخر إلى وجهة نظر قد يكون لا يعرفها، ومحاولة إقناعه بالتي هي أحسن بموقف ينكره أو يتنكر له. وهو أمر يشكل في حد ذاته أهم عناصر الاحتكاك الفكري والتكامل الثقافي والتدافع الحضاري بين الناس.. ومن دون ذلك يتبلد الذهن ويتجمد التعطش إلى المعرفة، وتتحول ساحات الفكر إلى بحيرات آسنة. لقد انعكس هذا الخلق الرفيع على أهل بيت الرسول عليهم السلام حين قال علي عليه السلام: إني أكره لكم أن تكونوا سبابين. فمن يعتقد أن الحق معه فليجادل ويعرض حججه فإن ذلك أنفذ للقلوب، وأقرب للعقول، فإن مجرد اللفظ البذيء ممنوع، إذ فيه إثم الفحش، كما قال رسول الله ((وهل تكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟)) ولو أردنا تعداد المواقف الكثيرة التي مرت على أهل بيت النبوة لتبيان الخلق الرفيع لهم في التعامل مع الآخرين لملئت بها المجلدات من خطابهم الأخلاقي الراقي ومناظراتهم العلمية الرفيعة في مقارعة الحجة بالحجة وقد استلهم علماء البحرين الماضون تلك الخصال الرفيعة في أحاديثهم وخطابهم وتعاملاتهم، نذكر منها موقف العلامة الشيخ يوسف صاحب الحدائق حين ورد على كربلاء المقدسة وعاش فيها فقد جاءه بعض الرجال وأخبروه أن المرجع الفلاني قد أفتى بعدم صحة الصلاة بإمامتك، وسألوه عن رأيه في صلاة ذلك المرجع فقال أأتموا به فصلاته صحيحة عندي، فكان مثالا للتسامح والموقف الأخلاقي الذي لا ينزلق مزالق الهوى. فماذا دهى البعض من الكتبة في هذه الأيام؟ فرغم أن الرسول الأكرم يقول: ((تعمموا تزدادوا حلما)) و((العمائم تيجان العرب)) نجدهم غارقين في السباب والشتائم. حقا إن هؤلاء لا ينظرون إلى حياة الرسول إلا من الخارج، ولكنهم بعيدون عن روحها ومعانيها السامية، فمتى نستطيع أن نحيا حياة الرسول العربي، ولو بنسبة الحصاة إلى الجبل والقطرة إلى البحر؟ حقا لقد كان محمد كل العرب، فمتى يصبح كل العرب اليوم محمدا؟!