في عينيك أبصرت وطني المستباح

سعد داود قرياقوس

إلى فانيا كاربالوفا *

سيِّدتي

أستميحك العذر بدءًا على إفشائي سرِّ تينك العينين الخرافيَّتين، وعلى كوني أكتب عنهما بلغة لا تقرأينها، وعلى كشف مكنوناتها العجيبة لرجال مهووسين بعيون النساء وبيع الأوطان.

أذكر يوم سألتيني عن سبب شغف مجانين الشرق بعيون النساء دون سواها من مزايا الحسن! يومها لم أستطع الردَّ على سؤالك خشية أن تقرأي بين عباراتي ما يعبِّر عن مكنون نفس حزينة، ولواعج  لا تسمح الحياة القاسية بالإفصاح عنها.

شغفنا بالعيون سيِّدتي، لم يأتِ من كونها منطقة جذب وحيدة لقلوبنا المتعبة من وحشة الوحدة، وأرواحنا المثقلة بهموم التاريخ، بل لكونها كانت وما تزال لغة التفاهم الوحيدة المتاحة لنا للتواصل مع الساحرات أمثالك. فقساة القلوب لم يأذنوا لنا وما يزالون بالتحدَّث الى مَن نهواهنَّ لشكوا لهنَّ أحزاننا، ونعبِّر لهنَّ عن فرحنا بهنَّ. صبابتنا كانت وما تزال حبيسة أوهام وقيود وضعها أناس لم يفهموا يومًا معنى الحب والودِّ والحنان. فكانت العيون واحات الاستراحة الوحيدة في صحارى القسوة والكراهية.

في عينيك سيِّدتي أرى مزيجًا مدهشًا من عناصر الفرح والسعادة والحزن والأسى والمعاناة والأمل. أرى ظلم الطغاة وأمل الباحثين عن الحريَّة.

في تينك العينين عالم غريب وعذب، عالم متعدِّد الأبعاد والأفاق، عالم تأخذ فيه الأسماء والكلمات معاني جديدة، وترتدي فيه الأشجار ألوانًا لم تألفها العيون. مدٌّ لا ينتهي من الابتسامات العذبة والهمسات المستفزِّة للروح، فضاء تتألق فيه قصائد العشق وأغاني الفرح، شموس تعانق النجوم ليل نهار، وسحب تسترحم البقاء في فضاء عينيك الرحب.

أعترف لك سيِّدتي بأنَّني كلَّما أبصرت عينيك تمنَّيت لو أنَّني تهت يومًا في أبعادها الخلاَّبة دون أن أجد منفذ الخروج. تمنَّيت لو أنَّني سافرت في تلك المدن المضاءة بمصابيح الحبِّ وأغاني الصبابات. تمنَّيت أن أرحل في غور عينيك بعيدًا عن عالم تغلبه القسوة وحبُّ السيطرة، وتتزاحم فيه مشاريع النجاح، وتختفي فيه أحلام السعادة والحب.

عالم يُذبح فيه الأطفال وتُغتصب النساء بإسم الحريَّة وتحت رايات أيديولوجيَّات الكراهية والحقد.

كم يؤلمني سيِّدتي أن أرى دموع عينيك تنساب ألمًا كلَّما تحدَّثنا عن العراق ومأساة شعبه المحتل!

كم تمنَّيت لو أستطيع أن أمسح تلك الدموع الدافئة. تلك الدموع، على صغر حبَّاتها، تبقى أكبر من حجم كلِّ باعة العراق مجتمعين. ومع كلِّ صور الحب وسحر الخيال المتجذِّر في عينيك  المذهلتين. وعلى الرغم من كلِّ أقواس الفرح وينابيع الخيال فيهما، إلاَّ أنَّني أبصر فيهما أيضًا آلام وطني المستباح وجراحه.

في عينيك، أرى وطني معلَّقًا على جذوع النخيل بين الرطبة والسيبة، وأقرأ فيها أحزان الرجال ويأسهم، وأسمع في نغماتها هدير دماء الشهداء المطالبة بالثأر لعزَّة الوطن.

 في عينيك، أبصر وجه وطني المثخن بجراح الغدر والخيانة. أبصر دماء أطفال بلادي  المعذَّبين. أتلمَّس جوعهم وخوفهم وطفولتهم المصادرة.

في دمع عينيك، أرى وألمس حرارة دموع نساء شعبي الباحثات عن رجالهنَّ المغيَّبين في سجون الحريَّة والعدالة!

أرى المآذن المهدَّمة والكنائس المرتعبة خوفًا من كوابيس المتفجِّرات. أرى البوادي اليباب والترع الجافَّة. أتذكَّر تاريخ وطني وبلدي المختزل وكرامته المصادرة.

في عينيك، أبصر حريق بلادي وضياع مدنه الجميلة الغافية على صدر التاريخ. أبصر في عينيك كلَّ آلام العراق.

لكنَّني أرى في سحر بريق عينيك عزَّ العراق وكبرياءه أيضًا، وأبصر أمجاد الفلُّوجة وعنفوانها. أرى ربيع الموصل. أسترجع معاني جراح الحسين وقصائد السيَّاب، وإصرار الشباب المجاهد على دفع فدية حماية الوطن بالدماء في سخاء مذهل.

أرى في فرح عينيك مستقبل أطفال العراق الرحب. أرى بهجة نسائه الحالمات بأمومة غيرِ مشوَّهة بفتاوى المتحجِّرين، وباعة بخور الحقد والدجل. أرى عراقًا شامخًا كعهده، مزهوًّا بكبرياء أبنائه، وبعنفوان رجاله، عراقًا مطرَّزًا بكل ألوان الإبداع والحب والسعادة. عراق الإلهام والشعر والكلمة الساحرة. في عينيك، ألمس طريق الأمل.

فإلى عينيك سيِّدتي أقف إجلالاً وإكبارًا. ولدموع عينيك، أقدِّم اعتذاري، وشكر أطفال العراق ونسائه.

إليك منَّي وافر الحبِّ والمودَّة، سيِّدتي.

* فانيا كاربالوفا طالبة دراسات عليا بلغاريَّة الأصل تفيض عيناها المذهلتان بالدمع كلَّما تحدثت عن مأساة شعب العراق.