مقاتلون عرب أشدًاء ومقاومة عراقية باسلة

د. محمد جواد فارس

 إذا كان المفكر الروسي بليخانوف تحدث - ذات يوم - عن دور الفرد في التاريخ؛ فإن علينا اليوم أن نتحدث عن دور المدن في التاريخ أيضا". لقد ظهر الأبطال خلال مسيرة الإنسانية ليلعبوا أدوارا" بطولية، بيد أن المدن ظهرت – في التاريخ – أيضا" لتلعب الأدوار ذاتها، ضاربة بذلك أروع الأمثلة في رفض الاحتلال ومقاومته فاستحقت عن جدارة لقب المدن البطلة في التاريخ. في الحرب العالمية الثانية التي شنها هتلر على الاتحاد السوفيتي (السابق) رفع شعار (الوطن الأم يناديك) فهبً الشعب برمته للدفاع عن الوطن. وهكذا رأينا مدينة لينين غراد (بطرسبورغ حالياً) وهي تقاوم لثلاث سنوات متواصلة دون استسلام ولتصمد في وجه الغزاة رغم الحصار الرهيب والدمار. كما رأينا مدينة ستالين غراد (فولغا غراد حالياً) وهي تقاوم وتنتصر ولتغيرً وجه التاريخ ومساره. لقد قرَبت هذه المدن من يوم النصر الذي كان يبدو بعيدا" في ظل الحرب الوحشية.

واليوم تشمخ في قلب التاريخ مدينة جنين الصغيرة في فلسطين الحبيبة، كمدينة بطلة صمدت وقاومت بلحمها الحيً الجنون الشاروني دون أن تستسلم.

وهذه هي الفلوجة الصامدة الصابرة في عراقنا المقاوم، عراق الصمود والتحدي والإرادة الوطنية تتقدم الصفوف لتنال وسام المدينة البطلة؛ بل وسام البطولية النموذجية في التاريخ العربي والإنساني لروعة المثال الذي تضربه في الصمود والمقاومة الأسطورية. لقد ألحقت الفلوجة الصغيرة الهزيمة بأكبر قوة عسكرية في العالم وأذلتها وأرغمتها على أن تجرجر أذيال الخيبة والهزيمة في عراق الصمود والمقاومة. وليس دون معنى أن العالم كله صار اليوم يعرف اسم الفلوجة، وليصبح اسمها اسما" مقدسا" في عالم النضال والجهاد ضد الغزاة الإمبرياليين. في معارك نيسان / أبريل الماضي ورغم كثافة وزخم الهجوم الأمريكي والحشد الهائل من الجنود والآليات، تمكنت الفلوجة البطلة من إلحاق الهزيمة بالأمريكيين ومرغت أنوفهم بالوحل. وفي المرة الثانية وحين كرر الأمريكيون الهجوم صمد ت الفلوجة وقاومت أعتى أنواع الأسلحة بما فيها المحرمة دولياً مثل اليورانيوم الأبيض (الذي تنجم عنه حرائق ودخان يرتفع إلى أعلى السماء ويعرف علمياً باسم الصبيان الطوال). لقد صمدت الفلوجة لأنها رمز الأمة ورمز العراق ورمز النضال الإنساني ضد الاستعمار الجديد. وإذا كان صمود الفلوجة بوجه الأمريكيين عنوانا" لصمود البشرية لا العرب وحدهم؛ فإن مقاومتها الباسلة لفلول الحرس الوثني المؤلف من مليشيات العملية هو عنوان الصمود والنضال ضد الخيانة والخونة والمأجورين. ومن الواضح أن التركيز على هذه المدينة البطلة والتي تستحق بجدارة لقب المدينة الشجاعة، إنما كان يستهدف تحطيم هذا الرمز الشامخ وإخضاع سكانها الأبطال الذين ضربوا أروع الأمثلة في رباطة الجأش والإيمان بالوطن .ومن الواضح أيضا" أن الغرض من الهجوم الأمريكي الفاشل ورغم الدمار الهائل الذي الحق بالمدينة إنما هو إخضاع المدينة وإرغامها على المشاركة في انتخابات هزيلة والتصويت لحكومة العملاء في بغداد. ولكنهها قاومت وصمدت واستحقت لقب المدينة البطلة. وليس دون معنى أيضا" أن الجنود الأمريكيين كتبوا عند وصلوهم جسر الفلوجة تلك اليافطة التي سلطت عليها وسائل الإعلام كل الأضواء والتي تقول: لقد جئنا للثأر للذين قتلوا هنا. وكانوا يعنون بذلك مجموعة الجواسيس الذين تم قتلهم في الفلوجة قبل أشهر في حادثة شهيرة.

وبكل تأكيد فإن الذين صنعوا هذه المقاومة الأسطورية كانوا من العراقيين والعرب. لقد قاتل العراقيون كتفا" إلى كتف مع أشقائهم العرب الذين لبوا نداء الدفاع عن العراق، الذي قال فيه عمر بن الخطاب أنه ثغر الإسلام. وهنا لا يسعني إلا أن أذكرَ من يراهنون على الديمقراطية الأمريكية من عملاء ولبراليين جدد في المشرق العربي، بما جاء على لسان الرئيس الأمريكي و وودر ويلسون عام 1900 عندما قال (أن من واجب الولايات المتحدة الأمريكية أن تلعب دورا قياديا" في فتح وتغيير الشرق. سيفتح الشرق ويغير سواء أفعلنا ذلك نحن أم لم نفعل فمعايير الغرب سوف تفرض عليه. عن الأمم والشعوب التي بقيت متوقفة وجامدة على مر القرون سوف تصبح جزءا" من عالم التجارة. انه واجبنا الخاص).

هذا المنطق العنصري المتغطرس هو ذاته المنطق الذي حرًك القوى الاستعمارية الجديدة في العالم، والتي قامت بغزو أفغانستان والعراق. فهل من المنطقي بعد هذا أن يلقى اللوم على المقاتلين العرب الذين هبوا للدفاع عن العراق والقتال إلى جانب إخوانهم المجاهدين والمقاومين العراقيين. كما أود تذكير من يسمون المجاهدين العرب بالإرهابيين بحقيقة من حقائق التاريخ. ففي العام 1936 تم تشكيل الفيلق الاممي للدفاع عن أسبانيا ولدعم الجمهورية هناك ضد الفاشيين وكان من بين أعضاء هذا الفيلق مقاتلون عرب وعراقيون من بينهم الشخصية اللبنانية فؤاد قازان والمناضل العراقي المعروف فهد (يوسف سلمان يوسف) مؤسس الحزب الشيوعي العراقي (حزب الشيوعيين الوطنيين لا حزب العملاء). وإلى جانبهما كان هناك المناضل السوري الكبير الراحل خالد بكداش. وقد تم توقيفهم في المغرب أثناء رحلتهم إلى إسبانيا ولم يتمكنوا من إكمال الرحلة إلى مدريد. ومع ذلك فقد تمكن مناضلون عراقيون آخرون من الوصول إلى مدريد وشاركوا في القتال إلى جانب الديمقراطيين واليساريين ولا تزال – حتى اليوم – قبورهم في مقبرة مدريد شاهدا" على عظمة التضحية في سبيل المثل والقيم الإنسانية والنضال ضد الإمبريالية. ومن المؤسف أن الأصدقاء الأسبان لا يزالون حتى الساعة يفتشون عن الأسماء الحقيقية للشهداء العراقيين الذين دفنوا بأسماء مستعارة – ولكن عراقية مع هذا – . وثمة مثال آخر من الثورة الفلسطينية حيث شارك العراقيون في القتال دفاعا" عن عروبة فلسطين وقاتلوا واستشهدوا على أرضها الطاهرة . ما من أحد اليوم إلا ويعترف بأن الكثير من المناضلين العراقيين الذين التحقوا بالثورة الفلسطينية وتبوأوا أعلى المراكز القيادية فيها إنما هم مناضلون من اجل فلسطين عربية مستقلة ومحررة، وهذا هدف مقدس يشترك فيه العرب مع كل الشرفاء في العالم . ويكفي التذكير بأن الثورة الفلسطينية حشدت من حولها الأنصار من بقاع الأرض من أسبانيا إلى اليابان واستراليا وسويسرا إلى جانب المتطوعين العرب.

إن كاتب هذه السطور كان واحداً من أعضاء الفريق الذي شارك في أنغولا بتكليف من الحزب الشيوعي العراقي عام 1980 للمشاركة في الفيلق الاممي للأطباء دفاعاً عن شعب انغولا المناضل ومن اجل مساعدة وعلاج الجرحى الذين سقطوا جراء الحرب الإمبريالية المدعومة بشكل مفضوح من الولايات المتحدة الأمريكية والتي قادها العميل جونس سفمبيني. كما أن كاتب السطور كان واحداً من المشاركين- كطبيب- في الدفاع عن الشعبيين اللبناني والفلسطيني أثناء اجتياح شارون لبيروت حيث عمل ضمن فريق الهلال الأحمر الفلسطيني طوال فترة الحصار المعروف بحصار بيروت. وفي هذه الحالات لم نسمع من يقول إن النضال هو نوع من الإرهاب أو هو إرهاب أو أن من يشاركون في الدفاع عن الشعوب هم مرتزقة ذلك إن المرتزق لا يدافع إلا عن مصالحه ومكاسبه الشخصية بينما يدفع المناضل حياته وماله وصحته من اجل المثل والقيم العليا.

وإذا كان لا بد من مثال آخر فسوف أسوق الواقعة التالية: ففي إثناء المعارك الضارية في قلب الفلوجة وحين داهم الغزاة الأمريكيون منزل أحد المواطنين من أبناء الفلوجة الأبطال وجدوا صورة معلقة على الحائط للشيخ احمد ياسين. وبطبيعة الحال لم يكن الرجل إرهابياً ولا مقاتلاً ولكنه كان مواطنا عراقيا بسيطاً مفعما بمشاعر الحب والاعتزاز بالقادة والمناضلين الفلسطينيين.

إن العراقيين الشرفاء والوطنيين يحيًون ومن موضع الفخر والاعتزاز، بكل مجاهد عربي جاء مهاجراً إلى ارض العزة والكرامة ارض الفلوجة الطاهرة فهو ليس إرهابياً بل هو مجاهد صابر تضرب في بطولته وجهاده وصبره الأمثال. فتحية لكل عربي ومسلم عفرً دمه ارض الرافدين وكل من دافع عن العراق والعرب والإسلام وكل من صمد وقاوم هذا الطغيان الوحشي.

نعم المقاومة عراقية والمقاومون عراقيون وعرب. ليس في هذا ما يعيب. فهل من المنطقي الصمت على (القوات المتعددة الجنسية) التي جاءت من وراء البحار، بينما يرتفع زعق ونعيق الناعقين عن بضع عشرات من المجاهدين- المهاجرين العرب الذين لبوا نداء الواجب وهبوا لنجدة أخوتهم في الدين والوطن، أخوتهم الأنصار في الفلوجة. نعم ها هنا أنصار وها هنا مهاجرون. ولا معنى لكل هذا الهراء عن الإرهاب. المقاومة الباسلة تتوسع وتضرب في كل شبر من ارض العراق ويتجمع في قلبها ومن حولها الشيعة الوطنيين وأهل السنة والمسيحيين والعرب والأكراد من اجل تحرير الوطن الواحد، وطن الجميع سواء أكانوا شيعة أم من أهل السنة مسيحيين وآشوريين أم صابئة أم أقليات دينية أحرى.

في المدينة البطلة الفلوجة يشمخ العراق الواحد بكل ألوانه. إنها عنوان النصر الذي هلت بشائره واقتربت.