الجامعة العربية وهشاشة العظام

حياة الحويك عطية/كاتبة وباحثة من الأردن

لكل هيكل عموده الفقري، ولتكوين العظم هيئة قرص النحل، وأحدهما قد تكتنز جيوبه بالكلس والآخر بالعسل وقد يصيبهما المرض أو فساد القفير بالسوس والفراغ، فيؤولان إلى الدمار.

صورة تختصر حال منظمات المجتمع المدني في بلادنا العربية، خصوصاً في واقع يتسم بمسألتين: عدم تحديد دور هذه المنظمات ووضعها داخل الدولة، من جهة، وارتباط الكثير منها بالتمويل الأجنبي الذي، وإن لم يكن كله مشبوها، يظل بحاجة إلى قدر كبير من الضبط، من جهة ثانية.

أخيراً اتخذت الجامعة العربية قرارا بقبول منظمات المجتمع المدني فيها بصفة مراقب، وبعد أسابيع سيجتمع المجلس الاقتصادي الاجتماعي، وسيكون على جدول أعماله بند تحديد معايير هذا القبول. بين الموعدين عقدت في بيروت ندوة شاركت فيها مفوضية الجامعة العربية لمنظمات المجتمع المدني ممثلة بالمفوض طاهر المصري، ومجموعة استراتيجيات المجتمع المدني التي يقودها احمد عبيدات.

كثيرة هي المداولات والمناقشات النظرية التي دارت وتدور، لكن المقاربة الواقعية العملية، تفرض تجاوز البحث النظري، والجدل المتشعب، إلى التركيز على كيفية التعامل مع أمر واقع، بما يمكن من دفع ما فيه من شر والإفادة بما فيه من خير، وذلك في ضوء سؤالين أساسيين:

الأول: هو السؤال المتعلق بدور هذه المنظمات داخل المجتمع، بعلاقتها بالدولة، بالحكم، بالسياسي، وبالأجنبي، بالفارق الأساسي بين الإصلاح والتدمير، بين الانفتاح والتسيب، بين المحافظة والانغلاق، بين الرقابة والفلتان.

أما السؤال الثاني والخطير، المرتبط بسابقه، فيتناول قدرة المجتمع المدني العربي على تحقيق المطلوب في ظل واقع انتشار دكاكين الاسترزاق على خريطة المنظمات القائمة على الساحة العربية، سواء ما ارتبط من تلك الدكاكين بالتمويل الأجنبي أو ما ارتبط بسلطات محلية لا تقل سوءا، وهي بدورها لم تقطع حبل السرة مع الإرادة الأجنبية.

بواقعية موضوعية نقول: أن معارضة قرار الجامعة أو الموافقة عليه لم يعد عملياً، لأن القرار قد اتخذ. وإن العملي هو الضغط باتجاه اعتماد معايير دقيقة ومضمونة لقبول المنظمات المعنية في هيكل الجامعة. هذه المعايير هي ما سيحدده الاجتماع المقبل المذكور للمجلس الاقتصادي الاجتماعي للجامعة، ولذلك لا بد من تحرك عربي واسع ومنظم قبل أن تقع الواقعة، فنتبعها باللطم كما هي العادة.

تحرك يحتاج إلى وعي وإلى متابعة وإلى تجييش من قبل القوى الأهلية والنقابية والمدنية الأخرى، على امتداد العالم العربي كله. وذلك في ثلاثة اتجاهات رئيسية:

الأول، التركيز على مبدأ أساسي هو أن منظمات المجتمع المدني، في أي مجتمع، هي مواز للدولة، وللأحزاب السياسية، وليست بأي حال من الأحوال بديلا لها. وإذا كانت هذه المقولة قد تبدو بديهية، فإن واقع النظام الإقليمي الجديد المنبثق من "النظام العالمي الجديد" يقول غير ذلك تماما. لأن التوجه العولمي يقوم الآن على تحطيم الدولة لا على إصلاحها، وعلى تتفيه الأحزاب السياسية وإلغاء دورها لا على تقويم هذا الدور، وعلى إبعاد المواطن عن السياسة لجعله دمية آلية يمكن تحريكها بسهولة بالعزف على أبسط وتر من أوتار المصلحة الفردية أو العقد والمكبوتات أو التوافه. توجه يساعد في طغيانه فساد الحكم وتغوله، وتراخي الأحزاب السياسية وتخلفها وفشلها، والإحباط الذي يعيشه المواطن العربي إجمالا، وطغيان الثقافة الاستهلاكية وروحية السوق. في حين أن الوعي السياسي هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على بقاء الأمة ومصالح الشعوب. أما غيابها فهو انهيار السدود والأسوار وطغيان الطوفان.

الاتجاه الثاني هو العمل الجاد على بلورة المصطلحات المتعلقة بقضية المجتمع والدولة. فالدولة مثلا ليست الحكومة، وما ينسحب على الثانية من إدانة فساد وتغول وترهل لا ينطبق على الأولى من حيث كونها الكيان السياسي الاقتصادي للأمة، للشعب. من هنا فإن ما يتوجب علينا إزاء الثانية من معارضة وتغيير يصب في هدف إعادة الاعتبار للأولى، لا في هدف تدميرها أو إضعافها، أو الحلول محلها.

كذلك فإن مصطلح منظمات المجتمع المدني لا يجوز أن يستثني النقابات المهنية كما لا يجوز له أن يبدو وكأنه يفترض الانعدام السياسي. صحيح أن المطلوب من منظمة لحقوق الإنسان أو لمرضى السكري ألا تميز بين محتاجيها على أساس الانتماء السياسي، لكن ذلك لا يعني أن علاج السكري يزيل الاحتلال أو يبرر الخيانة الوطنية، أو يصلح حكومة فاسدة، أو يبرر التعامل مع الأجنبي المحتل. والمصطلحات كثيرة لا مجال لتعدادها هنا.

الاتجاه الثالث هو اتجاه تحديد المعايير، والمقصود هنا معيار قبول منظمة غير حكومية في الجامعة العربية، وهو ما لا يمكن تحديده إلا بتحديد المصطلحات: معايير تبدأ بسؤالين أساسيين، الرقابة والتمويل الأجنبي.

الرقابة: كيف العمل للتوفيق بين ضرورة عدم ترك الحبل على الغارب لكل دكاكين الاسترزاق والتكسب إن لم نقل النصب، ولكل بائعي العمالة الذين يتسترون برداء المجتمع المدني وينتحلونه، وبين عدم الوقوع من جديد في فخ رقابة الحكومات والأجهزة التي إن خرج البعض منها من إطار هذه الدكاكين دخلوا في إطار التخلف والقمع؟

علما بأن هناك واقعا يبرز عبقرية هذه الأنظمة التي تعرف كيف تعيد إنتاج سلطتها بما يتوافق مع روح العصر، حيث نرى أن الكثير من منظمات المجتمع المدني العربية، ومنها تلك الممولة أجنبيا، تعود إلى تلك أو ذاك من أفراد أهل النظام أنفسهم، لكنه يقف وراء شخص آخر يشكل الواجهة المرئية، لنقل القناع، وبين الطرفين يتم تقاسم المغانم المادية بتناسب الأعشار إلى العشرة، ولكن من دون أن يتم تقاسم السلطة والخطة ولو بتلك النسبة الضئيلة نفسها. وبذاك يتحول الكثير من المنظمات من أداة لتقويم السلطة إلى أداة لتعزيزها. وإذا أضفنا هذا الكثير إلى الكثير الآخر الذي ينفذ خطة جهات أجنبية محددة، ذات أهداف محددة، ويعزز بالتالي هيمنتها، تساءلنا: أي قليل يبقى لتلك الصورة النظرية المبدئية النظرية التي نتحدث عنها؟

وهذا يقود إلى السؤال الثاني: كيف العمل لضبط مسألة التمويل الأجنبي، التي يمكن لها أن تأتي في إطار تعاون عالمي يؤدي إلى التقدم كما يمكن لها أن تأتي كحالة فوضى لا تنتج إلا الوهم والعملاء المقنعين والأذناب التافهين أو الأذكياء في الاستجابة لما يريده المانح؟ كيف السبيل للتوفيق بين الحرية والضبط؟

بدوره يقود هذا السؤال إلى سؤال التنسيق مع الدول المانحة، ومن الذي يقوم به؟ كما إلى سؤال التنسيق بين المجتمع المدني والحكومات، إلى سؤال الديمقراطية داخل المؤسسات نفسها.

فهل يمكن للجامعة العربية كونها نظاما رسمياً من دون أن تكون حكومة، وهيكلا للشعوب العربية من دون أن تكون دولة، تمتلك الأطر ولا تمتلك أجهزة القمع، هل بإمكانها أن تكون الحل بين قمع الحكم وتسيب المنظمات غير الحكومية؟ بين إحياء المجتمع المدني من دون قتل أو شل الدولة والحكم؟

إن من واجبنا أن ندعمها كي تتمكن من ذلك.