المعقول واللامعقول في وضعنا الراهن
د. حسن طوالبة
(1)
الوضع الذي تعيشه الأمة العربية في ظل احتلالين - صهيوني وأمريكي - في فلسطين والعراق، والوضع الذي يعيشه العالم بعد انتهاء الحرب البادرة، وضع محير ومثير للعديد من الأسئلة، أسئلة خطيرة ومصيرية، يأتي في مقدمتها السؤال عن طبيعة أحداث المرحلة، سواء في الوطن العربي، أو في العالم وبخاصة في عالم الجنوب، وكذلك المواجهة التي يخوضها المجاهدون العرب والمسلمون في حياة الأمة العربية المقبلة والإنسانية بعامة. ثم ما هي القراءة الأقرب فهما واستيعابا لحقيقة المنازلة المفتوحة بين العرب والمسلمين وبين قوى الجبروت العالمية؟ وكيف ستدخل أحداث هذه المرحلة في وعي الأجيال العربية والمسلمة الشابة? هل ستدخل - كما تتصور مراكز البحوث الغربية - بعقل تكنولوجي خالص.. يعتمد وسائل الإعلام والاتصال، التي تسعى إلى تكوين وعي مزور قائم على الأكاذيب والحيل التي تصور الأحداث بالواقعية والعقلانية؟.
وبالمقابل كيف يواجه العقل العربي هذا الطوفان من الأكاذيب والتضليل المتعمد، لإبعاد عقل الإنسان عن التفكير بمنطق حضاري إنساني؟ وكيف تدخل أحداث المرحلة الراهنة في وعي الأجيال العربية الشابة؟
وما هو الدور المطلوب من المثقفين والمفكرين العرب، لكي ينهضوا به لتقديم قراءة عربية صادقة اقرب إلى الموضوعية والحقائق التاريخية، ويؤهلهم الدفاع عن قيم الحق والخير والعدل والإنسانية بعامة. وتكون هذه القراءة اكثر صدقا وعقلانية من القراءة الأمريكية التي تبنى وفق منهج ذرائعي يبرر العدوان والإرهاب كمدخل للسيطرة على العالم، ويدخل من خلال شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان لتفتيت نسيج المجتمعات، ويلغي ثقافة الأمم وهوياتهم الحضارية.
إن هذه القراءة التي تجيب على الأسئلة المطروحة، لا يمكن الإجابة عليها في مقالة أو بحث، بل تحتاج إلى جهد منظم من المفكرين والمثقفين العرب ومراكز البحوث ووسائل الإعلام والتربية والإرشاد الديني وعليه فهي واجب وطني وقومي وإنساني فيما بعد. فهذا واجب مهم ويقع في مقدمة اهتمامات الأطراف المعنية، لاستنهاض الأمة والأجيال الشابة التي تعيش تحت ضغط المعاناة، وتحول بينها وبين رؤية الحقائق الموضوعية الصادقة والدقيقة.
منذ أن بدأت المنازلة بين العرب وقوى الاستعمار الغربي في بدايات القرن العشرين، كانت رسالة الجهاد هي الموجهة للامة نحو مستقبلها، وقد فهم هذه الرسالة مفكرون ومناضلون في شتى بلدان العالم، وقرأوا أحداث المنطقة قراءة موضوعية استشراقية تعتمد التحليل والرؤية القيمية والحضارية. في حين ابتعد بعض المثقفين والمفكرين العرب عن فهم هذه الأحداث، مدفوعين بمواقف تعكس أزمة الفكر والواقع السياسي والاجتماعي في الأقطار العربية. وهذه الصورة تعني أن القراءات العربية للأحداث التي تعيشها الأمة قراءات مأزومة، تعاني من خلل في الرؤية، ومن أزمة في المنهج، تعكس الواقع القطري المأزوم أيضا.
وابرز أمثلة على هذه الأزمة في الرؤية للأحداث الراهنة، هو ما شهده العالم من رفض للعدوان الأمريكي على العراق، فقد شهدت عواصم عديدة في العالم مظاهرات مليونية تستنكر العدوان وتطالب بوقفه، كما قرأ عدد كبير من المثقفين تلك الأحداث، قراءة موضوعية تقترب من مفاهيم رسالة الجهاد، وبالمقابل نجد بعض المثقفين العرب انساقوا وراء الحملة الدعائية الأمريكية، وراحوا يروجون للغزو الأمريكي، بمبررات أمريكية واهية ثبت زيفها فيما بعد. وهكذا فان مفكرين ومثقفين بعيدين استفزهم حدث العدوان، واستنهض فيهم حس القيم والمثل الحضارية، ودافعوا عن الحق، فيما قريبون من المثقفين العرب هزهم الحدث حتى افقدهم القدرة على التوازن الداخلي، فابتعدوا عن إدراك رسالة الجهاد، وراحوا يسمون المجاهدين بالإرهابيين تناغما مع توجهات الإدارة الأمريكية ووسائل إعلامها الجبارة.
إن قراءة المنازلة في فلسطين والعراق، بين الحق والباطل، بين دعاة السلام ودعاة الحرب والعدوان تحتاج إلى السيطرة على المنهج والتوازن الداخلي، ثم رؤيتها من الخارج. فإلى جانب التحليل العلمي والموضوعي لأحداث المنازلة الكبرى هنالك حاجة إلى منظور حضاري شامل يضع المنازلة في مكانها من مسيرة الأمة ومسار العالم نحو تحقيق الأمن والسلام الدوليين. وهذا لا يلغي الحسابات القائمة على التقديرات الكمية والإمكانات المادية والمقارنات الوضعية التي تتم من خلال الحواسيب بعقل بارد، ومع ذلك لا بد من قراءة مكملة تحتاج إلى نوع من الاستنباط الداخلي للحدث، أي إلى الحس الإنساني والقيم الروحية، والموروث الحضاري والثقافة القومية وتاريخ الجهاد لدى السلف الصالح. ففهم كل هذه الأبعاد يقربنا من قراءة عقلانية للواقع الراهن في الوطن العربي، وفي فلسطين والعراق.
إن رسالة الجهاد تقوم على منطق متوازن، بعيد عن الغلو والانحراف، منطق يقوم على التوازن بين عدة معايير، توازن بين المادة والروح، توازن بين الواقعية - وليس الوقوعية - والقيمية، توازن بين العقل والروح، أي بين العقلانية والروحانية، فالواقعية والعقلانية تكتسب معانيها ومضامينها من المنطق الداخلي للمنازلة. وعندها نفهم اللامعقول بأنه تغييب للموقف المبدئي والقيمي الذي ينازل قوى الاستكبار والجبروت في العالم.
المعقول في حالة امتنا العربية التي وضعت بين خيارين مصيريين هما: الجهاد أو الاستسلام، هو منطلق الجهاد والسير في دربه، لأنه الخيار الذي يقرأ حدث المنازلة وفق اعتبارات تاريخية، ويحسم الموقف لصالح الأمة وأجيالها الشابة والأجيال اللاحقة. كما أن مقاييس الربح والخسارة في حالة الجهاد التي نشاهدها في العراق وفلسطين، ترتكز إلى معايير تتجاوز كل الحسابات المادية البحت. التي عندها يغيب المرتكز الأخلاقي وتكون خسارتنا كل شيء، فالمرتكزات الأخلاقية والروحية والقيمية قادرة على استحضار الممكنات المادية المطلوبة للمنازلة مع أعتى قوى الجبروت وأية قراءة للتاريخ الإنساني تؤكد أن من يرتكز على قيم الأخلاق والروح يبقى له الأثر في الحضارات والأجيال المتلاحقة، وأما من يتخلى عن هذه المرتكزات فقد انهار وانتهى دوره وصار ذكرى بائسة في سجلات التاريخ.
(2)
هل نحن العرب في أوضاعنا الراهنة في حالة تراجع وترد أم في حالة نهضة وتقدم؟ يقول البعض نحن في حالة تراجع وترد حتما، بل نحن في أسوأ الحالات التي تمر بها الأمم والشعوب، ومنطلق هذا الحكم آت من قياس الوضع الراهن، بما كان عليه العرب من قبل، أي قبل خمسة عقود واكثر، اذ بات هذا البعض يتحسر على ما كان في معظم الميادين. فبالأمس كانت الحدود الجغرافية-السياسية بين الأقطار العربية مفتوحة نسبيا أمام أبناء الأمة، ويستطيع الفرد أن يتنقل من قطر إلى آخر بالهوية الشخصية أو بدونها، وكان التضامن الشعبي بين أبناء العروبة قويا في معظم الأقطار، وكانوا يقفون مع بعضهم البعض، وينتصرون لقضايا بعضهم البعض.
بالأمس كان مقياس الحكم على الأحداث ينبع من إحساس صادق بالانتماء للأمة العربية ولتاريخها وتراثها. فمقياس الحكم على الغرب ونظرته للامة ووطنها العربي، ينطلق من إيمان أبناء الأمة بالسيادة والاستقلال الوطني الناجز، وأي مساس بهذه الثوابت المبدئية يعد عدوانا لا يجوز السكوت عليه، بل الوقوف ضده ومقاومته، وكان الجهاد هو المسيّر لتوجهات أبناء الأمة نحو التحرر والاستقلال. فالحكم على الغرب ليس حكما قاطعا أو هو ضد بالمطلق، بل هو حكم متوازن، يقدر الجهد العلمي والثقافي الإنساني الذي يقوم به الغرب لخدمة البشرية كلها. ويقف بالمقابل موقف الناقد العقلاني لمواقف الغرب المتغطرسة والمتعالية على شعوب بلدان الجنوب، ونحن منه. موقف الناقد لأطماع الغرب في ثروات الآخرين، موقف الناقد لعقلية الغربيين التي تستهين بالمعتقدات والثقافات الأخرى.
بالأمس كانت مستلزمات الحياة بسيطة يمكن للفرد أن يتخلى عنها في سبيل نصرة المبادىء والعقائد التي يؤمن بها، ولما شاع المنهج الرأسمالي التجاري، زادت تعقيدات الحياة، وصار تأمينها هدفا بحد ذاته، وليس وسيلة لديمومة الحياة.
بالأمس كانت وسائل الإعلام والاتصال محدودة، وتأثيرها وانتشارها محدودين أيضا، وخير مثال على ذلك، أن "وعد بلفور" الذي أصدرته بريطانيا في 2 تشرين الثاني عام 1917 لم يصل خبره إلى أبناء الشعب الفلسطيني إلا في عام1919، بعد أن سربته الجهات الدبلوماسية الروسية آنذاك.
إن من يقولون أن أمسنا خير من حاضرنا، معهم بعض الحق، لأنهم ينطلقون من معيار القياس بين وضعين دونما اعتبار للتطورات الداخلية والخارجية التي أثرت في أوضاعنا.
***
وبالمقابل هناك من يقول أن وضعنا تحسن، ونحن في حالة نهضة وتقدم، وهذا الرأي صحيح إذا نظرنا إليه نظرة مادية بحتة. فالوضع الراهن متقدم قياسا لما كان عليه الحال في مجالات الخدمات المادية (مواصلات، إعلام، خدمات وغيرها). ولكن المقياس المادي ليس دائما هو مقياس الرقي والتقدم، إذ أن التقدم بالمقياس الحضاري التاريخي هو التقدم الروحي والثقافي والقيمي، المستند إلى مستلزمات مادية.
إن الذين يعتقدون أن الوضع الراهن أحسن من الوضع الذي مضى، ينغمسون في بهارج التقدم المادي الترفيهي، فهم سعيدون بثورة الاتصالات، وهذا حق، لأنها باتت تؤمن لهم الاتصال والتخاطب مع الآخر عن بعد، ولكن استخدام تقنية الاتصال استخداما حسيا لا أخلاقيا افقد هذه الثورة قيمتها وتميزها. إذ أن المهمة الملقاة على عاتق الجهات المعنية بالتربية صارت كبيرة جدا، لحماية الأجيال من مخاطر الاستخدام السيئ لوسائل الاتصال (الفضائيات والإنترنت). فعليها أن تعمل على تكوين الوعي الصادق لصورة الوضع الراهن، حتى لا يكون فريسة لتصورات وسائل الإعلام الغربية التي تهدف الحط من شأن العرب ومن معتقداتهم الدينية، وزرع اليأس في نفوسهم، وانه لا قوة لهم بالانعتاق والتخلص من أوضاعهم إلا بالاستسلام والرضوخ.
إن المهمة صعبة وتحتاج إلى نفس طويل وجهد مثابر وإيمان صادق بان بذرة الحياة وإمكانات التطور موجودة في أبناء الأمة العربية، ولذلك لا يجوز أن تجلب عملية الانكسار ميدانيا أو جبهويا اليأس إلى نفوس الأجيال الشابة. وما يشهده الجيل الشاب اليوم من إحباط وترد ليس إلا مظهرا سلبيا للتراجع المؤقت للمبادىء والقيم التي عرفتها أجيال الأمة من قبل، ولا بد من القول إن سبب هذا التراجع هو تخلي القيادات العربية عن تلك المبادىء وقبولها بحالة الانحدار إلى مستوى التشرذم الطائفي والمذهبي والارتداد إلى العصبيات القبلية والقومية.
وللأسف صار البعض يرى في التمسك بتلك المبادىء مظهرا لا عقلانيا ولا يمكن وصفه بالموضوعية، في حين صار التخلي عن تلك المبادىء يوصف بالعقلانية والموضوعية، وصار المتمسك بمبادئه كمن يحلم بإمساك القمر بيديه.
تنمو حالة الانكسار في تراجع مواقف القيادات وقبولها بما يلغي قيمة المبادىء الأصيلة التي تشكل مقومات وجود الأمة، وقدرتها على التطور والنهضة، وفي إهمال إبراز القيم العليا في تاريخنا العربي، وفقدان الثقة بالأمة. في حين أن الأمة غنية في إمكانياتها المادية بكل جوانبها بما يمكنها من النمو والنهضة والتقدم، كما أن أبناء الأمة قادرون على التعلم والصيرورة في كل المجالات العلمية والتقنية، كما انهم قادرون على التواصل الثقافي مع الماضي ومع ثقافات الشعوب الأخرى نحو التكون الخلاق.
قد يقول من استطابوا العيش في ملذات الواقع المادية، إن هذا الكلام مثالي لا يصلح للواقع المعاش، ولا حتى في الروايات والقصص. يقولون هذا مقتنعون بما يقولون به، لأن تربيتهم أهملت المبادىء التي تحرص عليها الأمم والشعوب في تكوين ثقافات وطنية خاصة بها.
وإذا كان هذا البعض مفتونا بحياة الغرب، فلا بد من الاستفادة من كل تجارب الغربيين، وليس انتقاء بعضها وترك الآخر، فكل بلدان الغرب تحرص على ثقافاتها الوطنية وتدافع عنها لا سيما أمام غزو العولمة الثقافية الأمريكية. كما أن بلدان أوروبا التي تشكل نواة الغرب، لم ترض بحالة الانقسام والتشرذم، وقادها المنطق والعقل، إضافة إلى الحس العام، إلى التوحد، فقد توحدت ألمانيا بعد أن كانت متشظية إلى مئات (الدوقات)، كما توحدت إيطاليا، ومن ثم توحدت بلدان أوروبا بعد سلسلة من الحروب الداخلية والعالمية. وصار الاتحاد الأوروبي حقيقة واقعة وصار الأوروبيون ينعمون بما حققه الاتحاد من فوائد للجميع.
***
ندرس التجربة الأوروبية، ونعتبرها نموذجا يحتذى به، ولكننا عند الحديث عن وحدة عربية، يقول البعض هذا درس من الخيال ومن قصص ألف ليلة وليلة. وإذا قلنا التضامن فُهم منه الجانب الاقتصادي فقط على أهميته في التقدم نحو مجالات أخرى. إن العالم يسير نحو التوحد والتكتل، فهذا الاتحاد الأوروبي صار عدد سكانه اكثر من 360 مليونا، في مقابل الولايات المتحدة التي تجاوز سكانها 260 مليونا، وكذلك التكتلات الاقتصادية (النافتا، والايبك، والاوبك وغيرها).
ان المعقول والمنطق ان نؤمن بالتوحد والتضامن والسعي بجد نحوهما، متجاوزين التخندق القطري، الذي لا يعني إلغاء الخصوصيات الوطنية، بل ان التمسك بها يعزز الخصوصية القومية. إن العيب ليس في الأقطار التي فرضها المستعمر، بل العيب في التعصب القطري، والانزواء ضمن أسوار القطر الواحد، لان كل الأقطار العربية الحالية، مهددة بالتقسيم والتشظي، كما أنها لا تملك مقومات الاستقلال الوطني وفرض السيادة الناجزة أمام التحديات الأمريكية-الصهيونية الراهنة. كما أنها لا تملك مقومات الحياة الحرة، ومقومات الحياة الاقتصادية والرفاه الاجتماعي ما دامت أقطارا تعمل بمفردها.
(3)
عند الحديث عن الديمقراطية خلال العقد الماضي، يبدو وكأن الديمقراطية اكتشاف جديد، وحكر على الغرب بعامة والولايات المتحدة بخاصة، في حين أن بلاد الشرق عرفت مضمون الديمقراطية وعملت بها زمنا طويلا قبل ان يتحدث اليونانيون القدماء عنها. وعبر الإسلام عنها من خلال مبدأ الشورى والدعوة إلى العدل والمساواة.
ويبدو لي أن الإطار النظري للديمقراطية لا يشكل إشكالية لدى المفكرين العرب، ولدى الأحزاب والقوى السياسية، ومهما شهدت الساحة الفكرية جدلا حول المفهوم النظري للديمقراطية، فانه اختلاف في وجهات النظر، يفضي إلى بلورة مفهوم عربي خاص للديمقراطية، انطلاقا من مقتضيات البيئة العربية ومن تاريخها وتراثها العلمي والحضاري والإنساني.
ورغم كثرة الدراسات والبحوث التي تناولت الديمقراطية بالبحث فان الجدل ما زال قائما حول شكل الديمقراطية ومضمونها، انطلاقا من تجارب الآخرين وبالذات تجارب الدول الغربية. فالبعض يرى في الديمقراطية مجرد منهج للوصول إلى الحكم وتداول السلطة، والبعض الآخر يرى أنها منهج وغاية، لان الديمقراطية في نظرهم تشكل نظرة شمولية للحياة، ومصدر قوة للفرد والمجتمع. ومن خلالها تحترم حقوق الإنسان، الذي هو أغلى قيمة في الحياة، لان الله تعالى اختاره من خلقه ليجعله خليفته في الأرض. إن هذا الفهم للديمقراطية ينطلق من خيار الإنسان للحرية بكل مضامينها، حرية الرأي والاعتقاد والتعبير والاجتماع، فهذه الحرية ان توفرت تمنح العملية الديمقراطية طاقة خلاقة للإنسان، وتجعله يتخطى في عمله الانتقال البطيء (درجة درجة) الى القفزات الاستثنائية التي تجعله يلحق بما وصل إليه الآخرون في ميادين العلم والتقانة وتنظيم المجتمع.
إن تطبق مضامين الحرية تمنح نظام الحكم سمة النظام الديمقراطي والرعي لحقوق الإنسان التي صانتها شرائع السماء والقوانين الوضعية. فالحرية والديمقراطية يشكلان نسيجا واحدا، والديمقراطية بدون حرية، تظل مجرد عملية انتخابية بهدف الوصول إلى الحكم، وقد تعزز حكما جائرا بفعل التزوير في الانتخابات وتأثير وسائل الإعلام وتأثير المال على الناخبين.
ورغم أهمية الإطار النظري للديمقراطية، وضرورة التوصل إلى إطار نظري وطني قوي، فإن الأهم هو التطبيق في الواقع الملموس وعند قراءة التجارب الديمقراطية في الأقطار العربية، لا أحد يزعم أن تجربة من هذه التجارب قد وصلت حد الكمال، او بلغت المستوى المتقدم المطلوب لتحقيق الديمقراطية وضمان حقوق الإنسان السياسية وغير السياسية لماذا? لا بد من الاعتراف أن همّ القوى السياسية والقيادات العربية كان هو نيل الاستقلال والتحرر من نير الاستعمار، وقد تركز النضال العربي على إنجاز هذه المهمة قبل غيرها، فلم تكن التجارب الديمقراطية خلال المرحلة الماضية إلا، تجارب انتقائية مقلدة، في ظل أجواء الهيمنة الخارجية على القرار الوطني، إذ ظل النفوذ الاستعماري بشكل أو بآخر موجودا في أقطار الوطن العربي، رغم أن هذه الأقطار نالت استقلالها بالشكل الذي نعرفه، في إطار المعاهدات والاتفاقيات الثنائية بينها وبين المستعمر الغربي، وقد يتفاوت النفوذ الاستعماري من قطر إلى آخر، وحسب ظروف كل قطر، وموقعه الجغرافي من منطقة التوتر والصراع. كما أن الاقتصادات العربية ظلت بشكل عام مرتبطة إلى حد كبير بالاقتصاد الغربي الرأسمالي الذي يتسم بالهيمنة والتدخل ومصادرة القرار السياسي إذا تقاطع مع النظام ممثلا في صندوق النقد الدولي، وبنك التجارة الدولي، ومنظمة التجارة الحرة.
في ظل هذه الأوضاع يصعب الحديث عن تجربة ديمقراطية وطنية ناجحة، تحقق المصالح الوطنية والقومية معا، وفي ذلك بعض العذر، إذا ما قرأنا التجارب الديمقراطية في أوروبا مثلا، اذ تطورت تجاربها الديمقراطية مع تطور المجتمعات فيها وتطورت فيها ضمانات حقوق الإنسان لأن دولها كانت وما زالت مستقلة وتملك قرارها السياسي المستقبل، فدول أوروبا لم تمر بما مرت به الأقطار العربية، إذ لم تعان دول أوروبا من حالات الاستعمار المباشر كما عانت الأقطار العربية فدول أوروبا تصارعت قرابة ثلاثمئة سنة واحتل بعضها أجزاء من بعض ولكنها تمكنت لكونها دولا مستقلة - أن تعقد الاتفاقيات التي شكلت نواة القانون الدولي فيها. فالدول التي تملك قرارها السياسي، وتعيش حالة الاستقلال الحقيقية، قادرة على اتخاذ قرارات تقودها نحو النمو والنهضة والتطور، ولذلك فان تجاربها الديمقراطية نابعة من ظروفها الوطنية، وهادفة إلى تحقيق رفاه المجتمعات فيها.
إن الكلام الآنف ذكره، لا يعني ولا يفهم منه البتة، إنه تبرير للتجارب الديمقراطية الناقصة في أقطار الوطن العربي، بل هو قراءة موضوعية وصريحة للواقع العربي المعاش، إذ أن الديمقراطيات الغربية مضى عليها زمن طويل حتى وصلت إلى هذه المرحلة، ونمت وتطورت في ظل الاستقلال الوطني الناجز. كما نمت التجارب الديمقراطية في الغرب في ظروف قوة اقتصادية ونمو ثقافي تراكم خلال القرون الماضية، كما أن أوروبا لم تواجه تهديدات خارجية. كما هو حال بلدان عالم الجنوب والأقطار العربية منها، إذ واجهت أوروبا تهديدات داخلية لم تؤثر على الاستقلال الوطني.
ولا بد أن نرجع إلى تاريخ التجارب الديمقراطية في أقطار الوطن العربي، فهي تجارب مستفادة - إن لم نقل مستنسخة - عن تجارب الغرب، كما أن الدساتير التي أقرت في هذه الأقطار مستفادة من دساتير الغرب الأوروبي بخاصة، وعليه فان التجارب الديمقراطية المستوحاة من تجارب الآخرين، تظل مقطوعة عن جذورها الوطنية والقومية.
واليوم إن الاهتمام بالديمقراطية ليس مقطوعا عن تأثيرات الحملة الأمريكية المدعومة من دول الغرب الرأسمالية، وجاءت إلينا كموجة مفروضة علينا وليست نابعة من الداخل، كما هي الدعوة إلى الإصلاح في "الشرق الاوسط الكبير". ولذلك فلا بد من أن نحذر حذرا شديدا، بل وندين الربط بين المشروع الديمقراطي ومشروع تطوير حقوق الإنسان بالمشروع الخارجي الرامي إلى إنشاء "الشرق الاوسط الكبير". ولا بد أن يهيئ كل قطر عربي المناخ الوطني الحقيقي ويقرر مع المهمات الأساسية التي لم يتم إنجازها بعد، وهي مهمات كبيرة.
إن دعوات الغرب والولايات المتحدة بخاصة لتبني مشروعي الديمقراطية وحقوق الإنسان، هي دعوة حق يراد بها باطل، وبالمقابل إن المهمة الأساسية أمام القيادات العربية والنخب المثقفة، أن تعمل من أجل أن تكون الدعوة لهذه المشروعات كلام حق يراد به حق وليس باطل شرير، يقضي بتقسيم البلاد ويسهل نهب ثروات الشعب.
إن العرب قادرون على تحقيق تجربة ديمقراطية بعيدا عن تأثيرات القوى الخارجية، وقادرون على تقديم تضحيات وتحمل المخاطر من اجل إنجاح هذا المشروع الوطني الحقيقي، فالديمقراطية لا يمكن أن تحققها السلطة منفردة، ولكنها تتحقق من خلال المشاركة الفعلية في العمل الوطني الذي يصون السيادة ويحافظ على الاستقلال الناجز.