تقديم التنازلات للغرب بئر لا قاع له (روسيا كمثال)
د. ثائر دوري/سورية
لن أتحدث في هذه المقالة عما قدمته وتقدمه إيران من تنازلات للغرب، بدءاً من تسهيلها للعدوان الأمريكي على أفغانستان، وقبلها البدء باستعمال مفردات التطرف والإرهاب، كما تمت صياغتها في المطبخ الأمريكي مع أنهم أول من اخترع مصطلحات من نمط ((الشيطان الأكبر)) أيام الأزمنة الثورية قبل أن يستبدلها خاتمي بمفردات من نمط: حوار الحضارات، والانفتاح ......الخ من المفردات التي تذكر بسيء الذكر غورباتشوف، وصولاً إلى سياسة التنازلات في الملف النووي، التي يبدو أنه لا نهاية لها إلا بتفكيك البرنامج كاملا ومعه تفكيك الدولة إلى قطع صغيرة. ونذكر هنا في سياق التنازلات استعداد السيد خاتمي لإنقاذ أمريكا في العراق، كما صرح بعظمة لسانه، وأخيراً وليس بآخر تأتي المشاركة في مؤتمر شرم الشيخ، الذي صدر بيانه الختامي قبل أسبوع من انعقاده!!! فاقتصرت مهمة الوفود الحاضرة فيه على التقاط الصور مع الابتسام ((ابتسم الجميع كي تطلع الصورة حلوة)) ليذهبوا بعدها إلى بلادهم و يعلنوا أن الأمور تمام.
وبالطبع إن الأمور بالنسبة لحكامنا لا تكون على ما يرام إلا إذا رضيت عنهم أمريكا. أما إن غضبت فهم يحسبون كل الناس غضابا..........
لن نتحدث عن كل ذلك بل سنذهب إلى درس نموذجي آخر يجب أن يتم تدريسه لكل طلاب المدارس، ويجب أن يكون عنوانه:
- من يهن يسهل الهوان عليه.
الدرس هذه المرة من أوكرانيا أو أكريينا، وهو درس عن الروس وللروس كي يعوه إن بقي بقيصرهم قليل من الفهم ليعيه، وقليل من الحيل ليرد عليه على أرض الواقع بدل أن يهدد ويعربد بأسلحة نووية جديدة لم تفد الاتحاد السوفيتي بشيء على أرض الواقع. وإليكم نص الدرس:
عندما جاء غورباتشوف إلى سدة الحكم أقنعه بعض مستشاريه أن المصالحة مع الغرب هي الطريق الوحيد لحل مشاكل روسيا الاقتصادية والسياسية. بمعنى أنه يتوجب على الاتحاد السوفيتي أن ينضم إلى شلة اللصوص المسماة ((السبعة الكبار)) لعل وعسى يحصل على حصة من نهب العالم الثالث يحل بها مشاكله الاقتصادية.......!!
- لكن الغرب لن يقبل بروسيا بخطابها الإيديولوجي وبمناصرتها للعالم الثالث.
قال لهم غورباتشوف.
فأتوه بالحل سريعاً تخل عن العالم الثالث وسنحل كل مشاكلك.
فعل كل ما أرادوا فتخلى عن دعم حركات التحرر في العالم الثالث وتخلى عن الخطاب الثوري وحل مكانه خطاب السلام ومفرداته من حب ومساواة وإخاء (تذكروا خطاب خاتمي). وجاء يومها وزير خارجيته شفرنادزه إلى منطقتنا ليعلمنا أصول التحضر. فقال إن إطلاق صفة عدو على الكيان الصهيوني لم يعد مناسباً للعصر ويدل على همجية وأصولية إلى آخر ما هنالك من مفردات.........
استلمت أمريكا نيكاراغوا في سياق تخلي الاتحاد السوفيتي عن "العالم الثالث"، وحاولت استلام كوبا إلا إن وعي كاسترو الثوري منعه من الانسياق وراء التعابير الرنانة الطنانة لغورباتشوف عن الشفافية والتعايش السلمي وإعادة البناء........الخ (تذكروا خاتمي). فقال مخاطباً مواطنيه بكلمات أشبه بالنبوءة، وأثبت مسار الأحداث لاحقاً صحتها. قال:
- علينا أن نعد أنفسنا ليوم لا يكون فيه الاتحاد السوفيتي موجوداً.
استلم الغرب كل ممتلكات الاتحاد السوفيتي في "العالم الثالث". لكن مشاكل الأخير تفاقمت، ولم يمد الغرب يد المساعدة، فلم يعتمدوه كشريك في نهب "العالم الثالث" كما كان غورباتشوف يمني النفس. وهنا جاء دور المستشارين من جديد. قالوا له: اترك ألمانيا الشرقية لأن وجودنا العسكري هناك، وحالة التوتر بين شطري ألمانيا، وخطاب هونيكر المتطرف هو ما يعيق اندماجنا في الغرب. وفعل غورباتشوف ما أشار به المستشارون، فسحب دعمه لهونيكر فانهار نظامه، ثم سحب دعمه لألمانيا الشرقية فابتلعتها ألمانيا الغربية ولم ينس الغرب أن يعطيه حبة (فاليوم) لينام قرير العين. فوعدوه أن جيوش الأطلسي لن تدخل أراضي ألمانيا الشرقية، ولن يكون بها قواعد عسكرية.
تفاقمت مشاكل غورباتشوف من جديد فنصحوه بالتخلي عن أوروبا الشرقية لأن وجود كتلتين هو سبب استمرار مناخ الحرب الباردة. فدفنوا "حلف وارسو" واتفاقية التعاون الاقتصادي. انفرط عقد دول أوروبا الشرقية وانسحبت جيوش الاتحاد السوفيتي بالتدريج إلى حدودها. ولم ينس الغرب أن يهدأ ضمير غورباتشوف الاستراتيجي بحبة (الفاليوم) نفسها فوعدوه أن لا يضموا أياً من هذه الدول إلى "حلف شمال الأطلسي".
ومن جديد تفاقمت المشاكل فكانت جمهوريات البلطيق هي الثمن. فقط امنح هذه الجمهوريات استقلالها وبعدها ستكون علاقاتك والغرب سمناً على عسل، ولن ندخل هذه الجمهوريات في "حلف شمال الأطلسي". وكان ذلك، فانفصلت هذه الجمهوريات وأدى ذلك إلى تراجع استراتيجي خطير للاتحاد السوفيتي، الذي لم يلبث أن توفاه الله على يد مستشاري يلتسين، الذين قالوا له لن يحل مشاكل روسيا سوى تخليها عن جمهوريات الاتحاد السوفيتي التي لا نستفيد منها اقتصادياً. بل على العكس نحن نمدها بالنفط بأسعار رخصة فإذا بعنا هذا النفط بالسوق العالمية عندها سنحل كل مشاكلنا، كما أن الغرب الذي لديه حساسية شديدة من كلمة ((السوفييت)) سيتعاطف معنا ويساعدنا لأننا دفنا عدوه اللدود. وكان ذلك فأعلن يلتسين وفاة الاتحاد السوفيتي. وما حدث بعد ذلك صار معروفاً فقد وصل الأطلسي إلى حدود روسيا، بعد أن توغل في ألمانيا الشرقية بل في دول الاتحاد السوفيتي السابق فالقواعد الأمريكية استقرت في آسيا الوسطى وفي جورجيا. وأضاعت روسيا هيبتها كقوة عظمى وصارت ملطشة للصغير والكبير.........
بقي لروسيا بعض النفوذ في المجال السلافي، لكن الغرب لن يتركه لها فانتزع يوغسلافيا من منطقة النفوذ هذه فبقيت أوكرانيا وروسيا البيضاء مع روسيا ضمن مجال سلافي واحد لم يفترق عن بعضه منذ أكثر من ألف عام. والآن جاء دوره. يجب فك هذا الاتصال. بعد يوغسلافيا جاء دور أوكرانيا وبنفس الطريقة اليوغسلافية وتحت نفس الشعارات (انتخابات مزورة، حرية، ديمقراطية، رخاء، اقتصاد السوق، كتل بشرية تنزل إلى الشوارع بمظاهرات ممولة جيدا من الخارج...........الخ).
وبالطبع سيكون بين مستشاري بوتين من يقنعه ببيع أوكرانيا، كما أقنعوا يلتسين ببيع يوغسلافيا، وكما أقنعوا غورباتشوف بيع العالم الثالث وأوروبا الشرقية ودول البلطيق. ولن يعدموا الحجج سيقولون تخل عن أوكرانيا وستكون العلاقات مع الغرب جيدة جداً.. إلى آخر خ ما هنالك من حجج يسوقونها مرة في سبيل رغيف العيش وأخرى بدعوى الواقعية وأن العين لا تقاوم المخرز.
لكن هل سيكتفي الغرب بتنازل روسيا عن أوكرانيا؟ أبداً فالوحش الرأسمالي الغربي لا يشبع وكلما تنازلت طالبك بالمزيد. حتى تتحقق رؤية بريجنسكي عن ثلاث روسيات، واحدة أوروبية، والأخرى آسيوية، والثالثة سيبرية. لأن روسيا بوضعها الراهن كبيرة جداً......!! حسب بريجنسكي..
إن الهوان الذي تعيشه روسيا يستحقق أن يدّرس في المدارس، ويستحق أن يتلا على مسامع القادة العرب الذين شاركوا في قمة شرم الشيخ صباح مساء لتذكيرهم أنه لا حدود لطلبات الأمريكان فكلما لبيت لهم أمراً طالبوك بآخر إلى ما لا نهاية. وإن مستشاري السوء الذين يشيرون بأن نتنازل بهذا الأمر كي ندرأ العاصفة، وإن تلبية هذا الطلب لأمريكا سيكون نهاية المطاف وبعدها يحل الحب والوئام مع الإدارة الأمريكية، إن هؤلاء المستشارين يكذبون ولمن لديه أدنى شك فليقرأ الدرس الروسي لاسيما أنه ما زال ملتهباً على شاشات التلفزة ولم يغلفه النسيان بعد كي لا يتعلل المستشارون بضعف الذاكرة.