إنهم لا يريدون الديمقراطية؟!

عوني صادق

قبل أيام بدأت الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة الفلسطينية والتي تستمر حتى السابع من الشهر الجاري، حيث يتوجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع يوم التاسع منه لانتخاب رئيس جديد للسلطة الفلسطينية خلفا للرئيس الراحل ياسر عرفات، وحيث يتنافس سبعة مرشحين على المنصب يأتي في مقدمتهم صاحب الحظ الأوفر بالفوز، مرشح حركة (فتح) رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، محمود عباس (أبو مازن). وفي موازاة هذه العملية كان وسيكون حديث  طويل وطويل سمع وسيسمع في المستقبل، من فلسطينيين و"إسرائيليين" وأميركيين وأوروبيين، عن هذه الديمقراطية، وعن أهمية هذه الانتخابات التي (تؤسس لنظام فلسطيني ديمقراطي).

وبداية يمكن للبعض أن يعتبر انتخاب رئيس جديد للسلطة الفلسطينية في الأراضي المحتلة، خطوة على طريق (دمقرطة) النظام الفلسطيني0 لكنه في الوقت نفسه، يمكن للبعض الآخر أن ينظر إلى هذه الخطوة على أنها خطوة مقطوعة عن سياقها الصحيح، أو حتى أنها (غير شرعية) لأنها تتم تحت حراب الاحتلال. ومن حق جميع الفلسطينيين أن يتساءلوا عن مغزى موافقة السلطات المحتلة على إجراء هذه الانتخابات، وعن معنى الإصرار الأميركي على إجرائها، وما مدى علاقتها بالتسوية التي يخطط لها شارون وبوش. والحقيقة أن المدقق في المسألة، دون أن يغفل الوضع الفلسطيني، لا بد، أن يلحظ أن (تشوشا) يسود الموقفين الفلسطينيين معا.

فبالنسبة لأصحاب الموقف الأول الذين يعتبرون هذه الانتخابات خطوة على طريق (دمقرطة) النظام الفلسطيني، عليهم انطلاقا من اعتباراتهم ذاتها، أن يجيبوا عن سؤال حول ما إذا كان هذا (النظام الفلسطيني) يخص فلسطينيي الأراضي الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال منذ حزيران 1967، أو يخص الشعب الفلسطيني كله في الداخل وفي الشتات0 ذلك لأنه إن كان يخص فلسطينيي الأراضي المحتلة منذ 1967، فهو يعنى أنه ليس من حق هذه السلطة الفلسطينية القادمة، رئيسا وحكومة و مجلسا تشريعيا ( بعد انتخاب مجلس جديد)، أو من اختصاصاتها أن تبت أو حتى أن تتفاوض حول ما يسمى (قضايا الوضع النهائي)0 بمعنى آخر، تفترض الديمقراطية أن يكون اختصاص هذه السلطة الفلسطينية ومؤسساتها (الرئاسة والمجلس التشريعي والحكومة)، في هذه الحالة، تسيير شؤون هذا الجزء من الشعب الفلسطيني الموجود في الأراضي المحتلة0 وهذا ما صرح به السيد فاروق القدومي، الرئيس الجديد لحركة (فتح) ومدير الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية، يوم 13/12/2004 وبعد أن تبوأ موقعه الجديد في الحركة خلفا للرئيس الراحل ياسر عرفات0 وأضاف القدومي، بأن شؤون فلسطينيي الشتات بما في ذلك (حق عودة اللاجئين) تتحدث بها وتقرر فيها منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، وأولها المجلس الوطني الفلسطيني بطبيعة الحال.

ذلك يعنى ببساطة أنه أصبح من الضروري، احتراما لمباديء الديمقراطية، الفصل بين رئاسة السلطة الفلسطينية وبين رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، وإلا فسينشأ (التباس) أو على الأصح تداخل (غير ديمقراطي) في الصلاحيات والاختصاصات، إذا ما فاز محمود عباس في انتخابات الرئاسة وجمع بين المنصبين، لأنه ساعتئذ سيتحدث باسم منظمة التحرير بوصفه رئيسها (وهنا نضع بين قوسين، أن لجنة تنفيذية منتهية الصلاحية هي التي انتخبت محمود عباس رئيسا لها، مع أن صاحب الحق والاختصاص بانتخاب لجنة تنفيذية غير منتهية الصلاحية هو المجلس الوطني الفلسطيني غير المنتهية صلاحيته، علما أن المجلس واللجنة الحاليين منتهيا الصلاحية منذ سنوات)!

هكذا يبدو أن السعي الجاد إلى (دمقرطة النظام الفلسطيني) كان يقتضي أولا العمل على الفصل بين منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، ثم بعد ذلك التأكيد على تحديد صلاحيات السلطة وقصر صلاحيتها على شؤون إدارة الأراضي المحتلة وسكانها0 أما إن كان يراد أن تمثل السلطة كل الشعب الفلسطيني فكان لا بد من إشراك فلسطينيي الشتات في عملية انتخاب رئيس السلطة، كما كان لا بد من تأجيل ذلك لما بعد انتخاب مجلس وطني جديد ينتخب لجنة تنفيذية جديدة تنتخب لنفسها رئيسا جديدا.

إن النظام الديمقراطي بناء متكامل، كل لا يتجزأ، فلا نستطيع أن ننتخب رئيسا ونترك كل شيء على حاله ثم نقول أصبحنا ديمقراطيين ولتحيا الديمقراطية! هكذا لن يتحول (النظام الفلسطيني) إلى نظام ديمقراطي. وحجة (الوقت غير ملائم) أو (الظروف لا تسمح) لا تنفع ولا تصلح مبررا لخروق جوهرية للأسس الديمقراطية في وقت يعلن فيه الجميع أنهم يريدون  تطبيق الديمقراطية.

أما بالنسبة لأصحاب الموقف الثاني، الذين يرون في انتخابات الرئاسة خطوة غيرشرعية، أو لا تؤدي إلى الديمقراطية المنشودة، فهم لا يقلون تشوشا عن زملائهم أصحاب الموقف الأول، مع فارق مهم هو أن زملاءهم، يملكون في أيديهم كل امتيازات  السلطة بل هم يملكون عمليا كل السلطة. ذلك لأنهم، أي أصحاب الموقف الثاني، وإن كان بعضهم يطالب بفصل رئاسة منظمة التحرير عن رئاسة السلطة وبتفعيل مؤسسات منظمة التحرير (الجبهة الشعبية)، وبعضهم طالب بإجراء الانتخابات التشريعية في الأراضي المحتلة أولا (حماس والجهاد)، إلا أن تعاملهم جميعا مع (الوضع القائم) بشكل جزئي يتيح الفرصة لإضفاء الشرعية على ما يعتبرونه (غير شرعي)، ويقصي في الوقت نفسه جهدهم الخاص من أجل تصويب المسار،كما يقولون.

هنا يطرح السؤال المركزي نفسه: هل رموز السلطة الفلسطينية، بإجرائها الانتخابات الرئاسية، تريد تطبيق الديمقراطية؟ وهل الفصائل الفلسطينية المعارضة تنسجم مع ما تعلنه من مفاهيم ومطالب حول الديمقراطية؟ وأخيرا هل يهم حكومة شارون أو إدارة بوش أن يكون هناك (نظام فلسطيني ديمقراطي)؟

من المؤكد أن شارون وبوش لا يريدان للشعب الفلسطيني أن يمارس حياة ديمقراطية حقيقية، بل ولا يهمهما هذا الأمر بتاتا، وكل ما يرايدانه من الديمقراطية هو سلطة فلسطينية ورئيسا لهذه السلطة يخضعان لشروطهما ومطالبهما ليقال فيما بعد أن سلطة منتخبة ورئيسا منتخبا وافقا على تلك الشروط والمطالب. وإذا لم تفعل هذه السلطة ولم يفعل هذا الرئيس ما يريدان فستتحول السلطة إلى (سلطة فاسدة) وسيتحول رئيسها إلى (شخص غير ذي صلة)0 ألم يستقبل الرئيس الراحل ياسر عرفات استقبال أفضل الديمقراطيين في البيت الأبيض في حكم الرئيس الأميركي بيل كلينتون يوم التوقيع على اتفاق أوسلو؟  ألم يمنح هذا (الإرهابي) القديم الذي عاد إلى (الإرهاب) بعد أن رفض عرض باراك-كلينتون، جائزة نوبل للسلام أيام كانت حكومة اسحق رابين وإدارة كلينتون راضيتين عنه؟!

إذن "فالإسرئيليون" والأميركيون والأوروبيون المتحمسون لا يهمهم تحويل الفلسطينيين إلى ديمقراطيين، بل هم يسعون إلى انتخابات (ديمقراطية) كتلك التي يعدون لإجرائها في العراق، ورئيسا (ديمقراطيا) مثل الذي نصبوه في أفغانستان! أما الفلسطينيون المشاركون في الانتخابات الرئاسية من موقع السلطة، فإنهم يريدون المحافظة على ما في أيديهم، والذين يشاركون فيها من موقع المعارضة، بشكل أو بآخر، يريدون الحصول على حصة في الكعكة، وكلهم يعلمون أن اللعبة التي يلعبونها ناقصة ومشوهة.. والنتيجة أن لا أحد منهم يريد  الديمقراطية.

نعم.. إنهم لا يريدون الديمقراطية!!