وعد بوش الجديد
عبد الوهاب المسيري
في المؤتمر الصحفي الذي عُقد في واشنطن يوم 14 أبريل 2004، كشف شارون وبوش عن رسائل متبادلة بينهما قبل وصول شارون إلى البيت الأبيض تضمنت تقديم وعود وضمانات أميركية لتنفيذ خطة شارون بالانسحاب من قطاع غزة. وقد خلصت تصريحات بوش إلى صياغة رؤية جديدة إلى الإدارة الأميركية تتجاوز كل الخطوط الحمراء التي وضعتها لنفسها الإدارات الأميركية السابقة، كما تتجاوز قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية، وبذلك وضع أسساً جديدة للإدارة الأميركية تتعامل من خلالها مع الصراع العربي الإسرائيلي، ويمكن تلخيص هذه الأسس فيما يلي:
1 - ضرورة تخلي اللاجئين الفلسطينيين عن حق العودة إلى أراضي عام 1948، التي أُقيمت عليها "دولة إسرائيل"، ويمكن توطينهم في دولة فلسطين (أي الضفة الغربية وغزة) وليس داخل "إسرائيل".
2 - لإسرائيل الحق في الاحتفاظ ببعض "المستوطنات" (المستعمرات) في الضفة الغربية، حفاظاً على أمنها واستقرارها وحلاً لإشكاليات ديموغرافية في "إسرائيل".
3 - من غير الواقعي توقع اتفاق سلام نهائي بانسحاب "إسرائيل" إلى حدود ما قبل 5 يونيو1967، على اعتبار أن هذه الحدود ليست مقدسة ومن ثم يمكن تجاوزها.
4 - المنطقة التي منحها بوش للاستيطان "الإسرائيلي" تشمل القدس الكبرى وتحيط بالمدينة المقدسة من كل جانب.
5 - الالتزام الأميركي بسلامة الدولة اليهودية وبقائها واستمرارها، أي أن بوش أكد يهودية الدولة الصهيونية وأن شرعيتها تستند إلى يهوديتها، مما يعني قبول الفكرة الصهيونية القائلة بأن حقوق اليهود المطلقة في فلسطين تحجب وتهمش حقوق الفلسطينيين.
6 - الموافقة الأميركية على إقامة الجدار العازل باعتباره جداراً سياسياً وأمنياً في ذات الوقت.
7 - ضرورة الاعتراف الفلسطيني والعربي بالأمر الواقع استناداً إلى تغير الظروف على الأرض، وضرورة أن يخضع الحل النهائي للقضية الفلسطينية للتراضي بين الطرفين بعيداً عن ادعاءات الحق والشرعية.
8 - قيام الدولة الفلسطينية مرهون بنجاح السلطة الفلسطينية في القضاء على "الإرهاب" وتفكيك بنيانه حفاظاً على أمن واستقرار "إسرائيل"، وهو ما يعني تخلي إدارة بوش عن وعدها بإقامة الدولة الفلسطينية في عام 2005م!
وقد تخطت هذه الأسس كل الخطوط الحمراء، كما سبق القول، وذلك للأسباب التالية:
1 - من المعروف أن قرار قبول إسرائيل في الأمم المتحدة في مايو 1949 مرتبط بتنفيذها لقرار الأمم المتحدة الصادر في 11 ديسمبر 1948، والذي يقضي بالسماح في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم بأن يعودوا إليها، مع دفع تعويضات عن ممتلكات الذين لا يختارون العودة أو عن الأضرار التي لحقت بهم. والمعروف أن حق العودة غير قابل للتصرف طبقاً للقانون الدولي.
2 - في تصريحاته قال بوش إنه في ضوء ما سماه "الحقائق الجديدة" على الأرض، بما في ذلك المراكز السكانية "الإسرائيلية" الكبرى، فليس من الواقعي أن تؤدي مفاوضات الحل النهائي إلى عودة كاملة لخطوط هدنة عام 1948.
ومن خلال هذا الخطاب المراوغ يشير بوش إلى المستوطنات الاستعمارية في الضفة الغربية من طرف خفي، ويرى استحالة فكها، مما يعني تجاوز إحدى الخطوط الحمراء التي التزمت بها الإدارات الأميركية السابقة كما كفلها القانون الدولي. فقرارا مجلس الأمن رقما 242 و338 يقران بحدود 1967 وبأن الوجود "الإسرائيلي" في أراضي ما بعد يونيو 1967 هو سلطة احتلال، كما يقر القانون الدولي بأن الاحتلال وجود مؤقت وليس دائماً وأن إقامة مستوطنات في الأراضي المحتلة أمر غير شرعي.
3 - ثمة تقبل أميركي كامل للمنطق "الإسرائيلي" الخاص "بخلق حقائق جديدة على الأرض" من خلال القوة العسكرية، ثم ضمان بقائها واستمرارها من خلال مزيد من القوة، ففي الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بنزع الأشجار وتجريف الأراضي وهدم المنازل وقتل الأطفال واغتيال القيادات السياسية الفلسطينية وهدم البنية التحتية للسلطة الفلسطينية، يطرح بوش رؤيته انطلاقاً من الحقائق الجديدة التي فرضها الاحتلال الصهيوني، مما يؤكد القبول الكامل للإرهاب المؤسس الصهيوني.
4 - التخلي عن صيغة "الأرض مقابل السلام" لتحل محلها صيغة "التفاوض مقابل التجميد التام للإرهاب". وقد علق فايسجلاس، مستشار شارون، على ذلك بقوله: "عندما تحدث شارون قبل 6 سنوات عن أننا لن نتفاوض أبداً في ظل إطلاق النار، أثار موجات من الضحك واعتُبرت كلماته شعارات مغرورة لشخص بعيد عن الواقع. أما اليوم فقد أصبح رئيس الولايات المتحدة نفسه يسير على هذا المبدأ" (صحيفة هآرتس 18 أكتوبر 2004).
وهذه الأسس الجديدة للسياسة الخارجية الأميركية من شأنها أن تفقد الولايات المتحدة دورها المزعوم كوسيط محايد نزيه، ومن ثم، فالرهان على هذا الدور مرة أخرى هو رهان العاجزين.
وهنا يطرح السؤال نفسه: ما الذي دفع بوش لتجاوز كل هذه الخطوط الحمراء مرة واحدة دون اكتراث بالرأي العام العالمي والأوربي والعربي؟ للإجابة على هذا السؤال يمكن طرح الأسباب التالية:
1 - بُنيت السياسة الأميركية في الشرق الأوسط على أساسين، أولهما الحفاظ على وضع التجزئة والتعامل مع كل بلد عربي على حدة وليس باعتباره جزءاً من كتلة اقتصادية حضارية واحدة، ولهذا أصرت إسرائيل ألا يتم التفاوض بينها وبين الدول العربية مجتمعة، بل أن تتفاوض مع كل دولة على حدة، وهو ما تحقق في كامب ديفيد، وهذا يعني في واقع الأمر إسقاط البعد العربي تماماً. أما الثاني فهو أن الوضع الأمثل للولايات المتحدة في العالم العربي هو ما سمي Controlled Imbalance أو "عدم التوازن المنضبط"، أي أن تكون هناك حالة عدم استقرار دائمة ولكن يمكن التحكم فيها، إما بتصعيدها أو تهدئتها أملاً في فرض الهيمنة الكاملة، وما غزو العراق ومحاولة تطويق العالم العربي استراتيجياً من داخله وخارجه بسلسلة من القواعد العسكرية. والحديث عن "الإصلاح السياسي" إلا جزء من هذه السياسة الجديدة.
2 - لم تعد الولايات المتحدة تخشى من تأثر مصالحها بسبب انحيازها إلى إسرائيل، ذلك أن رد الفعل العربى يأتي دائماً باهتاً ويقتصر على مجرد إلقاء بيانات الاعتراض، وليس حتى الإدانة، بعد أن تأكد الخضوع العربي الرسمي للولايات المتحدة عسكرياً واقتصادياً.
3 - ترى الولايات المتحدة أن إسرائيل هي أداتها في الشرق الأوسط، ومن هنا دعمها الاقتصادي والسياسي والعسكري لها، وتحالفها الاستراتيجي معها. وقد باءت بالفشل محاولة بعض الدول العربية أن تطرح نفسها بديلا لإسرائيل، كأداة للهيمنة الأمريكية، لأسباب عديدة من أهمها أن الولايات المتحدة تعرف أن النظم الموالية لها في العالم العربي مهددة دائماً بالسقوط أمام الغضب الجماهيري العربي.
وقد وُصفت تصريحات بوش بأنها "وعد بلفور جديد" وهو وصف دقيق، حيث يضع تصريحات بوش في إطارها الاستعماري الغربي الأوسع.