المشهد الفلسطيني الراهن
التباس الأقـوال ووضوح الأفعـال
محمد العبد الله/كاتب من فلسطين
مع انتهاء مراسم الدفن للرئيس أبوعمار، بدأت حركة نشطة هادئة حيناً وصاخبة أحياناً عديدة، تدب في الساحة التنظيمية - السياسية الفلسطينية خاصة داخل مكونات وأطر حركة فتح "حزب السلطة" مما دفع لسطح العمل السياسي داخل الشارع الفلسطيني بمجموعة كبيرة من القضايا المركزية التي تمس مجمل نشاطات الحركة، بل ووحدتها التنظيمية التي كان "صمام أمان استمراريتها الشهيد ياسر عرفات". وكان من الواضح لجميع المراقبين والمهتمين بما يدور داخل جدران المقاطعة/الزنزانة في الأيام الأخيرة لوجود "الختيار" أن هناك تواجداً ملحوظاً لبعض الشخصيات القيادية التي آثرت لأشهر عديدة التواري عن الأنظار والإبتعاد عن التأثير المباشر في الحراك الداخلي التنظيمي والسياسي بفعل الخلافات الداخلية الحادة حول مسائل رئيسية "الإنتفاضة ودورها وآليات عملها في الصراع مع العدو، المفاوضات مع حكومة الإحتلال، التساوق الكامل مع رؤية بوش - شارون للحلول المقترحة" والذي أدى إلى تراجع شعبية هذه القيادات "التاريخية" وتوابعها داخل الجسم الفتحاوي وعموم الحالة السياسية الفلسطينية. لكن الأحداث المتسارعة منذ إنتقال أبو عمار إلى فرنسا، أعادت للواجهة السياسية هذه القيادات في إشارة واضحة وصارخة إلى أن مرحلة جديدة قد بدأت، معلنة للجميع بأن الترتيبات المعدة لما بعد الوفاة قد تمت تهيئتها منذ فترة، وبأن الإستعدادات لولوج المرحلة الجديدة قد تم العمل لها منذ أشهر، ولهذا لم يكن مفاجئاً إندفاع العديد من الرموز القديمة - التي غابت أو غـُيبت عن ساحة العمل السياسي - لتحتل يومياً العناوين الأولى في كل وسائل الإعلام، ولتعيد إنتاج ذاتها "فكراً ونهجاً" كأدوات للعمل بالمرحلة القادمة التي يصر البعض وباستمرار على تسميتها بالمؤقتة. وقد جاء الإنتقال الهادىء للمراكز الأساسية داخل السلطة ليشيع جواً من الإرتياح الكامل داخل الشارع الفلسطيني، وليقدم للعالم الخارجي صورة حقيقية عن المستوى السياسي الحضاري لعمليات إنتقال السلطات داخل مؤسسات العمل القيادي.
لكن التساؤلات المشروعة التي طرحها العديد من المراقبين عن سرعة إتخاذ هذه الترتيبات لم تجد تفسيراً منطقياً لها يتوافق مع التركيبة السياسية الموحدة (أو المفترض أن تكون كذلك) في تشكيلة الوفد - كان من الحركة فقط وبدون إشراك القوى المؤتلفة داخل المنظمة والسلطة - الذي توجه لمشفى (بيرسي) لمتابعة الحالة الصحية للرئيس ولمناقشة عقيلته بتصريحاتها عن "المستورثين" هذه المناقشة التي توصلت إلى حل أرضى الطرفين بعيداً عن المصارحة الشعبية، مما أتاح للعديد من وسائل الإعلام الفرنسية والألمانية والسويدية الإعلان عن "الاتفاق-الصفقة" وبالأرقام (حسب إدعاءاتها). كما أن التعتيم على ماحصل في الأيام الأخيرة لمرض "الختيار" وعلى كل الملابسات التي أحاطت بحالته "الأسباب التي أدت إلى المرض ومن ثم الوفاة" ترك الباب مشرعاً على احتمال محدد يتلخص بأن الرئيس قد تعرض لعملية إغتيال بواسطة السم، ويتم تداول هذا السبب نتيجة التقارير والتحقيقات العديدة التي تنتشر عالمياً، ولعدم نشر التقرير الطبي الفرنسي عن أسباب الوفاة، هذا التقرير الذي يأمل الجميع بأن يكون دقيقاً وصادقاً بعيداً عن التدخلات المباشرة أو غير المباشرة لأطراف محددة، طالما رغبت بموت الرئيس الذي شكل - وفي السنوات الأخيرة تحديداً - العقبة الأساسية في وجه الإستسلام الكامل.
وعلى إثر سلسلة الإجتماعات التي شهدتها إطارات (فتح) القيادية "لجنة مركزية، مجلس ثوري وقيادات الضفة والقطاع" للوقوف أمام استحقاقات المرحلة الراهنة في ملء الشواغر التي فرضها الرحيل المفاجىء للرئيس، أصبح محمود عباس رئيساً للجنة التنفيذية للمنظمة، وروحي فتوح رئيس المجلس التشريعي رئيساً مؤقتاً للسلطة "كما ينص الدستور" لحين الإنتخابات الرئاسية التي تقرر إجراؤها في التاسع من الشهر القادم. كما انتخبت اللجنة المركزية لحركة (فتح) الأخ فاروق القدومي الموجود بتونس رئيساً لها، وهو الممتـنع عن الوصول إلى الأراضي الفلسطينية نتيجة موقفه التاريخي من "إتفاق اوسلو". إن الوقوف على نتائج هذه التعيينات وما لحق بها خاصة مايتعلق بترشيح محمود عباس للإنتخابات الرئاسية القادمة، يؤكد من جديد على الطبيعة "الهلامية" للمراتب التنظيمية داخل الحركة، وعلى دور الفرد "أبو عمار" في اختزال دور المؤسسة / الهيئة أو في قدرة المؤسسة المحكومة من قبل الفرد / التكتل كما في حالة عباس الراهنة على رسم وتنفيذ خطوات العمل. وفي هذا الجانب فإن مراقبة الخطوات التي تمت لإقناع مروان البرغوثي بعدم ترشيح نفسه من داخل المعتقل تؤكد إصرار هذه المؤسسة / الفرد على تجميع كل الخيوط في يده على الرغم من حالة الإلتباس التي رافقت الإعلان عن مروان كمرشح - البعض قال أن مروان لم يتقدم بطلب ترشيح بل أن العديد من الكوادر الفتحاوية هي التي رشحته، بينما آخرون يؤكدون أنه قد أبدى الرغبة بالترشيح - والملفت للنظر هنا دخول الطرف "الإسرائيلي" على الموضوع بتصريحات متناقضة حول إطلاق سراح مروان، وتهيئة غرفة مدير معتقل "أوهلي كيدار" بالنقب لزيارة خاصة قام بها الوزير بلا حقيبة عضو اللجنة الحركية العليا "قدورة فارس" لمروان إستمرت بينهما لأربع ساعات لثنيه عن الترشيح.
لكن الملفت للنظر ذلك التناقض بين الرسالة التي حملها قدورة من البرغوثي وتلاها بالمؤتمر الصحفي ومانشرته وكالة "وفا" الرسمية في تغطيتها للمؤتمر الصحفي ولمضمون الرسالة. فقد أغفلت الوكالة بعض الكلمات التي أشار بها قدورة للبرغوثي بـ (القائد الكبير) كما أنها لم تربط بين ماجاء بالرسالة / الموقف بـ (المحافظة على الوحدة الوطنية والتمسك بالثوابت الوطنية وفي المقدمة منها حق العودة والقدس العاصمة الأبدية لدولة فلسطين) بأنها دعوة محددة من البرغوثي لعباس كشرط لدعمه. كما قامت الوكالة بإسقاط الشرط الآخر لمروان والقاضي بـ (إجراء إصلاحات جذرية في مؤسسات السلطة ومحاسبة رموز الفساد الأمني والمالي والإداري). ومن الواضح للجميع أن ماأغفلته "وفا" أو حذفته من رسالة مروان لم يكن خطأً بتحرير الخبر، بل هو تنفيذ لتوجيهات "المركز القيادي".
وقد نقلت وكالات الأنباء قبل موعد إغلاق مركز الترشيح للإنتخابات بساعات، الخبر/ القنبلة عن التسجيل الرسمي لترشيح مروان البرغوثي الذي أعلنته السيدة زوجته، المكلفة قانونياُ من زوجها شارحة أسباب عودة مروان لخوض معركة الإنتخابات "بأنها جاءت إستجابة لرغبات آلاف الأعضاء والأنصار في ترشيح مروان لكونه المعبر عن تواصل الإنتفاضة والمقاومة بوجه كل الذين يصفونها "إرهاباً" وكنوع من الوفاء لدماء الشهداء وفي مقدمتهم أبو عمار، وكإصرار على التمسك بالثوابت الوطنية وفي المقدمة منها حق عودة اللاجئين". مما يعني وبوضوح تام من أن مواقف مروان المعلنة كعناوين لبرنامج إنتخابي تأتي متعارضة تماماً مع برنامج محمود عباس السياسي، وهذه إشارة واضحة الدلالة على شدة التجاذبات داخل حركة (فتح)، والتي تأتي مترافقة مع تباين وجهات النظر لدى العديد من القوى تجاه مسألة الإنتخابات. فقد أعلنت القوى الرئيسية الفاعلة على الأرض (حماس، الجبهة الشعبية، الجهاد الإسلامي) مقاطعتها للإنتخابات الرئاسية بسبب سياسة التفرد باتخاذ القرار المتعلق بكل العملية الإنتخابية، وللتناقض الكبير بين مواعيدها خاصة مايتعلق بأسبقية الرئاسية على التشريعية. هذا في حال التسليم بصوابية هذه الإنتخابات التي تجري تحت حراب المحتلين، والتي ستكون نتائجها محدودة التأثير والأهمية العملية، بسبب فقدان الهيئات المنتخبة لقدراتها على تنفيذ وعودها نتيجة الإحتلال وانعدام السيادة الوطنية.
إن المتابعة الدقيقة لما يجرى الآن ومايخطط له على صعيد "تحريك المفاوضات" يشير إلى إندفاع واضح في الطريق القديم/الجديد الذي سار عليه الطاقم القيادي الراهن. فالأخبار المتناقلة عبر صحيفة الديلي تلغراف البريطانية والتي أكدتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" يوم 26/11 تنيط اللثام عن التحضيرات الجدية لترتيب لقاء بأحد المنتجعات الريفية بمنطقة "أوكسفورد شير" ببريطانيا بين وفد من حكومة العدو برئاسة نائب وزير الحرب "زئيف بويم" وعضوية "عومري شارون" وآخرين، ووفد السلطة برئاسة "جبريل الرجوب" المستشار الأمني الرئاسي وعضوية "قدورة فارس" (المشاركان أيضاً بكرنفال التفاهمات في جنيف بين عبد ربه – بيلين قبل عام تقريباً) وآخرين. هذا اللقاء الذي ينظمه "أنصار إسرائيل" في "حزب العمال" البريطاني تحت عناوين "استكشاف الوضع الجديد بعد رحيل عرفات".
وكما أوضح "بويم" نفسه عن "ضرورة استغلال الفرصة السانحة بعد موت عرفات" وضرورة العودة للمفاوضات شريطة أن تبدأ القيادة الجديدة بوقف ما سماه "التحريض ضد الإسرائيليين" والعمل على وقف العنف. ويبدو أن القرارات الأخيرة التي أصدرتها "قيادة السلطة" بوقف التحريض كانت أسرع مما توقع العدو، لأنها لم تكن إستجابة فورية فقط بمقدار ما جاءت كتعبير عن النهج الذي يتبناه عباس منذ سنوات بعيدة وهو ما وجد طريقه للعلن في العديد من المقابلات الصحفية والمحاضرات الداخلية (أبرزها كان في إجتماعه برؤوساء اللجان الشعبية في غزة قبل عامين ونشرته حينها عدة صحف عربية من بينها الحياة في 26/11/2002) ولم تتوقف حدود الأوامر بوقف التحريض على تنفيذ أعمال عنف ضد المحتل في وسائل الإعلام الخاصة والعامة فقط، بل امتدت لخطباء المساجد ولوقف بث الأناشيد الحماسية التي تمجد الثورة وشهداء الكفاح المسلح، وهذا يعني بأن الخطوات الفلسطينية الرسمية باتجاه خارطة الطريق قد بدأت، والتي يجب أن يتبعها - كما تنص المرحلة الأولى بخطة الخارطة - إجراءات تقضي على كل أشكال المقاومة والتي تسميها الخطة - المجزرة بـ "الأعمال الإرهابية".
وقد قابلت حكومة العدو هذه الخطوات على الفور بالمزيد من القتل كما حصل في عمليات الإغتيال بنابلس ورام الله، والإعتقالات التي شملت بنات وأبناء شعبنا في أكثر من مكان.
لقد عملت "قيادة السلطة" على تطبيق عدة إجراءات بهدف تنفيس جو الإحتقان الشعبي المأزوم من الفساد والفوضى، فجاء حل "دائرة الحماية والأمن التابعة للأمن الوقائي في غزة" من خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده رشيد أبو شباك مسؤول الوقائي، هذه الدائرة المعروفة باسم "فرقة الموت"- والتي يشرف عليها مجموعة من أصحاب الرتب المرتبطين مع محمد دحلان – "لأن وجودها لم يعد مرغوباً فيه" بحسب ما صرح به أبو شباك، "وذلك للممارسات المسيئة التي ارتكبتها هذه الفرقة على امتداد الفترة الماضية بحق المجتمع والمواطنين". لكن مطالب الجماهير الشعبية في القطاع كان محدداً بإعفاء عناصرها من الخدمة ومحاكمة المسيئين منهم، وليس توزيعهم ودمجهم على تفرعات جهاز الأمن الوقائي بحسب ما صرح به أبو شباك. والمواطنون في غزة يتساءلون عن مصير الفرقة الأخرى المسماة "فرقة جهنم" التي شكلها "اللواء موسى عرفات" بعد تسلمه قيادة أجهزة الأمن الوطني بالقطاع أثناء المواجهات المؤسفة التي شهدها القطاع في شهر تموز المنصرم.
إن مواجهة الفساد الذي يعشعش في كل مجالات العمل السلطوي يكون في البدء بعدة إجراءات فورية تشارك في رسمها وتنفيذها كل القوى السياسية الوطنية ومنظمات العمل الجماهيري، فالفساد ليس نبتاً شيطانياً، بل هو حالة تنظيمية - سياسية - إدارية - اقتصادية تتضخم نتيجة غياب الوعي السياسي والتنظيمي الجماعي ولفقدان الرقابة الجماهيرية، مما يؤدي للشللية والمحسوبية والإستزلام.
إن مواقف كوادر (فتح) الوطنية، خاصة ما عبرت عنه بيانات (كتائب شهداء الأقصى) وأهمها الصادر في 16/11 الموجه للقيادة الجديدة يؤكد على أن الموقف النقدي الوطني لكل التوجهات الراهنة لم يعد حكراً على بعض القوى السياسية المعارضة فقط، بل يمكننا القول أن هذه القوى بدأت تفقد دورها النقدي الحقيقي، لأن معارضتها لم تكن نتاج برنامج عمل يسعى لتأطير الحالة الشعبية المأزومة والمحتقنة بفعل الإحتلال والفساد والوضع الإقتصادي المتدهور، بل تحولت مواقفها الرافضة إلى ردود فعل على نهج السلطة، مما أفقد هذه القوى المقدرة على التأثير الفعلي في رسم استراتيجية عمل بديلة.
إن الحرص على وحدة الموقف الوطني تتطلب من الجميع البدء بخطوات ملموسة لإعادة إحياء مؤسسات العمل الفلسطيني بدءاً من الإتحادات الشعبية العريقة كالإتحاد العام لطلبة فلسطين مثلاً ووصولاً إلى المجلس الوطني الفلسطيني والذي باتت عملية إعادة تشكيله وتفعيله وفق المعطيات الجديدة عبر صناديق الإنتخاب وبما تفرضه ضرورات العمل في كل ساحة يتواجد فيها أبناء شعبنا، وتوسيع دائرة عضويته بزيادة عدد القوى والشخصيات الوطنية الفاعلة والمؤثرة والعمل السريع لانعقاده في مكان محدد يتيح للجميع إمكانية المشاركة فيه لتنطلق خلاله الحوارات الوطنية الشاملة غير المجتزأة كما يحصل بالقاهرة وغزة، بهدف التوصل إلى برنامج عمل للمرحلة القادمة.
إن استقراء ملامح المرحلة القادمة باعتبارها مفصلاً هاماً في مسيرة العمل الكفاحي الفلسطيني يتطلب من الجميع الإرتقاء بالعمل السياسي والتنظيمي داخل شرائح المجتمع بهدف تحشيد وتنظيم الطاقات الجبارة التي يمتلكها شعبنا لتحقيق حلمه بالحرية.