الهجوم الإعلامي على سوريا

تبرير الفشل الأمريكي في العراق

محمد العبد الله/سورية

منذ عدة أشهر، تتحرك داخل الأروقة السياسية الأمريكية زوبعة هائلة من التصريحات والتهديدات المباشرة، التي تستهدف الموقف السياسي السوري، من خلال تعامله مع الحدث العراقي المتفجر منذ 20 /3 /2003. لكن الأسابيع الأخيرة شهدت تصعيداً خطيراُ في شكل التهديدات وأدواتها، فقد ارتفع صخب الأصوات القادمة من واشنطن، لينعكس عبر مجموعة الدمى العراقية المثبتة على مسرح حكومة الاحتلال (المؤقتة) التي تحركها خيوط العنكبوت القابع في البيت الأبيض، بنعيق غربان الموت المحلية "الياور، علاوي، الشعلان، النقيب وداوود" لتكون الصدى لتهديدات "المركز". وقد شكلت هذه الحملة المركزة، بداية الإعلان الرسمي لبرنامج الهجوم الأمريكي على أكثر من جبهة. بدأت برسائل الدبلوماسية التي حملها بعض مبعوثي الإدارة، وبالضغوط الاقتصادية المتكررة "منذ عام تقريباً"، لتنتقل بشكل دراماتيكي غير مسبوق، بالإعلان عن احتمال اللجوء لعمل عسكري ضد عدة مواقع حيوية داخل سوريا، عبرت عنه تصريحات وكتابات العديد من رموز المحافظين الجدد. فقد كتب وليام كريستول رئيس تحرير مجلة "ويكلي ستاندارد" - يشغل أيضاً رئيس مشروع القرن الأمريكي الجديد - افتتاحية أحد الأعداد الأخيرة، ضَمَنَها نقده للمواقف الرسمية الأمريكية ضد سوريا، متهماً إياها بالضعف الشديد، تجاه ما أسماه "الاستفزازات السورية" مشجعاً إدارة بوش على القيام بعمل عسكري ضد سوريا. ويرى المراقبون أن هذه الرؤية المحافظة/المتصهينة جاءت كتعبير عن نهج الطاقم القيادي المحيط بالرئيس، والذي يمتلك خططاً جاهزة، لبعض المناطق المقترحة بـ "الضربة المحدودة" - بعض التقارير الصحفية التي تم تسريبها، تحدثت عن مدينة البوكمال الحدودية -.

وقد دأبت الماكينة السياسية / الإعلامية بـ "المركز" وتوابعها من الصحف والأقلام العميلة في "المحيط/الأطراف" على توجيه أنظار العالم عن حقيقة الوضع داخل العراق، وتحديداً المأزق الذي تعاني منه إدارة الاحتلال السياسية والعسكرية. فانسداد الأفق أمام سياستها المحلية، المترافق مع الهزائم المتتالية لقواتها، والمنعكس بالضرورة على وجود وأداء تلك الهياكل المعزولة والمتيبسة (الحكومة/الدمية ورجال أمنها، وحرسها الخاص "المقنع" كأفراد العصابات وقطاع الطرق ) أدى إلى حالة من التخبط اليومي في عمل هذه الهيئات. فمع اتساع نطاق الهجمات التي ينفذها أبطال المقاومة (أكثر من 200 عملية يومياً) وتطورها النوعي"تفجير

مطعم معسكر الاحتلال في الموصل، كمائن الأفخاخ المتفجرة، أنواع جديدة من صواريخ أرض/ أرض " واستمرار القتال الأسطوري في الفلوجة، المدينة البطلة (حوالي 60 % من المدينة تحت سيطرة المقاتلين البواسل) وتحكم العديد من مجموعات المقاومة بحرية الحركة في أكثر من 30 مدينة وبلدة وناحية، إضافة لسقوط ورقة التوت عن عورة "مسرحية الانتخابات" من خلال إنسحابات جديدة لبعض القوى، وللاستقالات العديدة من عضوية اللجان المشرفة عليها كما ظهر ذلك بوضوح في الاستقالة الجماعية لأعضاء المفوضية العليا للانتخابات في مدينة الموصل، كل ذلك يشير إلى انكفاء هذه المسرحية ليتم عرضها في عدة محافظات، مما سيؤكد للجميع أن أية نتائج مترتبة عليها ستكون غير شرعية، وبالضرورة عاجزة عن صياغة العراق الموحد، شعباً ووطناً ودستوراً.

لقد عبرت تصريحات "الدمى" المتحركة، المربوطة بخيوط العنكبوت الصهيوني/الأمريكي عن هستيريا متشنجة، مهزوزة، عكست درجة التأزم في الواقع السياسي، الاجتماعي، الأمني، السائد داخل العراق كنتيجة مباشرة للغزو الأجنبي. ولهذا جاءت الفبركة الإعلامية لتصريحات "اللواء" غالب الجزائري المسمى قائداً للشرطة في النجف، لتكشف بوضوح ذلك المنطق المتهاوي على أرض الحقيقة، فسياسة تصدير الأزمة لخارج الحدود ليست بجديدة على الباحثين عن تفسير مريح لذواتهم وسلطاتهم المتهالكة. فقد ألقى هذا " المسؤول " تبعات عمليات التفجير التي شهدتها مدينتي النجف وكربلاء يوم 19 / 12 على الدور الخارجي، سوريا تحديداً، تدريباُ وتخطيطاً، في محاولة بائسة ومكشوفة للهروب من استحقاقات الداخل المحتقن، والمنفلت على أكثر من احتمال، فقد انفضحت مهزلة المؤتمر الصحفي فوراً، فالمتحدث فيه " سيادة اللواء " كان ساذجاً، متلعثماً، وهزيلاً. فكاتب السيناريو والمخرج لهذه المهزلة لم يكن موفقاً، فقد أضاع تماماً ذاته قبل أن يفقد متابعيه الحقيقة " الغائبة". فالأسماء والقرائن، فقدتها ذاكرته، والشخص الموقوف لم يعرف المتحدث طريقة حضوره، فما بين اعتقاله، أو تسليم نفسه بإرادته، تضيع لحظة الصدق، لكنه كان " حاضر الذهن ومتقد الذاكرة "في تركيزه على دور سوريا في العملية. كان مهيناً لهذا "المسؤول" أن تكون الفضيحة - المهزلة على هذه الدرجة من الإسفاف، وهذا ما دفع بالجهات السورية المسؤولة للتعليق على هذه الجوقة من المهرجين، من أن كل ادعاءاتهم سخيفة ولا تحتاج للرد.

إن المتتبع لخطوات التصعيد الصهيونية / الأمريكية ضد سوريا، يجد تفسيرها في الاندفاع الجديد لرموز تيار المحافظين الجدد لاحتلال مواقع مؤثرة في الإدارات الأساسية لتشكيلات الولاية الثانية لجورج بوش والتي ستعلن بعد ثلاثة أسابيع.ويشير المراقبون إلى أن المرحلة القادمة ستشهد دوراً مركزياً لهذه الرموز في رسم الخطط الخاصة بالسياسة الخارجية، فأسماء بول وولفيتز، دوغلاس فيث، إيليوت إبرامز، جون بولتون، ريتشارد بيرل، ديفيد وورمسر،ويليام كريستول و روبرت كيجان ستتصدر قائمة "أمراء الظلام " القادمين للمشهد السياسي الرسمي، والذين سيرسمون بتحالفاتهم مع اليمين المسيحي المتصهين، المعادي بكراهية وحقد عنصري، العرب والمسلمين، والداعي إلى تخريب وحدة المجتمعات العربية، بالعمل على إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار في بنيتها، هذا التجمع الذي يقوده بات روبرتسون وجيري فولويل. يتطلب بالضرورة من جميع القوى الوطنية على امتداد الأرض العربية تمتين تحالفاتها، وتصليب مواقفها، وتعزيز علاقاتها الدولية مع كل القوى المناهضة للعدوان الإمبريالي على العراق، والرافضة لنهج التهديدات الموجهة ضد سوريا، لأن استقراء المرحلة القادمة يشير إلى احتمالات التنفيذ العدواني، خاصة أمام الهزائم الجديدة المتوقعة لقوات الاحتلال الأمريكي/البريطاني نتيجة تطوير برنامج المجابهة السياسية والعسكرية التي تعتمده المقاومة طوال عام 2004. فتراكمات الإنتصارات اليومية في العديد من المناطق، أدى لوجود مناطق محررة في العديد من المدن "بغداد، الفلوجة، الرمادي، الموصل، سامراء، بعقوبة، بيجي، سامراء" وهذا ما أكده "جيمس دوبينس" أحد أبرز الخبراء الاستراتيجيين الأمريكيين، مدير سياسات الدفاع والأمن الدولي بمركز (راند) للدراسات الإستراتيجية، بقوله "إن الولاية الثانية لبوش ستكون محصورة بين خيارين، أحلاهما مر، إما زيادة تفاقم الأوضاع على ما هي عليه، أو في أفضل الأحوال إبطاء معدل تدهور الأوضاع "ليصل باستنتاج مؤداه "أن استمرار بقاء القوات العسكرية الأمريكية في العراق لن تسفر سوى عن تواصل مقاومة واسعة المدى، ستتسم بأنها أشد ضراوة وأكثر تأثيراً". وقد جاء هذا التحليل في وقت تعاني فيه قوات الغزو من انتكاسات وهزائم متتالية، لأنها لا تسيطر على أي منطقة بشكل كامل، فحتى المنطقة المسماة بـ "الخضراء" فقد حولتها صواريخ وقذائف ومتفجرات المقاومة إلى منطقة حمراء ملتهبة، مما دفع بوزارة الخارجية البريطانية، بنصح رعاياها "مقاولين، رجال أمن الشركات" بعدم السفر للعراق وعدم استخدام المطارات لأن مدرجاتها غير آمنة.كما أن الإبداعات العظيمة في رسم وتنفيذ العمليات الأخيرة، دفعت بمسؤول استخباري عسكري للتعليق بصحيفة "الواشنطن بوست" على عملية المطعم بالقاعدة الأمريكية بالموصل قائلاً " إن الخطر الحقيقي بات يكمن في احتمال إقدام مناهضي الاحتلال على عملية أخري لاختراق القواعد والمعسكرات الأمريكية من خلال أنفاق أرضية " باستحضار واضح،ذو دلالات كبيرة على عملية نفق رفح التي نفذها أبطال المقاومة الفلسطينية مؤخراً.

لقد أثبت شعب العراق العظيم من خلال مقاومته الباسلة، أن أيام الإحتلال لن تدوم طويلاً، وستبدأ عاجلاً إنسحاباتهم من المدن والمحافظات، لتنكفئ قواتهم داخل أسياج القواعد،التي ستحولها صواريخ وقنابل المقاومة إلى مقابر جديدة لجيوشهم.فرهان البعض على هدوء الأوضاع بعد "الانتخابات" سيسقط تحت ضربات المقاومين، وهذا ما دفع بوزير الخارجية كولن باول للقول "إن على الأمريكيين ان يطردوا وهم استتباب الأمن بعد الانتخابات". فكل التصريحات الصادرة من جنرالات "البنتاغون" عن قرب هزيمة المقاومة، تكذبها الحقائق على الأرض، وهذا ما أكده أنطوني كوردسمان الخبير الإستراتيجي بقوله " إن المتحدثين باسم الإدارة الأمريكية بدا أنهم يعيشون في الوهم، وهم يدلون برواياتهم عن الأحداث في العراق".

الاحتلال وأدواته يعيشون في عالم الوهم، أما شعب العراق المقاوم، فيعيش واقع النضال اليومي على إيقاع ملاحم البطولة والانتصارات، التي سترسم في العام الجديد طريق التحرر بجلاء قوات الغزو عن أرضه.