بإشارة من بوش.. الانتخابات العراقية في موعدها المقرر
حمدان حمدان/كاتب وباحث من فلسطين يقيم في دمشق
بإشارة من بوش، ودون الحاجة إلى بزة رسمية، بل بقميصه المرقط، وإلى جانب شاحنة أو جرار، في مزرعته التكساسية، أشار بوش بطرف إصبعه، بأنه يفضل الانتخابات العراقية في موعدها المقرر دون تأجيل.. وكما اهتدى الوحي إلى رأس بوش، كذلك اهتدى إلى رأس العلاوي، فبالرغم من أن حزبه (الوفاق الوطني الذي يجانب جادة التوفيق) كان قد دعا هو الآخر، من بين سبعة عشر حزبا عراقيا، إلى تأجيل الانتخابات، فإن الأثير كان قد رن في أسماع رئيس ما يسمى بالحكومة العراقية المؤقتة، فآثر أن يخالف رأي حزبه، وذلك هو معنى من معاني الديمقراطية الجديدة، فالحزب في ركاب رئيسه وليس للآخرين سوى الانصياع!.
وينطوي على إقرار الانتخابات في موعدها المقرر تداعيات ليس اقلها، ارتفاع عقيرة المرجعية بالصراخ، بل بتفريخ أربعين حزبا (مرجعيا) كلها تنادي برفض مبدأ تأجيل الانتخابات، أي برفض منح الفرصة، لأعمال الدعوة المتهافتة لإجراء مصالحة وطنية عامة، وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإننا نتساءل، بل كنا قد تساءلنا، عن معنى المصالحة الوطنية، وفيما إذا كان الشعب العراقي في شقاق قبلها، وإذا كان الأمر كذلك فعلام كان الشقاق، وهل يمكن تفسيره بمعاني المذهبية أو الإثنية أو العشائرية؟ إننا نرفض جملة وتفصيلا هذا التأويل، وإلا كيف أمكن لهذا الشعب أن يعيش تاريخه في ظل متحد جمعي، تحت تلاوين شتى من أطياف بعدد درجات الدائرة؟!
وللحقيقة التاريخية، فإن الصراع اليوم، يدور حول طبيعة الموقف من الاحتلال، وتلك هي المسألة، فقد انهمكت الأطراف بقصة الخلاف على جلد الدب قبل اصطياده، في الوقت الذي لا تبشر الأوضاع بسهولة اصطياده، وبعيدا عن المعني الرمزي، فإن دعاة المصالحة الوطنية، هم أنفسهم دعاة التعاطي مع الاحتلال بصورة أو بأخرى، ورغم الفارق بين داعية للتعاطي السلس مع الاحتلال، وداعية آخر كان قد ركب على ظهور دباباته، إلا أن الدعوة في شقيها الاجتهادي والتآمري، تصب في مياه ترسيخ الاحتلال وتكريسه، فيما لا يمكن ردم الهوة في مسيرة التصالح، من طرف قابل بالاحتلال وآخر رافض له، فالاحتلال هو موضوع الشقاق، الذي لا يمكن تجاوزه بالتوافق عليه، أو القبول ببقائه على آمال وردية في المستقبل.
فالطرف الرافض للاحتلال، ينظر إلى الأمر من وجهة تاريخية بشرية وتجريبية، إذ لم يعهد باحتلال رحل من تلقاء نفسه بمفاوضات سلسلة وسلمية، وهو ما يؤكده تاريخ طويل من تجارب الشعوب في العالم.. أما الطرف القائل بعدم القدرة على مقارعة الاحتلال، لاختلال المعادلة في التكافؤ، فإنه يخدم موضوعيا استراتيجية احتلالية، تنشد الاستقرار مع وجود الاحتلال، كما تنشد استعفاء الشعب من واجب الدفاع عن بلده، ومقاومة الغزو بكافة السبل العنفية وغير العنفية، فالعراق ليس وحده من شهد انكسار التكافؤ مع قوى العدوان، وهل كانت فيتنام والجزائر وكوبا والسلفادور.. على درجات من التكافؤ مع القوى الغازية؟!
إننا لا نرى سببا للتعاطي السلمي مع الاحتلال، إلا اهتبال الفرصة التاريخية للانقضاض على حكم المركز في بغداد، لكن حكم المركز في بغداد ليس هو الغاية السامية، لأطراف ما فتئت تصرعنا بأحاديث السمو والترفع والتقشف، ومع هذه النقطة ومن خلالها، فإنه يحق للشعب أن يتساءل عن بغداد حاكمة في ظل الاحتلال أو عن بغداد سـيادية في ظل القواعد الأمريكية التي تملأ أرجاء العراق؟ وهل يمكن للشعب أن يقبل بنظام تشريعي، تنفيذي وقضائي، تشرف على تصنيعه معامل نيغروبونتي في بغداد؟!
كيف يمكن لطرف ضعيف، أن يخرج طرفا قويا من خلال المفاوضات، أليست الحرب هي السياسة، في معنى التفاوض ومغزاه؟ ثم ماذا تفعل مؤسسة دولة، حتى لو كانت منتخبة وشرعية على طريقة التحايل الأمريكي! المبدع والخلاق! حيث الرئيس المنتخب بالقضاء يتحول إلى رئيس بقوة عشرات الملايين، ماذا تفعل هذه الدولة العراقية، إذا تم تحويل الوضع، من احتلال مرئي إلى احتلال غير مرئي، والشاهد أن دول الخليج النفطية كلها، محكومة باحتلال مرئي لمن شاء وأراد، أما الدول العربية الأخرى، فمحكومة بإرادة أمريكية قد تكون غير مرئية، لكن الساذج من الناس يستطيع أن يراها دون تعقيد.
ويأتيك بالجواب، من أراد التدثر بعباءة الآخرين، وهم القدوة غير الحسنة، فإذا كانت الدول العربية، الرئيسية منها والفرعية، على علاقة تصالح مع الكيان الصهيوني، فلماذا التحريم على العراق؟ وإذا كان ثمة أراض عربية محتلة، فلماذا لا يتم تفعيل الكفاح فيها لتحريرها، بدلا من كفاح المحتل في العراق؟
وإذا كان واقع الدول الإقليمية يعيش تاريخه فوق أرض العرب، فلماذا التحريم على دولة خاصة بالأكراد، وإذا كانت المذهبية بأقليتها أو أكثريتها هي عمود الحكم في العواصم العربية، فلماذا التحريم على أكثرية شيعية في العراق؟!
وفي هذا وسواه، ما يشير إلى إرادة القبول بنكوص التاريخ، فالشواهد التي تقدمها ذرائع عراقية قابلة بالاحتلال، تقع في أسوأ أدوار التاريخ بالنسبة للعرب، فلا يجوز والأمر كذلك، أن نتخذ منها قدوة للتشبه، فالإنسانية كلها تتطلع إلى المثل الأعلى في القدوة، كذلك هو تطلع الشعب في مئات ملايينه العربية والمسلمة بآن، فلو أجرينا استطلاعا نظريا للرافضين والقابلين بأوضاع العرب الرسمية، أو الإسلامية، لألفينا نسبة التسعينات المئوية تقف إلى جانب الرفض المطلق، لواقعية هذه الأوضاع وسيرورتها المفروضة بقوة العسس وزوار الفجر، أي بانتفاء الديمقراطية، التي طالما صفق لها دعاة التفاوض، أو دعاة (العدالة) في نسبية وتناسب السكان إلى السكان في العراق، وكيف يمكن التشبه في مكان والعزوف عنه في مكان آخر؟! أفلا تنظرون إلى السجون العربية الملأى بالرافضين؟
فإذا كنتم تريدون اقتفاء الأثر في التصالح مع "اسرائيل"، وهي مهمة مركزية احتلالية أمريكية، فأنتم تصنعون عراقا آخر غير ما كان، وإذا كنتم تريدون التشبه بالتقاعس العربي الصامت تجاه المحتل من الأراضي، فكيف ترطنون بعداوتكم اللفظية للاحتلال، وإذا كان واقع التجزئة الإقليمية العربية يعجبكم، فلماذا لا تتجاوزون الفيدرالية إلى الانفصال، بكل صراحة العبارة وجرأة الاستهداف، فمن الواضح مع قرار الانتخاب النهائي، أن كلا يروم بغيته مغتنما فرصة الاحتلال لا إلى ما بعدها، والأنكي أن دول الجوار، وعلى رأسها ايران، باتت ترطن بلغة بوش في تكساس، وها هي طهران، الثورة المسلمة، تقدس مواعيد انتخابية لا قدسية لها، إلا في التوافق الصدفي! مع إشارات بوش، وحتى لو كان لايران خصوصيات غائية، غير ما تلتمسه واشنطن من العراق، فإن جهنم مفروشة بجلود ذوي النوايا الحسنة، فكيف الحال مع من لا يحمل نية حسنة طوال تاريخه مع العراق؟
وفي جميع الأحوال، فقد أرسلت طهران بإشاراتها العديدة حول خصوصياتها العراقية، ومن المحزن أن هذه الخصوصيات لا تعدو كونها رجاءات لواشنطن بقبول الاقتسام، وكان دليلها ما صنعت من معروف لا ينسى في أفغانستان (حيث أول سفارة إسلامية في كابول بعد الاحتلال هي السفارة الايرانية)، وأما دليلها الثاني، فمعروف يزجيه الخاتمي، بخدمة التعرف علي طريقة تنقذ الأمريكيين من المستنقع العراقي!
فهل مهمة الثورة الايرانية، إنقاذ الأمريكيين من المستنقع العراقي؟ وما هي الوسيلة لبلوغ خشبة الخلاص الأمريكي، إلا في الهرولة إلى الانتخابات، والاستخفاف بدماء الفلوجة، والحفر لشقاق أهلي تعتقد ايران بأنها تضمن نتائجه، في ظل صمت عربي مجاور؟
إن ايران في سياستها الانتهازية لإغواء الثور الأمريكي، ترتكب خطأ مزدوجا غاية في التعقيد، فهي من جهة، تحاول الحيلولة دون هجوم دبلوماسي أمريكي وشيك، بنقل ملف الأزمة النووية مع ايران إلى مجلس الأمن، وحتى لو تراخت الإدارة الأمريكية تكتيكيا لبلوغ مأربها العراقي عن طريق ايران، فإن النتيجة في النهاية ستكون للأقوى، فإسداء الخدمة للأمريكيين في العراق، لن يحول دون ملاحقة الملف النووي، ولو وصل الأمر إلى درجة اتخاذ القرار بتدمير مراكزه، فالنووي محرم على دولة إسلامية جوارية للنفط و"اسرائيل"، حتى لو كانت هذه الدولة هي واسطة العقد التحالفي المرئي أو غير المرئي مع واشنطن، وأما الخطأ الثاني الذي ترتكبه ايران بحق العراق المقاوم، هو أن العراق الذي يقاوم الاحتلال الأمريكي اليوم، هو نفسه من سيقاوم أي دخيل آخر، حتى ولو بالإنابة فلا تغتر طهران بقرب امتلاكها لفرصة صيد بغداد(...).