أفاق سياسية محتملة

د. أحمد مجدلاني/رام الله – فلسطين المحتلة

الانهماك الفلسطيني الرسمي والشعبي في الشأن الداخلي بعد رحيل الرئيس ياسر عرفات، وخصوصا بعد الإعلان الرسمي عن تحديد التاسع من كانون الثاني المقبل موعدا للانتخابات الرئاسية، تحركت وبوقت واحد ماكينة القوى السياسية والمجتمعية الأخرى دفعة واحدة ودبت الحياة في عروقها أيضا مع التأكيد على أن بدء المرحلة الأولى من انتخابات المجالس البلدية والمحلية سوف تتم في موعدها المحدد في الثالث والعشرون من الشهر الجاري. لقد أيقظت هذه العملية القوى السياسية والمجتمع الفلسطيني من سبات طويل نسبيا تعطلت بفعل عوامل كثيرة وعديدة منذ انتخابات العام 1996، آليات العمل والفعل الديمقراطي فيه ومع استثناءات قليلة في بعض الجامعات فإن المرحلة الماضية شهدت هذا الركود السياسي الذي أرخى بظلال قاتمة على الحياة السياسية والمجتمعية الفلسطينية وبات يوحي بان انسداد أفاق التغيير بالنظام السياسي الفلسطيني هي من المستحيلات في المدى المنظور.

وفي غمرة هذا الحراك السياسي والمجتمعي الذي نشهده ونعيشه تكثفت الحركة السياسية الدولية باتجاه القيادة الفلسطينية الجديدة القديمة وأعطي أكثر من إيحاء ومدلول من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحكومة شارون على وجه التحديد أن العقبة التي كانت تعيق المسيرة السياسية قد أزيحت برحيل الرئيس ياسر عرفات وذلك من أجل إعطاء "الصدقية" لسياساتهم التي تنكرت لكل الاتفاقات المعقودة وبرعاية أمريكية ودولية.

ما شهدته الأراضي الفلسطينية خلال الفترة الوجيزة الماضية من زيارات لوفود أجنبية ومن أعلى المستويات بدء بكولن باول وانتهاء بوزير خارجية ألمانيا الاتحادية، لم يكن بهدف التعرف على القيادة الجديدة واستطلاع مواقفها اتجاه القضية المركزية وهي استئناف العملية السياسية، فهذه القيادة معروفة لديهم جديا وهي مختبرة من ناحية "مصداقيتها وجديتها"، علاوة على أن وجهتها السياسية لم تكن بخافية على أحد.

غير أن المسألة الأساس لا تكمن في الواقع بموقف القيادة الفلسطينية بقدر ما تنبع واقعيا وفعليا الموقف الذي قدمه الرئيس بوش في المؤتمر الصحفي الذي عقده ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير في ختام زيارته لواشنطن والذي سجل تراجعا فيه عن موقفه السابق بقيام "الدولة الفلسطينية" في نهاية عام 2005، وتأكيده على ذات السياسة المتبنية لرؤية رئيس الوزراء "الإسرائيلي" شارون بتنفيذ "الفصل الأحادي الجانب"، الذي من الممكن ألا يصبح حلا أحاديا إذا ما قبلت القيادة الفلسطينية الجديدة الشراكة على أساسه. وإمكانية تحوله لدولة فلسطينية مؤقتة الحدود كما تنص المرحلة الثانية من خطة "خارطة الطريق"، وهو ما يروج له شارون وشركائه الجدد من "حزب العمل" الذين يتحينون الفرص للقفز عل مقاعد الوزارة في حكومة الوحدة الوطنية المقبلة في "إسرائيل".

وينطلق الجهد الدولي المكثف في تقديره لإمكانية إقناع القيادة الفلسطينية الجديدة خصوصاً رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والمرشح الجدي لرئاسة السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو ما زن) ورئيس الحكومة أحمد قريع (أبو علاء)، بقبول إقامة "الدولة الفلسطينية المؤقتة" الحدود استناداً إلى الأسباب والعوامل الرئيسية الآتية:

- إن القيادة الفلسطينية الجديدة ليست جاهزة في هذه المرحلة أو في مستقبل منظور للتفاوض جديا مع "إسرائيل" لحل النزاع نهائياً وتوقيع اتفاق سلام نهائي معها، لأن ذلك يتطلب من الفلسطينيين تقديم تنازلات جوهرية أساسية رفض تقديمها الرئيس الراحل ياسر عرفات وأبرزها:

1 - التخلي عن حق عودة اللاجئين إلى ديارهم، الموافقة على بقاء معظم المستوطنات "الإسرائيلية" في الضفة الغربية وضواحي القدس،

2 - والقبول بحل لا يعيد القدس للسيادة الفلسطينية وخصوصا الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية،

3 - الموافقة على عدم الانسحاب "الإسرائيلي" الكامل من الأراضي الفلسطينية،

4 - التفاهم على ترتيبات أمنية مشددة ملائمة لمصلحة "إسرائيل" خصوصا بعد أربع سنوات من الانتفاضة المسلحة.

- إن الحكومة "الإسرائيلية" الحالية حتى وإن شارك فيها "حزب العمل"، ليست مستعدة بأي شكل من الأشكال، للدخول في عملية تفاوض مع القيادة الفلسطينية الجديدة بشأن حل النزاع نهائياً وتأمين قيام الدولة الفلسطينية المتكاملة ضمن حدودها النهائية، كما أنها ليست مستعدة لأن تحدد منذ الآن موعداً لبدء مفاوضات الحل النهائية هذه، بل إن كل ما تريده الحكومة "الإسرائيلية" هو تركيز جهودها وجهود المجتمع الدولي على تسهيل الانسحاب "الإسرائيلي" من غزة في موعد أقصاه سبتمبر/أيلول 2005.

- هناك تقدير دولي يرى إن المشكلة في "إسرائيل" لا تتعلق فقط بالحكومة الحالية، فإن "الإسرائيليين"، وبأغلبيتهم الساحقة وكما تشير استطلاعات الرأي في وسائل الإعلام "الإسرائيلية"، وبعد أربع سنوات من الانتفاضة المسلحة ومن العمليات والهجمات الفلسطينية المختلفة، ليسوا مستعدين للسماح بإقامة دولة فلسطينية حقيقية متكاملة وعاصمتها القدس، إذ إن هناك هوة عميقة من الحقد والكراهية بينهم وبين الفلسطينيين مما يتطلب سنوات عدة من التهدئة الأمنية والتعايش السلمي بين الطرفين لردم هذه الهوة ولبدء التفكير جديا بمشروع الدولة الفلسطينية المتكاملة، والدليل على ذلك أن "خطة شارون للانسحاب من قطاع غزة"، تواجه بمعارضة شديدة من قبل أطراف وجهات "اسرائيلية" يمينية ودينية متطرفة وتهدد باغتيال رئيس الحكومة "الإسرائيلية".

- إن إدارة الرئيس بوش أعطت أكثر من إشارة ذات دلالة بالغة وأخرها ما قاله أرون ميلر المستشار السابق لستة وزراء خارجية، أنه ليست لديها أية نية أو رغبة في تكرار تجربة الرئيس السابق بل كلينتون والإشراف على عملية تفاوض جديدة بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين" من أجل تسوية مختلف القضايا والمشاكل الكبرى العالقة وتوقيع اتفاق سلام نهائي بين الطرفين ينهي هذا النزاع بشكل كامل. وليست هناك قوة أو جهة دولية أخرى مستعدة أو قادرة على الحلول محل أمريكا ودفع الفلسطينيين و"الإسرائيليين" إلى التفاوض من أجل حل النزاع نهائياً بين هذين الطرفين.

- إن المعطيات السابقة ووفقا للمنظور الدولي الراهن تدعو لبدء العمل من أجل إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود مؤقتة في غزة، وهو ما يتطابق تماما مع ما تنص عليه خطة "خارطة الطريق" وهي الخطة الدولية الوحيدة المطروحة حالياً لحل النزاع الفلسطيني – "الإسرائيلي"، إذ إن هذه الخطة تقترح إقامة دولة فلسطينية على مرحلتين: الأولى ضمن حدود مؤقتة والثانية ضمن حدود نهائية. ومن مصلحة الفلسطينيين التمسك بهذه الخطة الدولية التي تدعو إلى إنهاء الاحتلال "الإسرائيلي" للضفة الغربية وغزة.

- في ضوء هذه العوامل والمعطيات فإن الجهد الدولي الراهن يرى أنه يجب تحويل عملية الانسحاب "الإسرائيلي" من غزة ومن أربع مستوطنات من الضفة الغربية إلى عملية سلمية ناجحة يمكنها أن تدشن مرحلة جديدة في العلاقات الفلسطينية – "الإسرائيلية". وبما يساهم في تعزيز هذا التوجه موافقة القيادة الفلسطينية الجديدة على إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود مؤقتة في غزة يتم الإعلان عنها في خريف 2005 وترك الباب مفتوحا أمام استئناف مفاوضات الحل النهائي لاحقا من أجل إقامة الدولة الفلسطينية المتكاملة والنهائية الحدود.

وستكون هذه الدولة الفلسطينية المؤقتة "محكا أساسياً" لإثبات مدى استعداد ومقدرة الفلسطينيين على التعايش سلميا مع "الإسرائيليين"، وهو ما يساعد على تحديد موعد لاحق لبدء مفاوضات الحل النهائي للصراع الفلسطيني - "الإسرائيلي".

وقد تحاول المبادرات الدولية من خلال قراءتها للواقع القائم  تقديم النصح القيادة الفلسطينية الجديدة بعدم "ارتكاب خطأ" ياسر عرفات والدخول في مواجهة مع الإدارة الأمريكية ومع الحكومة "الإسرائيلية" من خلال التمسك بضرورة التحرك منذ الآن نحو إقامة الدولة الفلسطينية النهائية الحدود، لأن مثل هذه المواجهة ستضعف مواقع الفلسطينيين وتمنح حكومة شارون ذرائع لتجنب التفاوض حول الانسحاب من غزة ولفرض شروطه ومطالبه عليهم.

غير أن هذا الجهد والتحرك الدولي المنصب نحو القيادة الفلسطينية الجديدة القديمة بقراءته للواقع، يفترض على أقل تقدير أن هذا الواقع غير مقروء من قبل هذه القيادة سواء من خلال هذا المنظار أو من خلال قراءات أخرى تتقاطع و/ أو تختلف مع هذه القراءة.

لكن الأمر الواضح ولغاية الآن بأن المسؤولين الفلسطينيين الحاليين لن يستطيعوا حسم  أمرهم بشأن هذه الاقتراحات والنصائح، ما لم يتم حسم الوضع الداخلي وإرساءه على أسس تمكنهم من التحرك وأخذ الخيار السياسي الممكن بدون مواجهات داخلية عنيفة، وهذا لن يتم قبل إحداث تغيرات جدية في بنية النظام السياسي الفلسطيني وإطلاق آليات ديمقراطية وقوى جديدة لتجديده أولا، وثانيا إذا لم يكن هناك أفق سياسي واضح وجدول زمني محدد يربط بين إقامة الدولة الفلسطينية المؤقتة الحدود وبين بدء التفاوض لحل الصراع نهائياً.

ويبقى السؤال المطروح الآن على الفلسطينيين بكل قواهم واتجاهاتهم هل من الممكن اعتبار البدء بالانتخابات الرئاسية الشهر القادم أبعد من استحقاق دستوري وبداية ورشة عمل داخلية لتجديد النظام السياسي الفلسطيني، أم أن هناك تخوفات قد تنشأ لدى البعض من أن يتحول هذا التجديد إلى عقبة أمام المنظور السياسي المطروح؟!.