شبح فيتنام في العراق
عيسى شتات/الأردن
يلاحظ المراقبون هذه الأيام إن تصريحات المسؤولين الأمريكيين حول العراق قد أخذت تنحو وجهة تورط الإدارة الأمريكية في الستينيات من القرن الماضي في حرب الهند الصينية فيتنام، لاوس، كمبوديا.
في بداية تلك الحرب بدأت أمريكا الحرب بإرسال المستشارين العسكريين.
حيث أرسلت العشرات ثم المئات من المستشارين إلى جنوب فيتنام وبعد ذلك تضاعف العدد إلى مئات الآلاف في عامي 1966/1967 حتى وصل العدد إلى نصف مليون جندي أمريكي ومثلهم من جنود فيتنام.
ويتحدث المسؤولون الأمريكيون في وزارة الدفاع عن إرسال مزيد من الجنود والقوات الأمريكية لدعم قوات الاحتلال الموجودة حاليا في العراق والتي يرون أنها غير كافية والتي يزيد عددها عن (135) ألف جندي أمريكي بالإضافة لعدة آلاف من جنود الدول الحليفة لأمريكا وعددهم 19 دولة كما أوصى المستشارون العسكريون الأمريكيون بزيادة عدد القوات العراقية الموالية لواشنطن سواء في سلك الحرس الوطني أو في الشرطة العراقية لمساعدة قوات الاحتلال.
كما تضاعف عدد المجندين في خدمة قوات الاحتلال الأمريكي والذين يعملون بعقود وهم من المتقاعدين العسكريين ورجال الأمن ووصل عددهم إلى عشرات الآلاف يعملون مع القوات الأمريكية والبريطانية.
وفي صفوف شركات الأمن والحماية الأمريكية والبريطانية.
إن تورط الإدارة الأمريكية في العراق وغرقها في وحل العراق بدأ يعيد لأذهان الأمريكيين شبح حرب فيتنام الذي حاول المجتمع الأمريكي ولعقدين من الزمن نسيان مآسيها والتي فقد فيها المجتمع الأمريكي عشرات الآلاف من جنوده وبحارته وطياريه، حيث لا زالت أمريكا تبحث عن جثث كثير من الطيارين الذين أسقطت طائراتهم في شمال فيتنام أو البحارة الذين أغرقت مراكبهم وسفنهم في مياه بحر الصين والموانىء الفيتنامية ولا زالت السينما وهوليوود تنتج مئات الأفلام عن تلك الحرب المأساة والتي خاضتها واشنطن لتشبث جنرالات سايغون الذين نصبتهم واشنطن بعد قيامهم بانقلاب لصالح واشنطن.
لقد أعادت حرب العراق التحريرية والتي تخوضها المقاومة العراقية الباسلة ضد آلة الاحتلال والعدوان العسكرية الأمريكية أعادت إلى أذهان الشعب الأمريكي هذه الأيام مآسي حرب فيتنام وهرب الآلاف من الشباب الأمريكي من الجيش والتجنيد والحرب إلى الدول الاسكندنافية ورفضهم للتجنيد في صفوف القوات المسلحة الأمريكية أو الذهاب إلى فيتنام وكذلك يستعيد الأمريكيون الآن حركات الاحتجاج الأمريكية والعالمية ضد عدوانية الحرب وعدم مشروعيتها وجرائمها وما تلحقه بالجنس البشري من دمار وقتل وتخريب وسفك للدماء ودمار النفس البشرية.
إن اشتداد المقاومة العراقية وتصاعد عملياتها المسلحة ضد جنود الاحتلال الأمريكي في العراق بدأ يعيد لأذهان الأمريكان المعارك الكبرى في دلتا نهر المايكونغ ومعارك قاعدة داناتغ وقاعدة هوي ومعارك الفيتكونغ في جميع أنحاء فيتنام الجنوبية وما لاقته قوات الاحتلال الأمريكي من مقاومة عنيدة وضروب القتال التي شارك فيها ملايين الفيتناميين في الشمال والجنوب والحقوا خسائر فادحة بالأمريكان وخاصة في عمليات الربيع الكبرى.
أن مشكلة التجنيد وإرسال الجنود إلى جبهة الحرب الملتهبة في العراق الآن أصبحت الشغل الشاغل للمجتمع الأمريكي إنها تؤرق آلاف الأسر الأمريكية التي كانت تعتقد أن هذه الحرب خاطفة وسريعة وقريبا ما سيعود الابناء الى الوطن وهاهم منذ عامين لا يعودون إلا في نعوش أو معوقين أو مصابين بإصابات بليغة في حرب يخوضها أشباح كما وصفها أحد ضباط الجيش الأمريكي وهاهم يخوضون في وحول العراق ورمال صحاريه مثلما غاصوا في وحول فيتنام قبل ثلاثين عاما.
إن المصاعب التي تواجه أمريكا في تجنيد مزيد من القوات للحرب في العراق ليس التكاليف الباهظة وحدها والتي ارتفعت من 4 مليار دولار شهريا العام الماضي إلى 8.5 مليار دولار شهريا هذا العام ومرشحة للارتفاع والزيادة بل كراهية المجتمع وذوي أهالي المجندين لهذه الحرب التي لا يرون سببا و مبررا أخلاقيا لخوضها بعد انكشاف كذبة أسلحة الدمار الشامل في العراق.
لقد بدا الأمريكيون يفيقون على شبح فيتنام التي حاولوا نسيان مآسيها وآثارها المدمرة لهم، لكن الحرب في العراق وما جلبته من خسائر في الأرواح والأموال وأعادت شبح تلك الحرب اللعينة التي شقت الشعب والمجتمع الأمريكي وجلبت الحقد وكراهية العالم لأمريكا نتيجة الفظائع التي ارتكبت بحق شعب فيتنام خلالها وما يرتكب حاليا بحق شعب العراق ونتيجة آثارها المدمرة وانعكاساتها السلبية على حياة الأفراد والمجتمع الأمريكي وحياة شعب العراق حاليا وعدوانية هذه الحرب والظلم الذي يقع على البشر وخراب البيوت والوحشية والقسوة التي تمارس خلالها والخسائر التي تلحق بالإنسان والبيئة على حد سواء.
إن الأمريكيين يستذكرون شبح فيتنام والأهوال التي كابدتها البشرية من جرائمها وهم يرون بأعينهم كيف أبناءهم وجنودهم يتحولون إلى قتلة يرتكبون افظع الجرائم بحق أبناء العراق في معارك سامراء والنجف والفلوجة والأنبار والموصل وما كشف عنه في سجن أبو غريب أو قتل للجرحى في مسجد الفلوجة.
لقد أيقظت الحرب في العراق وفتحت عيون الأمريكان على جرائم سجن أبو غريب ومذابح الفلوجة وغيرها كثير مثل جرائم الجيش الأمريكي في حرب فيتنام في قرية ماي لاي وقتل الأسرى الفيتكونغ أمام عدسات الكاميرات في عاصمة جنوب فيتنام وقصف السدود وحرق الغابات ورشها بالمواد السامة والحارقة.