بوش والعراق وفلسطين.. انتخابات تحوّله (المذهل) وشريكه المقبول!

عبد اللطيف مهنا/كاتب وشاعر من فلسطين يقيم في دمشق

في بلاد العرب بلدان محتلان، هما العراق وفلسطين، مقبلان قريباً وفي مهلة هي أقل من شهرين، على استحقاقين انتخابيين في ظل الاحتلال، سوف يجريان تحت طائلة برامجه وتداعيات سياساته واستهدافاتها، أو كما هو مراد لهما من حيث محاولة رسم المسار المفترض والنتائج المطلوبة. وهذان الاستحقاقان يحظيان كما هو واضح باهتمام رأي عام دولي لم يسبق له نظير. هذا ما نشهده راهناً عبر كل هذا الجدل المثار حولهما في الوسائل والوسائط المعبرة عن هذا الذي نصفه عادة بالرأي العام الدولي، الذي نستدرك لنضعه بين مزدوجين، لأنه مصطلح لا يعني عملياً، أو كما هو العرف في عالمنا الراهن، إلا الغرب بشقيه الأميركي والأوروبي... وهذا الاهتمام بهذين الاستحقاقين، الذي يمكن وصفه بالزائد، يبدو في ظل ما نرى ونسمع وكأنه، وهنا المفارقة، قد غدا مطلباً خارجياً أكثر منه داخلياً... لماذا؟!

نحن هنا لا نتحدث عن مبدأ الانتخابات في سياق تسني حق ممارسة تلك العملية الديمقراطية الحقيقية المنشودة، باعتبار ذلك ظل ويظل حلماً شعبياً لطالما تاقت لممارسته كتلة الأمة المحرومة في أغلبها من تلك النعمة المفقودة، حيث تجمع أغلب نخبها على أن تلك الممارسة هي الخطوة الأولى لإطلاق قدراتها وإمكانياتها وإبداعاتها الحبيسة باتجاه صناعة لبنات مشروعها النهضوي الذي ما زال قسراً في حكم المؤجل، وإنما نتحدث عن مضمون هذين الاستحقاقين اللذين أشرنا لهما في ظل واقع الراهن غير الطبيعي في هذين البلدين المحتلين المعنيين، طبعاً مع الفارق بينهما... واستحقاقات المعادلات الدولية والإقليمية التي أقل ما يقال فيها أنها تعمل ضمناً لصالح أجندة الخارج لا توق الداخل، بل وفق إملاءات ذلك الخارج في الغالب على الأقل.

وعودة إلى السؤال... في الاستحقاق العراقي، القاصي والداني يدرك أنه، ووفق معادلة الاحتلال القائم ومقاومته المتصاعدة هناك، لا تتوفر الظروف الأمنية ولا السياسية المناسبة لانتخابات حقيقية يمارسها شعب بإرادته وحريته، ناهيك أن أغلب شرائح هذا الشعب الرافضة للاحتلال أعلنت عبر القوى والتجمعات والهيئات التي تمثلها مقاطعتها لها، يضاف إلى ذلك أن غالبية الأحزاب والجهات المشاركة في "الحكومة القائمة المؤقتة" والرافعة لراية تلك الانتخابات، أو تلك الأطراف التي تؤيد المسار الانتخابي المزمع في ظل الواقع القائم، قد تنادت هي وهذه الحكومة معها إلى تأجيلها... بيد أنها أو أغلبها تراجعت وعادت إلى التأكيد على خوضها في موعدها المقرر، بعد ساعتين لا أكثر، عندما سمعت وسمع العالم معها رئيس الولايات المتحدة جورج بوش الابن يؤكد على وجوب عقدها في موعدها!... ليعود لاحقاً ليكرر ذلك قائلاً: "نحن متشددون حول استحقاق الثلاثين من كانون الثاني/يناير"!... ومبشراً بأن "نتائج هذه الانتخابات، التي ينقسم العراقيون حولها ما بين رافضين أو طالبين للتأجيل، سوف تترك العالم مذهولاً لما سوف تحققه من تحول"!

لن نناقش طبيعة هذا التحوّل المرغوب، الذي لن يعكس جوهره إن تحقق إلا رؤية الرئيس الذي تحتل جيوشه هذا البلد، إذ يكفي القول هنا أنه من حيث المبدأ لن يكون سوى التحول الذي يريده وينسجم مع أجندته السياسية والاستراتيجية المعروفة... والآن إلى الاستحقاق الثاني، الفلسطيني:

هناك فارق هنا يجب التنويه إليه، وهو أن الاستحقاق الانتخابي الرئاسي في السلطة الفلسطينية يأتي كمستوجب دستوري إثر رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وينسجم بالتالي مع ما يدعى القانون الأساسي الذي تقوم عليه هذه السلطة التي أفرزتها "اتفاقية أوسلو"، والذي ينص على انتخاب رئيس لها خلال مهلة ستين يوماً من شغر المنصب، لكن المسألة ليست هنا وإنما تتعلق بفكرة الانتخابات المطلوبة في عمومها من قبل الآخر المتحمس لها... ولنرى ماذا يقول الرئيس الأميركي نفسه حول ما يتعلق بما نحن بصدده هنا وفي إشارة إليه في آخر تصريحاته، لقد قال إن جوهر حل الصراع العربي الصهيوني في نظره يتمثل في أمرين ويبقى رهن تحقيقهما، وهما قيام ديمقراطية فلسطينية ومن ثم ظهور بالتالي، وعبر هذه الديمقراطية، "شريك حقيقي في السلام مع "إسرائيل"، لأن تحقيق السلام في الأرض المقدسة ليس مجرد مسألة ممارسة ضغوط على جانب أو الآخر بشأن حدود أو موقع مستعمرة "!... وزاد أيضاً فاعتبر "أن تعزيز أمن الولايات المتحدة وحلفائها يأتي عبر مثل هذه الديمقراطية في الشرق الأوسط الواسع"!

إذن المطلوب في هذه الحالة هو نوع من الديمقراطية الفلسطينية المقننة، التي تأتي بشريك فلسطيني يراه الأميركيون، أو بالأحرى "الإسرائيليون"، "شريكاً حقيقياً في السلام"، كما يفهمون هم هذا السلام، أو تحديداً ما ينسجم مع رؤية شارون لهكذا سلام، أو بلغة أخرى شريكاً يرونه مناسباً في تعاملهما مع حقبة فلسطينية يطلقون عليها "ما بعد عرفات"، أو ذاك الأمر الذي يستهوي "الإسرائيليين" تسميته هذه الأيام بلورة تيار جديد في الساحة الفلسطينية تتوفر فيه الشروط الأميركية – الإسرائيلية" للشراكة المقبولة!

أي أن على الانتخابات الفلسطينية، ونؤكد هنا أننا نركز على ذلك من زاوية كونها مطلباً خارجياً، ولا نناقشها من زاوية كونها بشكل عام ومن حيث المبدأ مطلباً داخلياً، أن تفرز شريكاً وفق المواصفات الأميركية – "الإسرائيلية" ومعها أيضاً الأوروبية، وحتى بعض الإقليمية، لمرحلة ما يطلقون عليها "ما بعد عرفات"، وإذا ما عرفنا، أن عرفات أو ما يراد تصويره اليوم بأنه كان "الحائل أو العقبة الوحيدة" ضد تحقيق سلامهم الموعود، لم يكن الاختلاف معه ذات يوم يكمن في شخصه بقدر ما هو فيما يعرف بحده الأدنى المتمسك به، أو في خطوطه الحمر التي يرفض التنازل عنها، أي عدم التفريط في أمرين، هما، حق العودة والقدس عاصمة فلسطين، نرى أن الديمقراطية المنشودة اليوم من قبل هذا الرأي العام الدولي، الذي ترجمناه آنفاً إلى الرأي العام الغربي، هي ما سوف تفرز شريكاً يوافق على التخلي عن هاتين المسألتين اللتين لم يحاصر عرفات أو يغيب سياسياً ثم جسدياً، أو يرفض شريكاً فيما كانت تدعى المسيرة السلمية، إلا من أجل تمسكه بهما.

هنا بالضبط التفسير الذي يعيه حتى بسطاء الفلسطينيين والعرب لتهافت الوفود الوزارية الغربية هذه الأيام على رام الله للبحث في حقبة "ما بعد عرفات"، وهذا السخاء الأوروبي والأميركي، أو كرم المبالغ المرصودة المعلنة من قبل الجهات الموصوفة بالمانحة لدعم سلطة هذا "الما بعد" إن قامت، أو إبداء الرغبة في المساعدة بالخبرة والمراقبة لإنجاز هذه الانتخابات المؤمل أن تأتي بها، آملاً في أن تحقق المرجو منها، وكذلك هذا التلويح المكثف هذه الأيام بجزرة الدولتين الفارغة على ضوء التهويد الجاري من مضمونها، أو العودة لبعث "خارطة الطريق" التي أجهز عليها شارون يوم ولادتها، والتي لم تكن يوم تلك الولادة إلا وسيلة مرتجاة من وسائل عدة كلها تندرج ضمن محاولات القضاء على الانتفاضة، وبهدف إيجاد تغيير يطرأ على البنى السياسية والأمنية في السلطة تؤدي فيما تؤدي إلى شطب عرفات سياسياً، أو معاقبته بإنهائه مع حده الأدنى المتمسك به، وبالتالي الإجهاز على القضية برمتها.

الاستحقاق العراقي الانتخابي سواءً أأنجز "فأذهل العالم" كما رغب وبشّر الرئيس الأميركي، أو تأجل بفعل حقائق الواقع العراقي الذي تحكمه معادلة الاحتلال المرفوض وقانون مقاومته الضرورة، والذي يطبقه ببسالة الدم العراقي راهناً في متسع الخارطة العراقية، فإنه في كلا الحالتين لن يسهم في إخراج الاحتلال من ورطته، أو يساعد على تشريع بقائه المطلوب عبر النتائج المرجوة من هكذا انتخابات، ولن يؤدي إلى إخضاع الشعب العراقي الذي بدأ أسرع مقاومة عرفها التاريخ أتت رداً على احتلال.

...والاستحقاق الفلسطيني، أو هذا المطلوب منه ألا يكرر أنموذج "عرفات المعيق"، فهو على الرغم من بروز منطق يدعو إلى محاولة جر شارون للتفاوض، أو زعم إحراجه ومن ثم إظهاره بمظهر من "لا يملك مشروعاً للسلام"، والإعلان عن توجهات تبدو وكأنها تستجيب لدعوة أو اشتراطات شارون مثل: "منع التحريض"، أو "وجوب وقف المقاومة"، وكذلك كشف (تيري رود لارسن) عن لقاء أوسلوي مزمع، يظل استحقاقاً عاجزاً مهما كانت نتائجه عن الإتيان بمن يتجاوز تلك الخطوط الحمر لذلك "الراحل المعيق" الذي تم تغييبه، فالتسوية قد غدت أكثر صعوبة بعد عرفات وليس العكس كما يشيعون... ولأن الشعب الفلسطيني يعي أن أية تسوية في ظل اختلال الموازين تعني التسليم برؤية الآخر لها، أي الإجهاز على القضية...

إذن نحن أمام استحقاقين انتخابيين في بلدين عربيين محتلين يراد منهما، وفق أجندة الخارج، أن ينجز واحدهما "تحولاً مذهلاً" والآخر "شريكاً مقبولاً"! وبين ما يريده الخارج الذي ليس هو قدراً وما يتوق له الداخل الذي هو ليس مستحيلاً تظل مسافةً من التناقض المحتوم والمصيري الذي لن يقوى التحول المذهل المنشود ولا الشريك المقبول المطلوب، هذا إن توفرا، على ردمها.