انتخابات العراق وبؤس الديموقراطية الأمريكية!

د. عماد لطفي ملحس/صيدلاني وكاتب من الأردن

في بداية هذا العام، بثت وكالة الانباء الفرنسية خبراً طريفاً مفاده أن شركة "ريسيرش تريانغل انستيتيوت" الأمريكية ومقرها ولاية كارولينا الشمالية، قد كلفت بوضع برنامج " الحوار الديموقراطي "، لتقديمه في المساجد والمؤسسات وحتى في المنازل العراقية، من خلال ثمانية عشر مكتباً للشركة في العراق، وعن طريق 550 موظفا عراقيا، ولمدة ستة أسابيع.. وجاء في الخبر ان الشركة تأمل في توعية نصف مليون عراقي من خلال هذا البرنامج، يتناقشون في ورش عمل بشأن موضوعات عديدة أبرزها: "ما هو الدستور"، "كيف تتم الانتخابات الديموقراطية"، و"هل يتفق الإسلام مع الديموقراطية". وقد علّق أحد الظرفاء في حينه بالقول، ان هذا البرنامج أشبه بالكتب التي تعلّم السباحة في 24 ساعة فتكون النتيجة غرق قارئها، وجدير به إن يسمى "كيف تصبح ديموقراطياً في 24 ساعة!".

واليوم، يرى الأمريكيون أن حملاتهم وبرامجهم قد آتت أكلها، وان المسرح قد بات معدّا للعرض، وأن جهود "نيغروبونتي" ومنظماته غير الحكومية والأموال والرشاوى التي تلقتها القوى والمنظمات والأحزاب لم تذهب سدىً، حيث إن أكثر من ستة آلاف مرشح يمثلون نحو 230 تنظيماً وحزباً وتجمّعاً، حسب الإحصائية الرسمية لما يسمى "بالمفوضية العليا المستقلة للانتخابات"، يستعدّون للمشاركة في الانتخابات "التشريعية" التي ليس من المؤكد بعد أن تتمّ في موعدها المقرر نهاية الشهر الأول من العام الجديد، في الوقت الذي تضرب فيه المكاتب الانتخابية كل يوم.

فإذا جرت الانتخابات التي لم تعد أعصاب (بوش) تحتمل تأجيلها ولو لبضعة شهور كما تطالب بعض القوى والأحزاب، فانها ستجري على وقع ضربات المقاومة العراقية الباسلة التي تثبت كل يوم كفاءة وجدارة عاليتين في التصدّي للقوات الأمريكية وأتباعها وللسلطة المؤقتة المنبثقة عنها، كما أنها ستجري في ظلّ مقاطعة واسعة لها في جميع أنحاء العراق الذي يزيد عدد سكانه على 25 مليون نسمه، حيث الهمّ الأول لجميع العراقيين هو زوال الاحتلال، وإعادة الاستقرار والأمن المفقودين، وتأمين الاحتياجات الأساسية من ماء وكهرباء وطبابة وتعليم وغير ذلك مما لا يتوفر للغالبية من السكان.. والأقلية المستفيدة هي وحدها التي تحاول أن تقلب المعادلة بالقول إن وجود مجلس تشريعي منتخب تنبثق عنه حكومة ورئيس ودستور، هو الكفيل بمعالجة الأوضاع الأمنية الاقتصادية الاجتماعية المتدهورة، متجاهلة أنه لا استقرار على أي صعيد بوجود الاحتلال، ولا ديموقراطية ولا نزاهة ولا حياد في ظلّ حراب المحتلّ الذي يمعن في قتل الشعب العراقي وتشريده وتدمير بلاده.

انتخابات العراق المزورة والمزيفة سلفاً، والتي من المقرر أن تجري وفق المقاييس والمواصفات الأمريكية، بحيث لا يزيد دور الأمم المتحدة فيها عن الدعم الفني والإسناد، دون السماح لها بالإشراف عليها أو التدخل في مسارها حسب المسؤولين الأمريكيين، تهدف أساساً لإضفاء صبغة ديموقراطية وشرعية شعبية زائفة، تسهّل على قوات الاحتلال إعادة ترتيب أوضاعها المرتبكة والمستنزفة، حتى تقلّل من الخسائر البشرية التي تتكبّدها في صفوف جيشها النظامي والحرس الوطني الأمريكي المكوّن من مرتزقة يعملون بعقود محددة زمنياً، مع المحافظة على مكتسباتها النفطية وغير النفطية، وعلى قواعد عسكرية دائمة في العراق يجري بناؤها بكثافة ونشاط كبيرين. والأرجح أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه، ما دامت أية سلطة تابعة للاحتلال – ولا يهم اذا كانت منتخبة أو غير منتخبة – غير قادرة وحدها على مواجهة المقاومة المتنامية، وعملية الاستنزاف المستمرة، دون الاعتماد على قوات الاحتلال العسكرية وأجهزته الأمنية ودعمه المباشر.

إن الفساد المستشري في البيت الأبيض والبنتاغون من خلال عقود "هاليبرتون" - المستفيد الأكبر من الحرب على العراق- وغيرها من الشركات العملاقة ذات النفوذ السياسي، وفي أروقة الأمم المتحدة بواسطة صفقات النفط مقابل الغذاء، وفي أوساط الحكومة العراقية المؤقتة التي تأكل الأخضر واليابس بحيث لا يعرف أحد شيئاً عن عوائد النفط وغيره من الموارد، هذا إلى جانب الأكاذيب والأضاليل والفضائح المتتالية للولايات المتحدة منذ بداية غزوها العراق وحتى اللحظة، كل ذلك وغيره يجعلني أكرر ما قلته في انتخابات رئاسة سلطة أوسلو في الضفة وغزة، وهو أنه "من غير الممكن التوفيق بين الديموقراطية من جهة والفساد والتسلط من جهة ثانية، لما بينهما من تناقض رئيس، كما انه لا يمكن إجراء انتخابات حرة ونزيهة وديموقراطية في ظل احتلال".

ولا شك بأن الأوضاع الصعبة التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق، بعد فشل هجومها التدميري على سامراء والفلوجة في منع تصاعد المقاومة، التي باتت تسيطر على مدن كبيرة كالموصل والرمادي وغيرهما، قد أدت إلى تصعيد تهديداتها ضد سوريا وايران، وإلى العودة مرة أخرى إلى محاكمة قادة النظام العراقي الأسرى، بعد أن تأجلت هذه المحاكمات لمدة طويلة دون تفسير، مما يؤكد حالة الارتباك التي تعيشها، وهي على أعتاب مرحلة فاصلة عنوانها "إجراء الانتخابات وتثبيت الديموقراطية" التي طالما أكدت بأنها "ستكون نموذجا يحتذى في الشرق الاوسط". لكنّ أخطر ما في جعبة الولايات المتحدة من برامج للعراق وفلسطين، في مرحلة ما بعد الانتخابات، هو استمرار العمل وتكثيفه من أجل إثارة جميع التناقضات الداخلية، من دينية وعرقية ومذهبية وسياسية، وإغراقهما في حروب أهلية مدمرة، بهدف حرف المقاومة عن وجهتها الأصلية ضد العدو وإدخالها في معارك جانبية تستنزف قواها، وتجعل العدو في منأى عن ضرباتها.. وهو ما ينبغي التنبه اليه، واتباع الأساليب اللازمة لإجهاضه، بالمحافظة على استمرار المقاومة وتصعيدها ضد المحتل وأعوانه فقط، ورفض الانجرار الى منزلقات الحروب والصراعات الجانبية مهما تكن الأسباب الداعية لذلك، وتوعية الجماهير والالتحام بها وتقديم كل التضحيات اللازمة من أجل قضاياها المصيرية.