وقفة عز خالدة مع ذكرى تأسيس الجيش العراقي

فؤاد الحاج

مع إطلالة فجر السادس من كانون الثاني/يناير من كل عام تشرق علينا ذكرى عطرة ألا وهي ذكرى تأسيس صانع الأمجاد والملاحم البطولية جيش الأمة العربية ودرعها الواقي الجيش العراقي الباسل الذي يحق لكل عربي أصيل ونبيل من هذه الأمة العظيمة أن يحتفي به، كون هذه المناسبة علامة بارزة ونقطة تحول مضيئة في تاريخ هذه الأمة وهذه الأرض الممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي.. فأرض الرافدين العريقة بتاريخها وتراثها الخالد كعراقة أبناءها وشهامتهم في الذود عن حياض الوطن، أرض الحضارات الإنسانية ومهد البشرية والشرائع الأولى التي خرج منها أشور بانيبال ونبوخذ نصر، والأمة التي أنجبت سعد بن أبي وقاص وطارق بن زياد وخالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم من القادة الأفذاذ الذين عرفتهم مشارق الأرض ومغاربها، ولا غرو إذا أحفادها ساروا على الطريق ذاته والمبدأ نفسه في التحدي من أجل إحقاق الحق والمجابهة ومقاومة الغزاة بقيادة الرئيس الأسير المجاهد صدام حسين.. لذلك لا بد أن يستذكر الأحرار والشرفاء في هذا اليوم تاريخ جيش العراق الباسل وأن يتدارسوا أسباب الفعلة الشنعاء الصهيو-أمريكية لعراق البطولات التي أدت إلى حل هذا الجيش إثر غزوتهم لبلاد الرافدين في التاسع عشر من آذار/مارس 2003.

كان الجيش العراقي طيلة ثمانية عقود من نشوء النواة الأولى والرعيل الأول لطلائع الجيوش العربية بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وهزيمة الأتراك عام 1918، الحارس الأمين والمدافع المخلص عن هذا الوطن وهذه الأمة، حيث شارك بجميع الانتفاضات الوطنية والقومية داخل القطر العراقي إبان فترة الاحتلال البريطاني للعراق، وتاريخ العراق الحديث يزخر بمفاخر نضالية تؤكد ذلك، كما تؤكد حيوية الشعب العراقي العظيم وعدم خضوعه ورضوخه للظلم والاستبداد مهما كان الثمن.. بذلك كان جيش العراق العظيم السباق في تلبية نداء الواجب الوطني والقومي في مواجهة الغزاة والمستعمرين منذ الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين عام 1948، وفي عدوان الخامس من حزيران/يونيو عام 1967، وفي حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، وفي تصديه ودحره للعدوان الإيراني خلال ثمان سنوات من الحرب الضروس حيث حقق أعظم الانتصارات فأرهب أعداء الأمة العربية وأعداء الإنسانية ثم في المنازلة الكبرى في (أم المعارك) وتصديه للعدوان الثلاثيني البربري في السابع عشر من كانون الثاني/يناير 1991 الذي قادته إدارة الشر الصهيو-أمريكية في واشنطن نيابة عن كل أعداء الإنسانية في العالم، لتصب نيران صواريخها واليورانيوم المنضب حقدا على العراق وجيشه مستخدمة آخر ابتكارات وسائل الإبادة الجماعية لقتل روح النضال لدى شعب العراق الذي أنجب هذا الجيش العظيم، متحدية بذلك أبسط القيم والمبادىء الإنسانية فألقت طيلة 43 يوما وليلة بآلاف الأطنان من القنابل والصواريخ الفتاكة التي توازي أضعاف ما ألقوه على هيروشيما وناكازاكي، ولم تسلم من القصف حتى المستشفيات ودور العبادة والملاجىء.. كل ذلك تم مع الأسف الشديد بمشاركة خمسة جيوش دول عربية اللسان وحتى الآن ما زالت بعض الدول العربية اللسان تسمح باستعمال أراضيها ومياهها لتنطلق منها طائرات العدوان دون حياء أو خجل حتى من شعوبها لتهاجم المدن والقرى ومنها فلوجة الصمود التي ضربت أروع الأمثلة في الصمود ومقاومة الغزاة وردع المعتدين بفضل ذلك الجيش الباسل الذي تحول إلى مقاومة وطنية عراقية التي ستبقى شوكة في عيونهم كما ستبقى القوة الاحتياطية والذخيرة الأساسية لإعادة بناء جيش العروبة في عراق العز والحضارات، وبارقة الأمل الوحيدة لمستقبل هذه الأمة وتطلعات شعوبها نحو الحرية والاستقلال والتقدم..

إن جريمة السابع عشر من كانون الثاني/يناير 1991 النكراء التي كشفت مدى التواطوء والضلوع المخزي لأنظمة الذل الناطقة بالعربية وتبعيتها وعمالتها المكشوفة بقوى الشر العالمية بعد الاعتداء البربري والهمجي ضد شعب العراق البطل، فإن جريمة العدوان والغزو في التاسع عشر من آذار/مارس 2003 ستظل وصمة عار في جبين أولئك الحكام العرب الذين شاركوا جنباً إلى جنب مع أعداء الإنسانية وأعداء الأمة العربية، وسيكون عليهم أن يتحملوا طويلاً من اجل إزالة مخلفات الحرب والآثار النفسية التي تركوها في ذاكرة شعوبهم، لذلك تراهم اليوم يغزون الخطى نحو إدارة الشر الصهيو-أمريكية ساجدين على عتبات بيتها البيضاوي في واشنطن، بصمتهم المخزي على استمرار المجازر ضد شعب العراق وموت مئات الآلاف من أجيال العراق لعلهم علهم بذلك يتخلصون من عقدة الذنب التي ارتكبوها وما زالوا، ولكنهم نسوا أو تناسوا أن الأمهات العراقيات الذين أنجبوا أبطال جيش العراق العظيم وقيادته التاريخية لا ولن تموت أو تزول طالما بقيت الماجدة العراقية تنجب.

ففي ذكرى تأسيس الجيش العراقي الخالدة نقف وقفة عز وعنفوان وخشوع أمام الأكرم منا جميعاً يا من سطرت بدمائك الذكية الطاهرة تاريخ وأسطورة.. سرمدي في جبروتك.. خالد في سوح النضال والشرف.. أكاليل في جبهتك العالية المظفرة.. وأن صفحات الأيام ستبقى تحكي عن إقدامك كمقاتل عنيد من أجل الحق والحرية حتى الرمق الأخير.. من أجل أهداف سامية وطنية وقومية هي لجميع القوى الخيرة من أبناء الشعب العربي دون مزايدات أو شعارات وبتطبيق القول بالفعل على أرض فلسطين المحتلة وفي هضبة الجولان المحتل وفي سماء وعمق أرض مصر العروبة كما في كل شبر من أرض العرب من المحيط إلى الخليج..

أما أولئك الذين خذلوك وغدروا بك وطعنوك من الظهر سيصب عليهم جام غضب شعوبهم وغضب كل الأحرار والشرفاء في العالم.. أن الخائبين القابعين في قصورهم وعلى عروشهم وكافة مشايخ العار والمارقين وحدهم تنطلي عليهم أكاذيب قوى الشر وأكاذيبهم وأباطيلهم وترتد عليهم وعلى نحورهم..

وبهذه المناسبة نستذكر أيضاً الأيادي البيضاء التي كان عراق العز والفخر يمدها ويساند فيها كل البلاد العربية دون استثناء حيث كان خير العراق يصل إلى كل طفل في لبنان وفي فلسطين العربية.. وأن كل الأحرار والشرفاء في العالم يزدادون اليوم قوة ومناعة بفعل المقاومة الوطنية العراقية التي كان وسيبقى عمادها جيش العراق الباسل التي تواجه طاغوت الاحتلال الصهيو-أمريكي المتمثل في قيادة الولايات المتحدة الأمريكية لما يسمونه النظام العالمي الجديد و"الشرق الأوسط الكبير" بعد أن انفضحت كل ألاعيبهم السياسية والتي أصبح الطفل الرضيع يعرف بأنها من أجل مصالحهم الذاتية ومن أجل السيطرة على الثروات الطبيعية في الخليج العربي وأهمها حماية وتكريس وجود الاحتلال في فلسطين العربية.

فمن ربوع جبال الشمال الشامخة كشموخ شعب العراق الأبي إلى البصرة الفيحاء، ومن رمال الصحراء ومياه الخليج الدافئة إلى نهر الفرات، وفي كل صخر وادي وفي كل القفار والفيافي، ومن فلسطين العربية إلى سماء سيناء وربوع هضبة الجولان ستظل ملاحمك تروي روايات تتناقلها الأجيال لتبقى سجل مشرف لتاريخ العراق المجيد عبر العصور.

فتحية إجلال وإكبار لمسيرة جيش العراق الظافرة وقيادته الوطنية المقاومة الباسلة..

والمجد والخلود لشهداء العراق الأبرار..

والنصر لشعب العراق العظيم ومقاومته الصامدة الصابرة على ظلم ذوي القربى.