الذاكرة

((الذاكرة: وعي الماضي، واستلهام دروسه، لوضع الحاضر في المستقبل، إنَّ أمة بلا ذاكرة، هي أمة بلا مستقبل)).

هذا كتاب قديم أُنشيء بين عامي 1993 - 1994حول المصالحة الوطنية العراقية بين أنصارها وخصومها، ربما كان الاِعتزاز الذاتي به هو الدافع لنشره، أو ربما كان ما هو متداول في هذه الأيام من رؤى فكرية وسياسية، تكمن أسباب نشره، ورأيت من الواجب طرح أفكاره مع نواقص الكتاب. أحاول معه، وعبره أيضاً، التذكير بمواقف ((الأنا)) و((البعض))، عسى أنْ تنفعنا الذكرى... وهو مُهدى إلى الضمير العراقي الحُر في شخص الرائد [*] عبد الجبار سليمان الكبيسي: أبو أحمد الذي قرأه في حينها، ونحن في سوريا.

باقر الصراف/كاتب عراقي يقيم في هولندا

الحلقة الأولى من الذاكرة

توطئة

ظواهر ملفتة للنظر

(1)

الحوار مع البعض - في هذه المرحلة التي يُزعم أنَّ الأوراق فيها مختلطة - عسير وإنْ يكن فيها مستحيلاً، صعب وإنْ كانت جدواه قليلة، لقد تلبست هذا البعض مواقف سياسية بشكل مكين ومزمن، وتحكمت في مساره السياسي رؤىً راهنة بعيدة حتى عن اِلتزاماته الفكرية المعلنة، جملة هذه الموقف والرؤى، في اللحظة التاريخية الراهنة، تصُّبُ في مصلحة الآخر، والآخر هو بالضبط المضاد للعراق: وطناً وشعباً ودولة وحضارة، ويتجلى سلوك هذا الآخر يومياً بحرب الحصار وقطع لقمة العيش عن المواطن العراقي، وكذلك حرمانه من الدواء ومختلف الحاجات الضرورية، ناهيك عن الحاجات الكمالية.

لقد تلبسَ هذا البعض، وتملكت عقله، نزعة الإِنسياق في التوجهات السياسية التي رسم خطوطها الغرب التسـلطي، وهذه النزعة تختلف إلى حد التناقض مع اِلتزاماتهم الفكرية المعلنة... وتملكت أحلامه شهوة الوصول إلى السلطة بأي ثمن وبوساطة أية وسيلة ووفق أي أسلوب، لقد توسم نشطاء هذا البعض: سياسيين ومفكرين خيراً عميماً قادماً من الغرب التسلطي، واِستبدت بهم رغبة عارمة توسدت بقوة تلافيف أدمغتهم وأذهانهم، وليس عواطفهم فحسب... برغبة الاِنتقام من النظام للدرجة التي أنستهم مفاهيم الوطن والشعب والدولة والأمة !.

وبدافع هذه النزعة والشهوة والرغبة أصيبوا بداء غريزة التهارش المزمن وتبدت غريزة الشجار الدائم، واُستولت على نفوسهم روحية التدافع بالمناكب والأنياب والأظفار، وأصبحوا غير مستعدين لسماع كلمة طيبة وحق... كلمة سواء إطلاقاً، ولم يبدِ البعض منهم أي اِستعداد لخوض نقاش حر، قوامه التمسك بالحد الأدنى من الشعور بالمسؤولية، قوامه معاينة الوقائع من زوايا مختلفة على أرضية الصفاء الوطني، الوجدان الوطني، قوامه اِنتظام المعايير الأخلاقية الفاضلة بين المواطنين المخلصين، كالصدق والأمانة والموضوعية، ذلك النقاش المرتكز على روحية أفضل أصدقائي مَنْ دلني على أخطائي، روحية القول النبوي أنصر أخاك: ظالماً أو مظلوما، أنصره عندما يكون مظلوماً وأردعه عندما كان ظالماً، روحية الحس الفولتيري المعروف: بـ((رسول التسامح))، فباسم ((الحس العام)) و ((الحس السليم)) حارب فولتير الآخرين ((يجب بذل الدم في خدمة الأصدقاء ومن أجل الاِنتقام من الأعداء، وإلا لم نعد أهلاً لأن نكون بشراً. سأموت متحدياً كل الأعداء للحس العام))، [1]. و((الحس العام)) يتبدى في اللحظة التاريخية الراهنة بقيم وأفكار وثوابت سياسة الدفاع عن الوطن ضد المعتدين عليه.

الدليل على هذا المسلك... على هذه الغريزة، رشقهم الآخرين ـ ومن بينهم مَنْ هم أصدقاء الأمس ورفاق الأمس ـ بسيلٍ من التُهم الجاهزة الجارفة، التي تتراوح بين العمالة والمأجورية والاِرتزاق والجهل والتبعية، ويأتي كل ذلك في سياق اِمتناعهم أو تمنعهم من فهم جوهر وتفاصيل وجهة نظر الرأي الأخر، أو تفقه خطابه السياسي المنشور والمعلن، أو حتى التدقيق بمضامين فقراته السياسية التحليلية والمطاليبية.

لدى هذا البعض ـ ويا للأسف ـ حصيلة إتهامية جاهزة يرجمها بوجه أي مواطن عراقي، ناهيك عن أي حزب أو تنظيم أو مجموعة، يحمل وجهة نظر مغايرة لرؤيته، ويكمن السبب الجذري لهذا التطير والتوجس، وبالتالي التصرف العدائي لتلك المسلكية، كما نعتقد، في خشيتهم على البنيان الفكري المستجد الذي شيدوه على جملة معلومات غير صحيحة، وأوهام ليس لها أية صلة بالواقع، أولاَ، وفي قلقهم على بنيان الاِمتيازات الراهن من خطر الاِنهيار، لأنه قائم، أساساً، على السحت الحرام والنهش السريع والخرجيات المجزية، ثانياً، وفي خوفهم من اِنفضاح مواقفهم السياسية الحقيقية المبنية على أفكار هشة وكتابات ركيكة وحجج واهية ومعلومات زائفة وأساليب ملتوية، ثالثاً.

ولكن كيف تبدّت هذه الإستخلاصات عملياً؟ ووفق أية معايير جرى تسجيلها!؟.

لقد تبدّت هذه الإستخلاصات ملموسة على ضوء معايير الإخلاص للوطن والشعب... بمعايير الرؤية الفكرية والسياسية الكلية التي تعيشها المنطقة العربية، أي من خلال التدقيق في الظروف الموضوعية التي تحيط بالعراق: الوطن والشعب والدولة، من جهة أولى، ورؤية الوضع السياسي العالمي وممارسات القطب العالمي الواحد الراهنة: الواهب المنايا الجماعية للشعوب، المانع الرخاء الممكن عنها، رؤية الوضع العربي في مرحلة تدهور مواقف الأنظمة السياسية واِتجاهها المتسارع نحو التراجع العشوائي والاِرتداد السياسي واِنكماش تأثيرها على مجريات الأحداث، من جهة أخرى.

إنَّ إطلاق حصيلة جاهزة من الإتهامات لحظة اِنبثاق أية فرصة سياسية لنقاش موضوعي وحر بين كل الأطراف العراقية، تهدف - من بين ما تهدف - قطع دابر الحوار السـياسـي المسؤول، والنقاش الجاد، الذي قد يؤتي أُكلُه: على صعيد توفير حلول وطنية لأزمة العراق السياسية والاِجتماعية... من أجل تعزيز الرؤية الوطنية على صعيد تمتين الآصرة الوطنية... على صعيد اِغناء الاِلتزام بقيم الوجدان الوطني والإمتثال لرقابة الضمير السياسي الوطني وصفائه... على صعيد التواؤم المطلق مع روحية الصـدق مع الذات، والاِبتعاد عن موبقات التحريض عند الآخر لدى أصـحاب الكرابيج ووسـائل التعذيب !.

الحوار مع هذا البعض عسير، دونه خرط القتاد، كما يقول المثال، لأنه، وبكل بساطة، قد يدفع المرء الذي يخوض غمار لجته إلى هاوية العذابات الرهيبة، إلى وضع ظهره طواعية , أقدامه كذلك، تحت مبضع السياط الجارحة المؤلمة، بذرائع شتى وحجج مختلفة، أدناها خدمة النظام العراقي، وأقصاها العمالة والتجسس، ورغم نصيحة أحباء وأصدقاء بضرورة اِقتفاء أثر ((التقية)) المعروف في الفكر الامامي، واِتقاء شرور المهلكة، وإلى ضرورة التحسب من العواقب الوخيمة والاِبتعاد عن المكشرين أنياب اِنتزاع المعلومات وتجنب سيل الاِتهامات الجارف والمعاقبة القاسية على المواقف السياسية المعلنة للملأ....

إلا أنَّ نداء الوطن وواجب الاِلتزام الفكري والإخلاص للأمة وقيمها الحضارية التي من أجلها، ولأجلها فقط، تركنا سنوات جميلة من أعمارنا وراءنا قضينا اوطاراً منها في ميدان العمل السياسي، وتحت راية هدف نبيا: خدمة شعبنا بكل ما تعنيه هذه الخدمة من نزوع نحو الحرية والديمقراطية والعدالة الاِجتماعية عبر الكفاح ضد الظالمين وبراثنهم المتعطشة للدم، وعبر الكفاح ضد الغرب السياسي الاِستعماري ومخططاته العدوانية على أرضية الجهاد ولتحقيق الآمال الوطنية والقومية...

نقول: إلا أنَّ ذلك يفرض علينا دخول معترك النقاش وولوج حلقته مع الرأي الآخر وخوض لجّته مع هذا البعض الذي تجاوزت اِنفعالاته وغضبه حدود مسؤولية الكلمة المؤدبة والموقف الوطني ومعايير الصدق واِحترام وجهات النظر الأُخرْ، وما يتضمنه ذلك من اِنكشاف حقيقة ((إيمانهم العميق)) بالديمقراطية التي يبشرون بها، ويؤشر إلى المضمون الفعلي للنظام البديل الذي يدْعون إليه.

ولكن ما هي المناسبة التي دفعت هذا البعض لتسديد سهامه الطائشة على الرأي الآخر: رأينا السياسي على وجه التحديد ؟ ولأية أسباب اِستبدت بهم ((الحمية)) لكيل التهم الجاهزة ؟!.

[*] ـ الرائد = الصادق، والتعبير مستمد من مفهوم معنوي ومادي، كونه يعبر عن الشخص الذي يتقدم القوم لطلب الماء والكلأ لهم رؤيته والتأكد من وجوده قبل أنْ يظعن الراحلون إليه، وكان الماء والكلأ ـ كما هو معلوم ـ هما عماد حياة العرب الراحلين والمتنقلين، لذلك فأنَّ الكاذب مفضوح بعد حين ووجوب قول الصدق تعَّد مزيته الكبرى، فضلاً عن أنَّ الكذب عليهم سيؤدي إلى إفساد أمرهم، وأمر نفسه معهم، لذلك قيل في المثل العربي أنَّ: الرائد لا يكذب أهله.

[1] ـ راجع كتاب تاريخ الفكر السياسي لجان توشار: بمعاونة لويس بودان، بيار جانين، جورج لافو، جان سيرينلي، ترجمة الدكتور علي مقلد، نشر الدار العالمية للنشر والتوزيع، بيروت / لبنان، الطبعة الأولى عام 1981، ص 317.

 

(2)

الحلقة الثانية من الذاكرة

توطئة

ظواهر ملفتة للنظر

مضى على العدوان الأمريكي ـ الأطلسي ـ الصهيوني، وأذنابهم من كل شاكلة ولون، المباشر أو غير المباشر، عدة أعوام، ذاق شعبنا خلالها شتى ضروب الحصار، لاسيما من ناحية الغذاء والدواء ومختلف السلع الضرورية الأخرى، فضلاً عن الحاجات الكمالية ومتطلبات تطوره العلمي والتقني والتربوي والاِجتماعي... إلخ، وجرى خلال تلك الفترة الزمنية المريرة اِنتهاك فظ مستمر ومتعدد الوجوه لسيادة العراق باِعتباره دولة مستقلة، والتدخل في شؤونه الداخلية، واِختراقات تجسسية لأجوائه وحدوده، علاوة عن إحراق مزروعاته وإهدار دم جنوده وقصف عاصمته الخالدة بغداد، وبيع ثرواته إلى دول الجوار في أكبر عملية لصوصية تمثلت بتفكيك المنشآت العامة من صناعية وخدمية وإنتاجية وعلمية، حتى الزجاج والحديد المستعمل في الأبنية العامة جرى اِقتلاعه بغية بيعه لدول الجوار تحت نظر وأسماع ما يسمى بالسلطات العسكرية لدول الحماية الغربية، وعبر رموز معروفة في الحركة الكردية المسلحة، ناهيك عن قيام القوات الأمريكية بسرقة آثار ومكتنزات تاريخية كبيرة وكثيرة وثمينة.

مثلما ذاق شعبنا تلك المرارات، تحمل - كذلك - أطفاله وشيوخه ونساؤه، ومختلف الفئات الاِجتماعية والعمرية الأخرى النتائج الوخيمة لذلك الحصار الجائر، من موت جماعي وإفرادي وتلوث للبيئة ووطأة الهموم النفسية وآلامها المبرِّحة كلها... ولكن أطرافاً محسوبة على العراق قد اِستمتعت، في الوقت ذاته، بظروف غاية في الرخاء واِكتناز الأموال الحرام، وبمختلف العملات العربية والأجنبية، وما يعد ويحصى من مسكوكات وصكوك تناوبت سلطات عربية وأنظمة أجنبية غربية، إضافة إلى تركيا وإيران، على ضخها إليهم، بهدف إسهامهم في حملات الولايات المتحدة الهادفة إلى تدمير العراق: وطناً وشعباً ودولة ومجتمعاً.

 وفي حين يُطارد المسلمون الأمريكيون من أصلٍ عراقي أو عربي ممن وقفوا إلى جانب شعبنا العراقي في مواجهة الغرب الإمبريالي التسلطي، في مرحلة عولمته المتوحشة، للدرجة التي باتوا معها يفتقدون الأمان الشـخصي، وصـار ولاؤهم للولايات المتحدة كدولة موضع ريبة وشــك ومراقبة وتحقيق... وفي الوقت الذي تقوم شركة ((بان أمريكان)) - على سبيل المثال - بُمنع كل المسافرين الذين يحملون جوازات عراقية أو العراقيين من السفر على متن طائراتها حتى لو كانوا يحملون الجنسية الأمريكية، كما تذكر أحد المجلات الأمريكية، [2]... في هذا الوقت، وفي ذلك الحين، يتوافد عراقيون من ((نوع آخر)) ومن ((ولاء معلوم)) و((سيرة سياسية معينة)) على العاصمة الأمريكية: واشنطن، يستضيفهم ـ فوق ذلك ـ مسؤولون أمريكيون بالترحاب المميز والتهليل الكبير وتقديم مختلف أنواع المساعدات لأولئك الزائرين لاسيما إلى رؤساء الوفود.

لقد أصبح ((أقطاب المعارضة)) من مختلف الألوان الأيديولوجية مدمني الرحلات المكوكية لمختلف عواصم الغرب بذريعة النضال لإسقاط السلطة الحاكمة والنظام القائم في العراق، زاعمين أنهم يتحدثون باِسم كل المعارضة السياسية وكل التيارات الفكرية، فضلاً عن أنهم يتكلمون باِسم الشعب العراقي، في حين يدرك كل مَنْ له اِطلاع بسيط عن الإستراتيجية الغربية الأمريكية في مرحلة إدارتها المتعولمة وإستراتيجية كيان الاِغتصاب الصهيوني، أنهم يستهدفون العراق كوطن وشعب ودولة تمزيقاً وتخريباً وتدميراً، إنْ لم نقل أنهم يعلنون ذلك على الملأ وعلى رؤوس الأشهاد، أليس تحدث المسؤولون الأمريكيون حول إرجاع العراق القهقرى إلى خمسة قرون، [كما قال جيمس بيكر وزير الخارجية الأمريكية الأسبق، كما نقول ذلك من وحي النشر وبمناسبته] وحديث الحركة الصهيونية عن تجزئة العراقي إلى دويلات ثلاث، أو أربع، [كما أوضحته وثيقة أودنين المعنونة: "إسرائيل" في الثمانينات، كما نقول ذلك من وحي النشر ومناسبته] دليل ما سبق قوله.

وفي ما كانت جماهير عربية من مشرق الوطن العربي وحتى مغربه، وفي مختلف مناطق تواجدهم في بلدان العالم، ناهيك عن ملايين المسلمين تطالب ليل نهار برفع الحصار ودحر الجريمة عن العراق ورفع غائلة الموت عن أبنائه، وتعزيز صمودهم وتوطيد إرادة المقاومة لديهم، والتغلب على اِستهدافاته السود... كان ((فرسان المعارضة)) يجرجرون بؤسهم ويمطون ألسنتهم خلف دعوات الإمبرياليين الغربيين وأذنابهم من العملاء العرب لتجديد الحصار وتشديده وفرض المزيد من الفقر على العراقيين بهدف اِنتزاع المزيد من التنازلات وتهديم ما حققته الإرادة الوطنية من اِعمار وتقدم علمي مضطرد.

وأطلقوا، في سياق نشاطهم ذلك، كل ما في كنانتهم من سهام الدعاية المضللة والتضليلية، والاِتهامات المشبوهة، وترديد المزاعم الغربية اِبتداءً من قضية أسلحة الدمار الشاملة واِنتهاء بمخططات العراق المزعومة لمهاجمة الدول العربية، أما مسألة ((حقوق الإنسان)) التي يلوكها هؤلاء البعض ليل نهار، فإنها اُتخذت كقميص عثمان لتصعيد وتيرة الحملات الدعائية تلك... يقومون بذلك من دون أنْ يثيروا أية أسئلة حيوية من قبيل: لماذا يجري التركيز الغربي على العراق ؟ في حين أنَّ أنظمة عربية أخرى وغير عربية أيضاً، تمارس أشد أنواع الممارسات القمعية والعنصرية، ويحتفظ بعضها بترسانة نووية كبيرة، ويمارس بعضها الآخر حربَ إبادة فعلية بحق أقلياتها القومية كتركيا وإيران، وتطارد خصومها من خلال حملات عسكرية واسعة وإطلاق أيدي رجال الأمن والمخابرات لاِرتكاب مختلف الجرائم العشوائية، ولا يجري التطرق إلى أسبابها أو نتائجها ؟ !.

في مثل هذا الخضم الصعب وتلاطم أمواج التآمر على شعب العراق، وفي ظل تورط الكثير من أطراف المعارضة في تلك المخططات السياسية المعادية وأضاليل الدعاية، اِنبرت مجموعة من الوطنيين العراقيين المقيمين في الخارج للتعبير عن رؤيتها، بعد تأمل عميق في محنة العراق ودراسة مختلف الظروف العالمية والعربية والعراقية المحلية، والتبصر في آفاق التطورات اللاحقة، اِعتماداًً على تمعنٍ مضنٍ في الذي جرى: أسبابه ووسائله، النتائج التي آلت إليه التطورات، فضلاً عن ضرورة تحديد المواقف ومحاسـبة الذات ومقاصصة الذين اِبتاعـوا الخيانة ببيع الوطن والشـعب العـراقي... لقاء حفنة من الدولارات على كبر مجموع المبالـغ المسـتلمة... مقاصصتهم فكرياً بالطبع.

اِنطلاقاً من هذا الوعي والشعور بالمسؤولية واِرتكازاً على الوجدان الوطني والضمير القومي اللذين اِختمرا في الأذهان وتشكلا قناعات راسخة في الجوهر من الرؤية والأساس من المباديء... أقدموا على تسجيل رؤيتهم تجاه قضية وطنهم بعد قراءة متأنية للوقائع، والتدبر في ظرفه التاريخي والتفتيش المدقق عن الاِستهدافات الإستراتيجية من العدوان، وفي سياق ذلك، وخلاله وفي أعقابه، اِتخذوا مواقف محددة تجاه تلك التطورات، وعلى ضوئها طرحوا رؤيتهم البديلة كخيار للممارسة والتفكير بديلاً عن نهج التلطي على أعتاب السفارات والرقص على قرع طبول الأجنبي، دون أنْ يدعي أيٌ منهم اِمتلاكه للحقيقة المطلقة أو القول: إنَّ هذه الرؤية هي مسك الختام لحقائق السياسة والفكر، وكانت حصيلة ذلك الجهد الذي اِسـتمر طويلاً، وفي ظروف قاسـية ملبدة بالوشـايات والإشـاعات والشغب والمكائد الخسيسة... كانت حصيلته مذكرة فكرية وسياسية جماعية كانت هي القاسم المشترك لكل الوطنيين المؤيدين للموقف الوطني العراقي، بغض النظر عن اِنتماءاتهم السابقة، اِنطوت على دعوة وطنية قوامها ضرورة اِجتراح نهج جديد في ممارسات اليوم السياسية، نهج المصالحة الوطنية والنأي عن الأجنبي ومخططاته، واِعتبار أنَّ الولاء للوطن والإِخلاص للشعب شرط يتقدم كل الشروط للتلاقي والحوار والعمل السياسي المشترك.

صحيح أنَّ إجتراح هذه الرؤية الفكرية والسياسية، وتصور [بالمعنى الفلسفي طبعاً] ما ينبغي عليه العمل النضالي بديلاً عما هو كائن من ممارسات يمكن وسمه بكل الأوصاف ومن بينها نعتها بالسمة الوطنية، لا يرقى إلى مستوى مأساة شعبنا وتطلعاته المستقبلية، بالمعنى التاريخي وليس اليومي، إلا أنها لا تقل عن بعض التعبير عن ما يعانيه... رؤية تمخضت على وهج المعاناة والحصار الشامل... رؤية أودعوها تحليلاً شاملاً إنتظمته روحية الولاء الوطني وحددت سماته الأفكار الوطنية... أودعوها مذكرة نظرية اِحتوت رصدَ معطيات الحاضر على ضوء وقائع الماضي، مثلما اِنطوت على مضمون الحياة السياسية المرغوبة مستقبلاً على أنقاض وقائع الحياة السياسية التي خطأتها معطيات التجربة والتاريخ... ولعل إحدى مميزات هذه الرؤية أنها لم تأتِ على ضوء القراءة الاِنهزامية للتاريخ... القراءة المهزومة نفسياً وسياسياً لما جرى، بل كانت قراءة واعية وواثقة بمستقبل وطننا المشرق، بغية سد الثغرات وتلافي النواقص وضرورة الاِتعاظ بالدروس والعبر اِستعداداً لمواجهة أعباء المستقبل على طريق تحقيق أهداف شعبنا...

فما هي الخطوط السياسية العريضة التي تضمنتها الرؤية التي حرضّت معارضات متنافرة الولاء لتوحيد كلمتها وشن ((حملة فكرية وسياسية)) شعواء ضد القائمين على إصدارها... وضد منطقها دون أنْ يتمحصوا مضمونها ويدققوا في أفكارها ويستشرفون آفاقها؟!.

إنَّ الإجابة التفصيلية على تلك التساؤلات سيتضمنها - في الغالب - القسم الأول من متن الحوار مع الرأي الآخر، أما راهناً، فإننا سنتطرق إلى البحث عما يضيء بعض الظواهر التي نرصدها في هذه التوطئة لإنارة آلية وكيفية تفكيرها أمام القاريء العراقي.    

 [2] ـ راجع مجلة التايم الأمريكية الصادرة في 4 / 2 / 1991 {نقلاً عن مجلة ((منبر الحوار))، السنة الثانية، العدد (30) خريف 1993، ص 109، بيروت / لبنان}. 

 

(3)

الحلقة الثالثة من الذاكرة

توطئة

ظواهر ملفتة للنظر

إنَّ الثقافة الوطنية الحقيقية، والوعي بالسياسة وإدراك مفاهيمها، والسياسة هي التجلي الأرفع للثقافة، والشعور بالمسؤولية الوطنية، تفرض على كل فرد وطني ينتمي للعراق فعلاً عمليا لا قولاً زائفاً يبحث عن الذهب الأصفر عند الأعداء، اِتخاذ موقف سياسي واضح يعبر عن مصداقية هذه الثقافة ويبرهن على هذا الشعور، ولو كان ذلك على أسنة الفقر ورماح القمع، والمصداقية تكمن في راهنية الاِنحياز للوطن، والاِلتزام في كل ظرف وتحت وطأة أي مناخ سياسي بمصالحه السياسية، بديمومته موحداً، بأفق يتضمن العمل على تماسك لحمة المجتمع الذي يعيش بين جوانح هذا الوطن، كي يصبح ـ عند ذاك ـ الحديث عن التماهي تماهياً حقيقياً مع الوطن والشعب وينطوي على معنى فكري محدد وملموس ومبنى مشيد على الممارسة اليومية، وليس الاِدعاء، لأن الممارسة العملية هي معيار التقويم حسب اِعتقادنا.

إنَّ الموقف السياسي الوطني يتطلب تحديداً واضحاً وتشخيصاً سليماً، ولا يمكن خلط جوهر أية ظاهرة موضوعية، في الزمان والمكان المحددين، بتفاصيل جزئية وقضايا عرضية ومسائل صغيرة وعابرة، لأنَّ معنى ذلك ضياع أنفسنا العملية وذواتنا المفكرة، وتخبط رؤيتنا، وفقدان البوصلة الهادية لعملنا. الموقف الوطني يتطلب اِبتعادنا عن المخططات السياسية الأجنبية الهادفة تجزئة الوطن وتفتيت وحدة المجتمع، إنَّ الاِلتزام بقضية صـيانة الوطـن وحمايته وتعزيز وجوده وتنمية روافـد عطـاءاته وتخصـيب عوامل قوته... نقول كل ذلك لحظ بدئنا التوجه لمحاورة أي مواطن عراقي مهتم بأفقه السياسي، أو جهة سياسية عراقية ما، فما هي المهمة الفكرية التي اِسْتبقت أولوياتنا في الاِجتماع السياسي والفكري بغية عرض وجهة نظرنا؟!.

من الظواهر الفكرية الملفتة للنظر، إنَّ الخط السياسي للمعارضة أخذ ينحو منذ آب 1990، وبوتيرة عالية، نحو صيغة الخطاب الإلغائي الشامل... الإستبدالي المطلق، بديلاً عن الخطاب السياسي الذي يتضمن، وينجم عن رؤية تحليلية وثقافية وحضارية للمجتمع وآفاق تطوره المستقبلي وفي سياق خدمته ولصالح صيرورته مجتمعاً مدنياً متكاملاً، تحوله إلى خطاب سياسي موحد لا مفرق، يسعى إلى التماسك على قاعدة الثراء المعرفي والمساواة في الحقوق والواجبات، وليس خطاباً يندرج في تنفيذ حلقات التشتيت والتمزيق، خطاب سياسي تشاركي لا تجزيئي عمودياً، اِندماجي على قاعدة التكامل والوعي، لا تفتيتي وتجهيلي، خطاب سياسي يبرز ويمتِّن ويغني روحية القواسم الوطنية المشتركة، لا أنْ يلتقط الجزئيات الأثنية والآفات الطائفية مجهرياً ويعرضها تلسكوبياً.

ولذلك، فإنَّ المهمة التي ينبغي على الوطنيين معالجتها موضوعياً وسياسياً تتعلق بمسألة الرؤية الوطنية. نوعية الخطاب الوطني. تتعلق بإنشاء خطاب سياسي وثقافي واضح الأهداف... واضح الوسائل... واضح الأساليب، لكي يكون هذا الخطاب هو المعيار السياسي والفيصل للتقويم ومقياس الاِلتزام... خطاب قوامه مفاهيم لا كلمات إِنشائية عائمة فضفاضة، يستخلص العِبر والدروس ويكرس الصواب وينبذ الأخطاء، خطاب يوحد ويغني ويفيض روحاً وطنياً، لا تتشكل صيغه الفكرية من اِستعارات وشواهد تجريبية مستوردة، سواء أكانت غربية أو شرقية: خطاب سياسي نابع من واقع المعاناة اليومية ويستلهم تجربتنا التاريخية، تجربتنا العراقية الوطنية لكي يجد في أرض الواقع إمكانية اِستثنائية وناضجة لاِستنباته واِستزراعه، ونموه حتى يؤتي أكله على مستوى الفرد والمجتمع، خطاب يضع في اِعتباره حقائق التاريخ... تاريخ العراق الحضاري الذي توارفت ظلاله منذ مئات القرون، ويعكس تجربة التاريخ الثقافي والتعدد التكويني والتنوع الفكري منذ أربعة عشر قرناً.

خطاب سياسي وطني حقاً، خطاب ديمقراطي حقاً، يتأسس على معايير تشترك وآراء المجموع العراقي الذي يقدس الوجدان الوطني، وتتملك شعوره وأحاسيسه الكرامة الوطنية، خطاب يسعى لتعميق وإثراء روحية مشتركة، ويساهم في بناء أرضية فكرية تشاركية ومشتركة مع الكل القادر على التغيير نحو الأحسن والأسمى والمتطلع للتغيير نحو الأرقى والأكثر تطوراً وتقدماً... ومعلوم أنَّ أغلب هذا الكل تنتشر صفوفه العريضة، أساساً، في الداخل: داخل الوطن، بمن فيهم مَنْ هم في تركيبة النظام، وفي مؤسساته التكوينية والتنظيمية والسياسية والنقابية والمهنية، بغض النظر عن أسباب اِلتزامه في هذه التركيبة.

خطاب لا يتماهى ورؤية الأجنبي الصليبي - الصهيوني السياسية - بالمعنى الحضاري التاريخي لا الديني ـ على وجه التحديد، ولا يرتهن أو يخضع لمخططاته الإستراتيجية ويسهل - بالتالي - تنفيذ حلقات إستهدافاته السياسية، وما يستتبع ذلك من اِتخاذ الجمهور العريض من ضرورات إعلان المواقف الحازمة، لعل أبرزها، إدارة وجهه باِحتقار عميق ونُفرة واسعة عن ظاهرة الاِرتزاق أو العمالة للأجنبي الذي يتسربل بخطاب إنساني مزعوم مستمد من قيم الغرب السياسية ودعواته الماسونية الرجعية: التجزيئية التفتيتية.

إنَّ ظاهرة الاِرتباط برؤى الأجنبي السياسية، والاِرتزاق من أمواله والعمالة لأفعاله التي تتجلى بتسويق دعاويه/دعايته السياسية التي بتنا نتلمسها يومياً، وهي تتبدى في مختلف المقالات والدراسات والتصريحات، ناهيك عن سلوك أبطالها، ليست عبارة وهمية عابرة، وليست مجرد شبح أو أضغاث أحلام تتراءى للبعض، بل هي ممارسة ملموسة رقص أبطالها على إيقاع الجريمة البشعة التي اُرتكبَتْ بحق العراق وطناً وشعباً، وما تزال ترتكب، جريمة تبدت واضحة وتجسَّدت ملموسة، قوامها القتل والقصف والتجويع والحصار للعراق كمؤسسات مختلفة التكوين ومتكاملة العمل، والمجتمع الوطني لجميع أبنائه كلهم... كوطن... كشعب... كدولة.

المهمة النبيلة التي تقع على عاتق الوطنيين كمهمة سياسية ينبغي إنجازها، هي إنشاء خطاب سياسي وثقافي كلي الرؤية، شمولي الأبعاد، يستند إلى معطيات ملموسة موثَّقة، وينأى عن كل مفردات الخطاب الأجنبي المضلل، مهما كانت جمله براقة وخلابة، لأنَّ الأمر يتعلق، أساساً، بطابع المرحلة التي يجتازها وطننا وتجتازها أمتنا، في حين أنَّ الغرب كله قد اِستكمل تطوره على كل الصعُد، وحقق أهداف  اِنطباق تكوينه التاريخي على واقعه الجغرافي، على العكس من وضعنا العربي المجزأ... المستعبد أو المُستغَلْ، بفعل مخططات الغرب الاِستعماري وجراء سياسته الواعية بما ينبغي أنْ يكون عليه الوضع العربي منذ مؤتمر بانرمان البريطاني ـ الأوروبي  1904 ـ 1907  واِتفاقية سايكس ـ بيكو في عام 1916 ووعد بلفور عام 1917، من جهة، وبفعل القصـور التكوينـي للقيادات العربية، من جهة أخرى، وجراء روحية الاِستبداد السائدة عند الفرد العربي العفوي... غير الواعي، من جهة ثالثة، ولكون تخلق البنية الاِجتماعية أبرز سماتها، من جهة رابعة وأخيرة.

خطاب سياسي يتدرع بكل القيم الوطنية العراقية النبيلة ويتوهج بتراث الكفاح الوطني والقومي العربي المضيئين، خطاب سياسي ناضج ومتماسك يفتح أبواب ميادين الحوار الرحيبة، الحوار الديمقراطي المفتوح، الحوار السياسي الشامل على أرضية الإِخلاص للوطن والأمة المستهدفين: غربياً وصهيونياً، خطاب تنطلق مفرداته من الوجدان الوطني واِعتماداً عليه، واِرتكازاً على الأسس المادية التي أفرزت هذا الوجدان وعياً سياسياً ورؤية فكرية، خطاب غير مصفوف على إيقاع العبارات والمفاهيم الأجنبية المزيفة للوعي السياسي، والمبني على أضغاث أحلام ليس لها أية علاقة بالواقع المرغوب عراقياً، إنْ لم نقل أنه يستهدف إدخال الدب الغربي ـ الصهيوني إلى حقول خيراتنا.

الغرب الاِستعمار والاِمبريالي الذي له قوانينه الداخلية الصارمة، وشروطه التكوينية المبنية على الاِستغلال الفظيع لقارات العالم وشعوبها، رؤيته السياسية الإستراتيجية لن تتحقق إلا بتوفير شروط ديمومته مرفهاً مستقراً على حساب مصالح الشعوب الأخرى وخيراتها، ومنها شعبنا ووطننا...

الغرب التسلطي الإمبريالي العدواني هذا، قد اِتخذ في اللحظة التاريخية الراهنة إستراتيجية التجزئة والتفتيت تجاه كل الأخر على الصعيد العالمي، ومن بينها عمله الدؤوب على تفكيك وحدة وطننا سياسياً، تمزيق اللحمة الوحدوية الوطنية لشعبنا على أرضية مرجعية تكرس الظواهر القبلية والعشائرية ولصالح سلطات المحلات والأزقة... لصالح الزمر المتخلفة والميليشيات المنفلتة العقال... والقتل على الهوية، لأن ديمومة أرباح الشركات الأجنبية، إضافة إلى العوامل السياسية التي يتطلبها وجود وتطور واِستمرار تسيد الكيان الصهيوني على أمتنا، وتحقيق كل ذلك يقتضي تنفيذ مخطط التفتيت والتجزئة والتخلي عن الطموحات الوطنية والقومية.        

 

(4)

الحلقة الرابعة من الذاكرة

توطئة

ظواهر ملفتة للنظر

إنَّ الثقافة الوطنية الحقيقية، والوعي بالعلوم السياسة وإدراك مفاهيمها، هي التجلي الأرفع للثقافة. والشعور بالمسؤولية الوطنية تفرض على كل فرد وطني ينتمي للعراق فعلاً عمليا لا قولاً زائفاً يبحث عن الذهب الأصفر عند الأعداء، اِتخاذ موقف سياسي واضح يعبر عن مصداقية هذه الثقافة ويبرهن على هذا الشعور، ولو كان ذلك على أسنة الفقر ورماح القمع، والمصداقية تكمن في راهنية الاِنحياز للوطن، والاِلتزام في كل ظرف وتحت وطأة أي مناخ سياسي بمصالحه السياسية، بديمومته موحداً، بأفق يتضمن العمل على تماسك لحمة المجتمع الذي يعيش بين جوانح هذا الوطن، كي يصبح ـ عند ذاك ـ الحديث عن التماهي بينهما تماهياً حقيقياً مع الوطن والشعب وينطوي على معنى فكري ومبنى الممارسة اليومية، وليس الاِدعاء، لأن الممارسة هي معيار التقويم حسب اِعتقادنا في العمل السياسي.

إنَّ الموقف السياسي الوطني يتطلب تحديداً واضحاً وتشخيصاً سليماً، ولا يمكن خلط جوهر أية ظاهرة موضوعية، في الزمان والمكان المحددين، بتفاصيل جزئية وقضايا عرضية ومسائل صغيرة وعابرة، لأنَّ معنى ذلك ضياع أنفسنا خلال الممارسة العملية وذواتنا المفكرة، وتخبط رؤيتنا أيضاً، وفقدان البوصلة الهادية لعملنا كذلك. الموقف الوطني يتطلب اِبتعادنا عن المخططات الهادفة تجزئة الوطن وتفتيت وحدة المجتمع، إنَّ الاِلتزام بقضية صـيانة الوطـن وحمايته وتعزيز وجوده وتنمية روافـد عطـاءاته وتخصـيب عوامل قوته... نقول ذلك لحظ بدئنا محاورة أي مواطن عراقي مهتم بأفقه السياسي، أو جهة سياسية عراقية ما، فما هي المهمة الفكرية التي اِسْتبقت أولوياتنا في الاِجتماع السياسي والفكري بغية عرض وجهة نظرنا؟!.

من الظواهر الفكرية الملفتة للنظر، إنَّ الخط السياسي للمعارضة أخذ يتجه منذ آب 1990، وبوتيرة عالية، نحو صيغة الخطاب الإلغائي الشامل... الإستبدالي المطلق، بديلاً عن الخطاب السياسي الذي يتضمن، وينجم عن رؤية تحليلية وثقافية وحضارية للمجتمع وآفاق تطوره المستقبلي وفي سياق خدمته ولصالح صيرورته مجتمعاً مدنياً متكاملاً، تحوله ـ كما هو مفترض ـ إلى خطاب سـياسـي موحد لا مفرق، يسعى إلى التماسك على قاعدة الثراء المعرفي والمساواة في الحقوق والواجبات، وليس خطاباً يندرج في تنفيذ حلقات التشتيت الفكري والتمزيق الاِجتماعي، خطاب سياسي تشاركي لا تجزيئي عمودياً، اِندماجي على قاعدة التكامل والوعي، لا تفتيتي وتجهيلي، خطاب سياسي يبرز ويمتِّن ويغني روحية القواسم الوطنية المشتركة، لا أنْ يلتقط الجزئيات الأثنية والآفات الطائفية مجهرياً ويعرضها تلسكوبياً في سياق خطابي دعائي لصالح الآخرين المعادين العراق: شعب ومجتمع ودولة.

ولذلك، فإنَّ المهمة التي ينبغي على الوطنيين معالجتها موضوعياً وسياسياً تتعلق بمسألة الرؤية الوطنية. نوعية الخطاب الوطني. تتعلق بإنشاء خطاب سياسي وثقافي واضح الأهداف... واضح الوسائل... واضح الأساليب، لكي يكون هذا الخطاب هو المعيار السياسي والفيصل للتقويم ومقياس الاِلتزام... خطاب قوامه مفاهيم سياسية واِجتماعية وفكرية، لا كلمات إِنشائية عائمة فضفاضة، خطاب يستخلص العِبر والدروس ويكرس الصواب وينبذ الأخطاء، خطاب يوحد ويغني ويفيض روحاً وطنياً، لا تتشكل صيغه الفكرية من اِستعارات وشواهد تجريبية مستوردة، سواء أكانت هذه الشواهد والأمثلة غربية أو شرقية: خطاب سياسي نابع من واقع المعاناة اليومية ويستلهم تجربتنا التاريخية، تجربتنا العراقية الوطنية لكي يجد في أرض الواقع إمكانية اِستثنائية وناضجة لاِستنباته واِستزراعه، ونموه حتى يؤتي أكله على مستوى الفرد والمجتمع، خطاب يضع في اِعتباره حقائق التاريخ... تاريخ العراق الحضاري الذي توارفت ظلاله منذ مئات القرون، ويعكس تجربة التاريخ الثقافي والتعدد التكويني والتنوع الفكري منذ أربعة عشر قرناً.

خطاب سياسي وطني حقاً، خطاب ديمقراطي حقاً، يتأسس على معايير تشترك وآراء المجموع العراقي الذي يقدس الوجدان الوطني، وتتملك شعوره وأحاسيسه الكرامة الوطنية، خطاب يسعى لتعميق وإثراء روحية مشتركة، ويساهم في بناء أرضية فكرية تشاركية ومشتركة مع الكل القادر على التغيير نحو الأحسن والأسمى والمتطلع للتغيير نحو الأرقى والأكثر تطوراً وتقدماً... ومعلوم أنَّ أغلب هذا الكل تنتشر صفوفه العريضة، أساساً، في الداخل، داخل الوطن، بمن فيهم مَنْ هم في تركيبة النظام، وفي مؤسساته التكوينية والتنظيمية والسياسية والنقابية والمهنية، بغض النظر عن أسباب اِلتزامه في هذه التركيبة.

خطاب لا يتماهى ورؤية الأجنبي الصليبي ـ الصهيوني ـ بالمعنى الحضاري التاريخي لا الديني ـ على وجه التحديد، ولا يرتهن أو يخضع لمخططاته ويسهل تنفيذ حلقات إستهدافاته السياسية، وما يستتبع ذلك من اِتخاذ الجمهور العريض من مواقف حازمة، لعل أبرزها، إدارة وجهه باِحتقار عميق ونُفرة واسعة عن ظاهرة الاِرتزاق أو العمالة للأجنبي الذي يتسربل بخطاب إنساني مزعوم مستمد من قيم الغرب السياسية ودعواته الماسونية الرجعية: التجزيئية التفتيتية.

إنَّ ظاهرة الاِرتباط برؤى الأجنبي السياسية، والاِرتزاق لأمواله والعمالة لأفعاله التي تتجلى بتسويق دعاويه/دعايته السياسية التي بتنا نتلمسها يومياً، وهي تتبدى في مختلف المقالات والدراسات والتصريحات، ناهيك عن سلوك أبطالها، ليست عبارة وهمية، وليست مجرد شبح باهت أو أضغاث أحلام تتراءى للبعض، بل هي ممارسة ملموسة رقص أبطالها على إيقاع الجريمة البشعة التي اُرتكبَتْ بحق العراق وطناً وشعباً، وما تزال ترتكب، جريمة تبدَّت واضحة وتجسدَّت ملموسة، قوامها القتل والقصف والتجويع والحصار للعراق:  كمؤسسات مختلفة التكوين ومتكاملة العمل، والمجتمع الوطني لجميع أبنائه كلهم... كوطن... كشعب... كدولة.

المهمة النبيلة التي تقع على عاتق الوطنيين مهمة إنجازها، هي إنشاء خطاب سياسي وثقافي كلي الرؤية، شمولي الأبعاد، يستند إلى معطيات ملموسة موثَّقة، وينأى عن كل مفردات الخطاب الأجنبي المضلل، مهما كانت جمله براقة وخلابة، لأنَّ الأمر يتعلق، أساساً، بطابع المرحلة التي يجتازها وطننا العراقي وتجتازها أمتنا العربية، في حين أنَّ الغرب السياسي  الإمبريالي المتسلط  كله قد اِستكمل تطوره على كل الصعُد، وحقق أهداف  اِنطباق تكوينه التاريخي على واقعه الجغرافي، على العكس من وضعنا العربي المجزأ... المستعبد أو المُستغَلْ، بفعل مخططات الغرب الاِستعماري وجراء سياسته الواعية بما ينبغي أنْ يكون عليه الوضع العربي منذ مؤتمر بانرمان البريطاني - الأوروبي  1904 - 1907  واِتفاقية "سايكس – بيكو" في عام 1916 و"وعد بلفور" عام 1917، من جهة، وبفعل القصـور التكوينـي للقيادات العربية، من جهة أخرى، وجرّاء روحية الاِستبداد على الآخر السائدة عند الفرد العربي، من جهة ثالثة، ولكون تخلف البنية الاِجتماعية أبرز سماتها، من جهة رابعة وأخيرة.

خطاب سياسي يتدرع بكل القيم الوطنية العراقية النبيلة ويتوهج بتراث الكفاح الوطني والقومي العربي المضيئين، خطاب سياسي ناضج ومتماسك يفتح أبواب ميادين الحوار الرحيبة، الحوار الديمقراطي المفتوح، الحوار السياسي الشامل على أرضية الإِخلاص للوطن والأمة المستهدفين: غربياً وصهيونياً، خطاب تنطلق مفرداته من الوجدان الوطني واِعتماداً عليه، واِرتكازاً على الأسس المادية التي أفرزت هذا الوجدان وعياً سياسياً ورؤية فكرية، خطاب غير مصفوف على إيقاع العبارات والمفاهيم الأجنبية المزيفة للوعي السياسي، والمبني على أضغاث أحلام ليس لها أية علاقة بالواقع المرغوب عراقياً، إنْ لم نقل أنه يستهدف إدخال الدب الغربي ـ الصهيوني إلى حقول خيراتنا.

الغرب الاِستعمار والإمبريالي الذي له قوانينه الداخلية الصارمة، وشروطه التكوينية المبنية على الاِستغلال الفظيع لقارات العالم وشعوبها، رؤيته السياسية لن تتحقق إلا بتوفير شروط ديمومته مرفهاً مستقراً على حساب مصالح الشعوب الأخرى وخيراتها، ومنها شعبنا ووطننا... الغرب السياسي المؤثر هذا قد اِتخذ في اللحظة التاريخية الراهنة {مرحلة العولمة} إستراتيجية التجزئة والتفتيت على الصعيد العالمي، ومن بينها عمله على تفكيك وحدة وطننا سياسياً، تمزيق اللحمة الوحدوية الوطنية لشعبنا على أرضية مرجعية تكرس الظواهر القبلية والعشائرية ولصالح سلطات المحلات والأزقة... لصالح الزمر المتخلفة والميليشـيات المنفلتة العقال... والقتل على الهوية، لأن ديمومة أرباح الشركات الأجنبية، إضافة إلى العوامل السياسية التي يتطلبها وجود وتطور واِستمرار تسيد الكيان الصهيوني على أمتنا، وكذلك يتطلبها تنفيذ مخطط التفتيت والتجزئة والتخلي عن الطموحات الوطنية والقومية.

أما مخطط التجزئة والتفتيت فهو ـ وبالتأكيد ـ محكوم بمنطق تطور تكوينه الداخلي وسيرورته الموضوعية الذي لا يخضع لإرادة الأفراد والقوى، إذ ما إنْ بدأت عوامل تفاعله تتقد وتشتعل، فإنَّ الحركة الذاتية لتطوره المدمر يأخذ بالتفاقم، بالرغم من إرادة هذه القوى ورغباتها... بالرغم من نوايا الأفراد وتطلعاتهم... ومهما كان خطابهما ينطويان على أحلام  أو أوهام... خاصة وأنَّ هذا الأجنبي: أمريكي، بريطاني، إيراني، تركي، فضلاً عن الرجعيات الخليجية، قد وضعت العراق مهمة تدمير العراق راهناَ ومستقبلاً، أو اِحتوائه سياسياً ضمن أولوية اِهتماماتها.             

يتبع