وإذا الفلوجة سُئِلتْ بأي جناية قُصِفتْ؟ (7)

باقر الصراف/كاتب من العراق مقيم في هولندا

لا شك أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية هي الأوعى بمصالحها في هذا القرن، فهي التي أعدّت وسائل التفوق ورسمت خطط أساليب النصر منذ نهاية الربع الأخير من القرن المنصرم على كل منافسيها أو مَنْ يُحتمل أنْ يكون منافساً لها، فشكلت قياداتها العسـكرية التي تخضع لإدارة مركزية واحدة، فكان من بينها القيادة العسكرية الداخلية، وهناك قيادتان لمنطقة الأطلسي الشمالي والأطلسي الجنوبي، والقيادة العسكرية لمنطقة الباسفيكي كلها، بما فيها المحيطين الهادي والهندي، وهناك القيادة المركزية التي من بين مهماتها معالجة شؤون السيطرة على النفط في المنطقة العربية وجوارها، وكان تصور هجوم عسكري على أحد أهم مصالحها يستدعي الرد العسكري الشامل، وهو المبدأ الرابع والمبدأ الخامس ضمن مباديء ستة تقتضي من الحكومة الأمريكية تطبيق سياسة التدخل في شؤون المنطقة ((هجوم تشنّه دول إقليمية مصنفة بأنها ((راديكالية)) على دول منتجة للنفط مصنفة بأنها ((صديقة)) واِنقلابات ثورية قد تطيح بأنظمة صديقة في المنطقة وتحمل في طياتها خطراً داهماً على إِنتاج النفط أو شحنه))، [راجع مروان بحيري في كتيب النفط العربي والتهديدات الأمريكية بالتدخل، مؤسسة دراسات فلسطينية، ط 1 1980، ص 6].

      وأمريكا بدورها كانت تمتلك ((تصوراً علمياً لهيمنها الشاملة، الاِقتصادية والسياسية والعسكرية)) والأداة المناط بها ترجمة هذا التصور هي القوات العسكرية الأمريكية التي ((يتم تحديدها بناءً على تصورات خاصة بالطبيعة السياسية للتهديد، وهي تصورات تختلف من منطقة إلى أخرى))، [راجع كتاب العلاقات العربية ـ التركية : حوار مستقبلي، ندوة توفر على تأليفها مجموعة باحثين، إصدار مركز دراسات الوحدة العربية، لبنان / بيروت، الطبعة الأولى : كانون الثاني / يناير 1995، والاِستشهاد مقتطع من بحثٍ للدكتور سمير أمين والمعنون تعقيب 2، والبحث الفكري الرصين يكتسي أهميته من كونه يسلط الأضواء على الرؤية الكلية لتشكُل نظام العولمة الأمريكي وكيفية صعوده وأهمية الوعي التاريخي عند قياداته، وقد اِستغرق ذلك البحث الصفحات بين 490 ـ 513،  ص 492] وهذا التصور الشامل والمسبق يكثف هذا الوعي الكلي بالمصالح.

وهي الأقوى بعد اِنهيار القوة المنافسة التي كانت يمثلها النظام في الاِتحاد السوفييتي ((السابق))، فقد وظَفَّت كل المنجزات التكنولوجية، وعلى شتى الصعد، في سـياق منظومتها العسـكرية، ومخابراتها المركزية : السي آي أي، وأجهزتها الإِستخبارية والدبلوماسية، وبنت جيشاً قوياً متطوراً ملأته بالكفاءات البشرية ومنجزات أسلحة الدمار الشامل، فضلاً عن الأجيال المتطورة من الأسلحة التقليدية، وفوق ذلك يعتقد قادتها انهُ لابد َلأمريكا من ((تحقيق أمنها ومصالحها العالمية)) والذي يتطلب بالضرورة ((أنْ تتفوق على كل القوى الدولية الأخرى مجتمعة، وأن تكون لها غلبة في تكنولوجيا السلاح لا يلحق بها طرف، وبما أنَّ السلاح النووي الذي ((طلع فجره)) على هيروشيما ونجازاكي هو سلاح الردع النهائي، فإنَّ الولايات المتحدة يجب أن تحتفظ في ترسانتها بمخزون منه لا يسبقها فيه أحد)). [راجع كتاب محمد حسنين هيكل المعنون الإمبراطورية الأمريكية والإغارة على العراق، دار الشروق، ط2 ديسمبر/كانون الأول 1003، ص 309 ].

والأغنى بعد اِستحواذ شركاتها على النصيب الأوفر والأكبر من حصة الاِقتصاد العالمي في مرحلة نظامها المتعولم ((وهنا فإنَّ نظرة سريعة إلى مواقع المال (فيما يتصل بموضوع القرار الأمريكي الراهن والمؤثرات الواقعة عله) ـ لابد لها أنْ تتوقف أمام الشركات الأمريكية العملاقة، وحجم مبيعاتها الذي يمثل 35% من الناتج العالمي)) والأمثلة الملموسة على ذلك الأغنى هو التالي : (( * ـ أنَّ مبيعات خمس شركات أمريكية هي (جنرال موترز ـ ووال مارث ـ وإكسون موبيل ـ وفورد ـ وديملر كرايسلر) تتجاوز الناتج القومي لـ182 دولة في العالم. * ـ أنَّ دخل شركة ((إكسون)) للبترول يفوق دخل دول ((الأوابك)) (مجموعة الدول العربية المصدرة للبترول) مجتمعة !. * ـ وأنَّ شركة ((جنرال موترز)) أكبر من الدانمرك، وأنَّ شركة ((ديملر كرايسلر)) أكبر من بولندا، وأنَّ شركة ((بيكتل)) للمقاولات أكبر من أسبانيا، وأنَّ شركة ((شل)) أكبر من فنزويلا وأنَّ شركة سوني أكبر من باكستان)). [هيكل، ص 273 ـ 274] .

لذا كان النصر العسكري الأمريكي على العراق أمراً مفروغاً منه، على ضوء نسبة القوى المادية بين الطرفين المتصارعين، ومَنْ كان يزعم غير ذلك، أو يجعله مقياساً، لتقييم التطورات والأحداث والنتائج، بغية تحميل الدولة العراقية أسباب تلك الحرب التي جرت وقائعها في الثلث الأول من العام 2003، لا يدرك أبعاد الصراع الكلي والشامل بين نظام العولمة الأمريكي، من ناحية، والدولة العراقية، من ناحية ثانية، من وجهة نظري الفكرية والسياسية، وذلك في أحسن الأحوال وأكثرها على صعيد الظن الحسن، أما المشبوهون والجواسيس فلا شأن لنا بآرائهم لأنهم ينطقون بحسابات غيرهم : السياسية وربما الفكرية.

ولإدراك هذه ((الحقيقة)) علينا مراجعة ما أفرزه الوعي السياسي الأمريكي بطبيعة هذه الحقيقة التي أجملها القول التالي : ((إنَّ الميزة الكبرى لغزو (للعراق) هي اليقين التقريبي لنتيجته... فإذا كان للولايات المتحدة أنْ تشّن حرباً شاملة ضد العـراق، يمكننا على ثقة عالية بالنصر))، [راجع كتاب العراق : الغزو - الاحتلال - المقاومة، شهادات من خارج الوطن العربي، لبنان ـ بيروت، إصدار مركز الوحدة العربية، الطبعة الأولى كانون الأول / ديسمبر، 2003، روبرت فيسك، في مقالته المعنونة : هؤلاء الذين يؤيدون الحرب، ص 15]،  وأنّ  ذلك النصر سيعد ((مكسباً هائلاً للسياسة الخارجية الأمريكية))، ومن شأن هذا النصر أيضاً ((أنْ تقطع ((الرابطة)) بين مسألة العراق والصراع العربي ـ الإسرائيلي))، [المصدر السابق، ص 16]، وفوق ذلك يمكننا التمعن بالمعلومات التالية بغية الاِستخلاص ما يمكن اٍِستخلاصه على هذا الصعيد.                                                                                                                                                                                                                                                           

تقول المعلومات إنَّ ((شركة هاليبرتون لمقاولات النفط بدأت قبل أكثر من عام قبل حرب العراق، ترتب وتتعاقد مع آخرين على عقود لإعادة إصلاح وتحديث مرافق النفط العراقي في حدود 7 ـ 8 مليارات دولار!، وبعدها فإنَّ شركة ((إكسون)) هي التي بدأت تضع يدها على عمليات اِستغلال النفط العراقي وتخطط لإنتاج يصل إلى 7 أو 8 ملايين برميل يومياً، كما أنَّ شركة بيكتل هي التي حصلت على أهم عقود الإِعمار بعد الحرب، مستعينة باِثنين وعشرين ألف شركة للمقاولات دعتها للعمل معها من الباطن!)). [راجع محمد حسنين هيكل، مصدر سبق ذكره، ص 274].                

وعليه كانت الحرب النظامية وسيلة الأمريكيين لقطف نتائج ما كانوا يخططون له، وقد تمكنوا من توظيف الحركة السياسية لكل الأنظمة التابعة لهم على الصعيد العربي، وجعلها ـ من حيث النتائج الفعلية ـ أحد أدوات حركتهم الإستراتيجية ضد العراق، فهل كان العراق واعياً بذلك المخطط الكوني ضد العراق ؟ نعم، كما يبدو من التطورات اللاحقة، فماذا كان عليه أنْ يفعل ؟.

أما الاِستسلام السياسي من دون حرب وتسليم العراق كله للأمريكيين، أو الإعداد المسبق لاِحتمالات تطور وقائع الحرب بالاِعتماد على ما يمتلكه من أدوات وقوى مرئية وكامنة، إنَّ التساؤل الذي طرحه الرئيس العراقي على المبعوث الروسي يفيجيني بريماكوف : ((هل لديكم تأكيد بأنَّ الأمريكان لن يحتلوا العراق إذا أنا اِستمعت إلى كلامك)) بمغادرة العراق، من جهة، وتصريح وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيد والقائل ((أنَّ خروج صدام حسين ومَنْ معه لا يعني العدول عن دخول الجيوش الأمريكية إلى العراق واِحتلال أراضيه))، كما ينقل الأستاذ محمد حسنين هيكل ذلك التصريح في كتابه المشهور [الإمبراطورية...، ص 421].

وكان الخيار الثاني هو الذي اِنتهجته الدولة العراقية، قبالة الخطط الأمريكية التي اِستطاعت توظيف بعض العراقيين في خططها العسـكرية التي ينبغي لنا التطرق إليها، لأن الأمر لا يتعلق في الماضي فقط، بل بالحاضر أيضاً، الذي يجري خلاله تصعيد الزعيق الدعائي ضد المقاومة الوطنية العراقية ووصمها بنعوت المفردة العزيزة على قلوب الذين يقودون الدعاية الأمريكية الصهيونية : الغرباء والإرهابيين، كان الاِستعداد العراقي إحدى الخطط التي أُعدت لمواجهة الاِحتمالات المستقبلية على صعيد المواجهة الشاملة مع الغزاة وبدايات ((خطة الصدمة والرعب الأمريكية)).

أما الخطة الأمريكية لاِحتلال العراق فكانت على الشكل التالي من حيث اِعتمادها على الأرض المحيطة بالعراق والبشر ((العراقيين)) التي يمكن اِجتزاء التالي منها بغية إِلقاء الضوء على العناصر التي ساعدت على النصر العسكري الأمريكي على الدولة العراقية في شهر نيسان من العام الماضي [2003] :

- تسع قواعد في منطقة العمليات وحولها، منها سبعة في سبع دول عربية، واِثنتان إِحداهما في تركيا والثانية في جزيرة دييجوجارسيا (يحدد التقرير الأصلي مواقع هذه القواعد في الدول العربية، ولم أشأ أنْ أنقلها في هذا الحديث حتى لا يتصور طرف أنَّ إحراجه مقصود [هكذا يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل، وكأن الإحراج أبهظ ثمناً من الحالة التي آل إليها العراق].

- ست حاملات طائرات تتواجد في المنطقة على أهبة الاِستعداد للاِشتراك في العمليات، تتوزع من الخليج إلى البحر الأحمر إلى المحيط الهندي.

- أربع مناطق حشد للقوات المتقدمة على الأرض من ثلاثة بلدان عربية، واحدة منها تُخَصَّص لتحركات القوات النظامية الأمريكية ـ ومبكراً قبل ساعة الصفر بأسابيع.

- حجم القوات المشاركة في العملية:

* - 7 ـ 8 فرق أمريكية (حوالي مائة وخمسين ألف رجل).

* - 4 ألوية بريطانية (ما بين 35 إلى 40 ألف رجل).

.....................................

* - قوات خاصة غير نظامية  تابعة لفرق عراقية معارضة:

أ - 15000 من قوات الحزب الديمقراطي الكردي (مسعود برزاني).

ب - 10000 من قوات الاِتحاد الوطني الكردستاني (جلال الطالباني).

جـ - 6000 قوات شيعية (تابعة لجماعات معارضة).

د - 5000 قوات تابعة لأحزاب عراقية في المنفى، وقد توجه بعضها للتدريب في معسكر خاص في المجر.  [راجع كتاب الأستاذ هيكل، الإمبراطورية...، مرجع سبق ذكره، ص 374، والمعلومات تلك كانت خاصة، بشأن تصور هيئة الأركان المشتركة للحرب العدوانية على الدولة العراقية ومتطلباتها، قد وردت على الصفحات 373 ـ 375].

صحيح أنَّ المعلومات قد اِحتفظت بسريتها عن أغلب العراقيين، من جهة، وعدم تصديق البعض الآخر لبنودها، جراء اللعلعة الدعائية الكبرى التي تعاون على تنفيذها أجهزة الإعلام الفضائي المنفوطة وذوو الرؤية الطائفية والأثنية المقيتة، إلا أنّ تطور الأحداث وتتابع الفترات الزمنية التي أعقبت العدوان والبحوث التاريخية غير الدعائية، ستكشف للجميع العراقي، والمخلصين منهم على وجه الخصوص، عن الجرائم الخسيسة التي إرتكبها البعض بحق العراق والعراقيين، الذي يعد تدمير الفلوجة : جوامعها وأبنيتها وعمرانها، وإبادة سكانها الأبطال، تجلٍ بارز في لوحة المخطط الأمريكي القذر ضد العراق والعراقيين والعرب : وطن وشعوب، وعموم العالم الإسلامي، إنْ لم نقل التجلي الأبرز فيها.