كلمات مبعثرة على عتبة المغارة
فؤاد الحاج
تعود الكتاب وأهل الصحافة والقلم أن يقفوا عند نهاية كل عام، ناشرين أهم الأحداث التي مرت في العام المنصرم، وهذا ربما شيء طبيعي بالنسبة للإعلام المقروء والمرئي لعدة أسباب لا ضرورة لطرحها الآن، أما أنا سأشذ عن هذا الأسلوب لأقلب بذاكرتي صفحات من أحداث ووقائع مضت، مستلهماً من ذكرى الميلاد المجيد معانيها..
في كل يوم يمضي نجد فيه أنفسنا في متاهات جديدة مع الأحداث المختلفة والمختلقة في آن يومياً، والتي تزداد أضعافاً مع كل تكة من تكات الساعة المتسارعة لاستقبال عام جديد، وأكثر الأسباب التي تزيد من تراكم الأحداث هي معظم وسائل الإعلام العربية المختلفة وبعض القيادات التي يقال أنها وطنية، يضاف لكل ذلك بعض المتفلسفين الذين يقال عنهم أنهم من المثقفين الذين يحملون ألقابا جامعية في مكاتب عدد من الدول العربية والأوروبية والأمريكية على حد سواء، وتحت أسماء طنانة رنانة كبيرة مثل "مدير معهد كذا في دولة كذا" و"مدير معهد بحوث ودراسات كذا في دولة كذا" و"الخبير في الشؤون الاستراتيجية في معهد كذا".. الخ، وبهذه هم يخدمون أعداء الإنسانية وقوى الشر في العالم بقصد أو بغير قصد، والقارىء المسكين يضيع في متاهات أقوالهم بين مؤيد ومعارض، وهو ما تريده قوى الشر في العالم تحت شعار "فرق تسد"!..
ووسائل الإعلام المقصودة بات أي متابع لمجريات الأحداث المتسارعة في الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج في بلاد العرب يقرف أن يطالعها لأنها أصبحت صدى لأبواق الإعلام الغربي المعادي للأمتين العربية والإسلامية معا!!.. كما بعض القيادات التي تدعي الوطنية أو محسوبة في خانة القوى الوطنية هي في حقيقة الأمر ليست إلا صدى لأفكار عقيمة منذ منتصف القرن المنصرم عندما طرح البعض منها فكرة القبول بدويلة بعض فلسطين وهي التي ساعدت بطريقة مباشرة على تثبيت الكيان الصهيوني غاصبا لأرض فلسطين العربية، كما ساعدت على الصراع الفلسطيني - الفلسطيني والانشقاق العربي - العربي حول قضية فلسطين والعراق قبل الغزو وبعد الاحتلال!!.. واليوم نرى حاملي تلك الألقاب الجامعية أو الأكاديمية وما شابه يفلسفون معنى الحرية و"الديمقراطية" بكلمات غير واضحة لا تعني سوى طرح مفاهيم لا قيمة لها لدى المواطن البسيط الذي يعاني من ازدياد الفقر والجوع والمرض!، والمصيبة أن بعض معظم وسائل الإعلام على اختلاف ألوانها وتعدد مشاربها وتمويلها، وتلك الفضائيات التي تنشر مقالات وتحاليل وتبث الفضائيات مقابلات مع أولئك المتفلسفين الذين يبثون السموم باسم "الديمقراطية" التي يسميها البعض "الرأي والرأي الآخر" وهذه هي واحدة من أكبر الأخطار التي هددت المشروع الحضاري العربي الذي تكالبت عليه قوى الشر وأردته صريعاً!!..
كل ذلك مقابل تسابق عدد كبير من أصحاب المنابر التي تستعمل أسماء وطنية وقومية تاريخية مدعومة من جهات اقتصادية في عدد من العواصم العربية تعقد ندوة أو مؤتمراً في كل مناسبة وطنية أو قومية أو تصدر بياناً ينتهي مفعوله لدى وصوله إلى وسائل الإعلام التي تنشره البعض منها ويلقها في سلة المهملات البعض الآخر، وما أكثر المناسبات الوطنية والقومية في البلاد العربية التي يمكن القول فيها أنها أكثر عدداً من أيام السنة، ولإثبات ذلك أقول، غداً ستطل علينا ذكرى انطلاق الثورة الفلسطينية ربما الأربعون فكم من بيان سيصدر وكم من كلمة ستكتب فيها، دون أن نجد أي من كل الذين ذكرناهم أعلاه يقف ولو قليلا مع تلك الذكرى ليقيمها ويدعمها من باب الأخلاق على الأقل أو من باب التقليد الغربي – طالما هم بالغرب يقتدون – حيث نجد عشرات البرامج الأمريكية عن معارك من الحرب العالمية الأولى على سبيل المثال يتحدث عنها أشخاص يقال أنهم شاركوا بها أو محللين غربيين يتحدثون عن موقعة ما ويركزون على الإشادة بدور القوات الأمريكية في إنقاذ البشرية من هتلر كما يزعمون!! والكثير من البرامج الأخرى التي يتم التركيز فيها على مراحل تاريخية معينة منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وكيف دخل الرحالة الغربيون إلى البلاد العربية ليستكشفوا الجزيرة العربية وبلاد الكنانة بحيث يتم التركيز على الأماكن التاريخية لأعداء الإنسانية وكيف طردوا من تلك المناطق بطريقة مباشرة أو غير مباشرة كما في فلسطين المحتلة كذلك بحسب زعمهم!!.. في الوقت الذي يقف فيه الشرفاء والأحرار والأصلاء وحدهم فقط من أبناء الأمة العربية لمراجعة نقدية بناءة لمسيرة عام ميلادي مضى ويخططون لتجاوز العقبات والأخطاء التي اعترضت أو تعترض تحقيق أهدافهم في تحرير واستقلال وسيادة البلاد العربية ورفع قيمة الإنسان للمكانة التي أرادها له الله سبحانه وتعالى، لأنهم هم الذين يملكون فعلاً الجرأة على المراجعة والنقد البناء وليس أزلام ومحاسيب أنظمة الذل والعار وغيرهم من أصحاب الألقاب الذين باتوا يشكلون عبئاً على الأمة العربية مع التقدير بالطبع للشرفاء والأحرار من حملة الألقاب الجامعية والأكاديمية الذين يعتز ويفخر بهم أبناء الأمة وكل الأحرار والشرفاء في العالم، مع العلم أن بيانات وتقارير القوى الحية وكتابات عدد كبير من الأحرار والشرفاء في بلاد العرب والعالم مغيبة ومعتم عليها من قبل الإعلام العربي بحجة "عدم نشر ما يثير الضغائن ومنع التحريض"..الخ، على قاعدة جديدة يرددها البعض تقول "أن الزمن تغير والسياسة تغيرت وأصبح الكيان الصهيوني أمر واقع"!!..
وعلى عتبة المغارة نلتقي في هذه الحيرة المحبطة لنقف مجددا مع هذه الذكرى التي نستلهمها مواقفنا حيال الناس والأشياء.. فنحن، رغم النية الحسنة التي كانت وراء أقوالنا وتصرفاتنا، كثيراً ما زلَّت بنا القدم، ونشرنا مقالات وأقوال تتعارض مع تطلعاتنا رأى فيها البعض من القراء الأعزاء والشرفاء أنها لا تليق أن تنشر في (المحرر) مما اضطررنا إلى سحبها وعذرنا، أننا نريد أن نوسع قاعدة التأييد لمقاومة الشر والاحتلال في فلسطين والعراق، مع العلم أننا في هيئة التحرير قررنا مرات عدة ألا ننشر أي كلمة يأتي فيها ذكر ما يسمى "اسرائيل" لأننا نؤمن أن تكرار ترداد هذه الكلمة حتى ولو كانت بين قوسين أو هلالين لا يبدل من عدم ذكرها لأنها تلفظ شفهياً ومع مرور الزمن تصبح واقع حال مثلما هي مفروضة بقوة القوانين التي صدرت تباعاً في عدد من بلاد العالم وأصبح من الصعب علينا عدم تمريرها كما أصبح من الصعب علينا نشر بعض الكلمات والجمل لأن قانوناً جديداً صدر منذ حوالي الشهر على سبيل المثال في أستراليا يمنع وضع هذه الكلمات بين قوسين، كما أن أي كلمة أخرى من ثالوث (الصهيوني – العبري – "اسرئيل") يعتبر "نشر حقد وعنصرية" و"ضد السامية"!!، مع العلم أننا كنا قد نبهنا وكتبنا مرات ومرات منذ منتصف عام 1993 من القرن الماضي طالبين من الكتاب العرب ومراكز البحوث العربية الصميمة وكافة المؤسسات الثقافية العربية في بلاد العرب أن تقيم ندوات عربية ودولية لفضح أكاذيب هذه البدعة، وقد قمت شخصياً بزيارة عدد من العواصم العربية والاتحادات الأدبية وغيرها وشاركت في عدد من المؤتمرات طرحت فيها مثل هذا الكلام ولكن مع الأسف ذهب كلامي مع الريح، على أية حال ننشر هذا الكلام الذي ربما سأحاسب عليه، وربما للمرة الأخيرة مع اعتقادنا أن قرب إغلاق موقع (المحرر) قد دنا بسبب هذه القوانين!.. إلا إذا بدلنا توجهاتنا وهو لا ولن يحصل.
وعلى عتبة المغارة نقول في مراجعة نقدية لما قمنا به أننا قد نكون، في غمرة عملنا اليومي، أسأنا لقريب.. وقد تكون الكلمة التي أردناها للبناء، أتت نتائج عكسية بسبب تأويل خطأ من البعض، إما لأننا لم نحسن قولها تماماً، وأما كوننا قد أطلقناها في ظرف غير ملائم.. قد نكون تجاهلنا قضايا كان من المفروض أن نثيرها ونتوقف عندها طويلاً، لا بل كان من الواجب أن نبلورها للرأي العام ونستنفره حولها، رغم ما نشرناه وأوضحناه كما نعتقد ورغم ما قلناه حول أنظمة الذل والفساد التي باتت دمى في يد المحافل الدولية وفي يد أعداء الإنسانية وبذلك أصبحت وبالاً على المواطنين في كل البلاد العربية.. إلا أن ما يشفع لنا، أننا نؤمن بأن ليل الظلم لن يطول ولا بد أن تشرق شمس الحرية والحق مهما اعتقد البعض أن قوى الشر الصهيو-أمريكية قد سادت لأن أحداث التاريخ تقول أن كل الإمبراطوريات إلى زوال، وأن عهد الشر الصهيو-أمريكي لن يسود وأن غداً لناظره قريب.
ولأنني شخصياً أؤمن أن البشر ضعفاء وأن فكر الإنسان يبقى قاصراً عن بلوغ السمو مهما بلغت درجاته العلمية.. ولأنني أأبى أن تمر ذكرى الميلاد، دون أن أستفيد من مغزاها، لذلك فأنني أقف مع هذه الذكرى عند عتبة المغارة من جديد، أفتح قلبي وأوراقي للقراء الأعزاء في جميع أرجاء العالم ولجميع الذين تقوم بيني وبينهم واحدة من العلاقات، لأننا بحاجة في دنيا الإعلام، كما في دنيانا التي يعيشها كل على مزاجه إلى تجسيد معاني هذه الذكرى بمراجعة نقدية بناءة فليس حسبنا أن نتغنى بالحق والحرية والخير والجمال ونشر كلمة حق وجه سلطان جائر، لأنه لا قيمة لهذا التغني بحد ذاته، إلا بالعمل الفعلي المطلوب نقله إلى حيز الفعل من قبل الجميع إلى الواقع المعيوش لدى كل المواطنين.. فالقيمة هي أن نعلن الحق عندما يزهق، وننتصر للحرية إذا صارت بدون مضمون، وننقذ الخير إذا انتهى إلى غير أهله، ونرفع الجمال حين تصبح القباحات بمستواه، والقيمة في ذلك هي أن نخلص لما نقول.. وأن نجسّد القول فعلاً وعملاً وبذلاً بغير حساب الماديات الفانية..
ولأنني أؤمن بأن عين المحب تغفر لمن أساء فأنه علينا أن نغفر لكل من أساء وتصرف بغير ما أردناه ونريده، وأتمنى أن ينتج عن قيادات القوى الحية والجماهيرية في بلاد العرب أولاً قرارات عملية تتحول إلى وقائع لا أن تبقى كلمات يذرها الهواء أو حبرا على الورق كما مئات الملفات المنزوية في أدراج جامعة عرب الذل والهوان وأنظمتهم الخائبة التي باعت أخرتها بدنياها.. كما أتمنى أن يعود أصحاب وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء إلى ضمائرهم بالرغم من شكنا في ذلك إلا أنني أتمنى أن يعطوا إلى الوطن ما يستحقه من وقفة عز وشموخ ضد الباطل، وأن أرى وكالة أو وكالات أنباء عربية شاملة في أماكن الأحداث الساخنة في أرجاء العالم وخاصة في الوطن العربي الكبير لتنقل إلى الجميع المواقف العربية – العربية وليس أن تكون مجيّرة لوكالات غير عربية لا تبث إلا ما يشاء أصحابها وتنقل مواقف أعداء الإنسانية أو التزاوج بينهما بحجة نقل وجهة نظر الجميع ضمن حرية التعبير و"الرأي والرأي والآخر"، لأن هذا الأسلوب يزيد من حيرة وشكوك المواطن أينما كان.. مع العلم أن نقل الخبر أو المعلومة من وكالة أنباء عربية من أرض العرب مع ذكر ما تقوله وتنشره باقي الوكالات غير العربية يزيد من معرفة المواطن ولكن لا أن تكون تلك الوكالات غير العربية هي الأساس والمصدر.
وأخيراً وليس أخراً أعاهد نفسي أولاً بأن أحاول قدر المستطاع، أن أسترشد بهدي هذه الذكرى وبروح المحبة التي نشرها الناصري لتكون نبراساً للإنسان أينما كان، والتي فيها فقط يكمن خلاص البشرية من أنظمة الفساد في الوطن العربي الكبير كما في أرجاء العالم ليعود الإنسان أخ للإنسان وبذلك أكون قد حققت الغاية التي أصبو إليها.
وعلى عتبة المغارة أقول ما أحوجنا أن نعمل جميعا من أجل شعب العراق كي نرفع الظلم الإعلامي عنه المفروض بقوة الهيمنة الصهيو-أميركية أما تحرير العراق فشعب العراق كفيل به فهم ليسوا بحاجة لأي منا سوى بنشر كلمة الحق..
وعلى عتبة المغارة علينا أن نتذكر أهلنا وشعبنا الذين يعانون من الفاقة والظلم الاجتماعي في لبنان وفي أرجاء البلاد العربية ونمد لهم يد العون قدر المستطاع على الأقل من باب دعم ذوي القربى ورابط صلة الرحم.
وعلى عتبة المغارة علينا أن نتذكر الشعب الفلسطيني البطل وأطفال الحجارة الذين يعانون من جور الاحتلال الصهيوني ومن ظلم واختلافات القيادات الفلسطينية، وأن نعمل جميعاً من أجل الإفراج عن المساجين المعتقلين في سجون سلطة حكم الذات الأوسلوية قبل أن يطالب البعض بالإفراج عن المعتقلين في سجون الاحتلال.. سائلين الله العلي القدير أن يلهم الجميع روح المحبة لنقف جميعاً صفاً واحداً في مواجهة الطغاة وأنظمة الفساد مجتمعين..
وأخيراً يبقى أن نتساءل ترى عندما يقف المجرم بوش الصغير أمام باب المغارة ماذا سيقول وماذا سيردد وراءه ورثة اتفاقيات الذل من أوسلو إلى طابا إلى شرم الشيخ والقاهرة و"واي بلانتايشن"؟!، وماذا ستردد أنظمة الذل؟!، وماذا سيردد ذلك المسخ "علاوي وياور وشركاهم" في عراق الحضارات والتاريخ!!..
وكل عام والجميع بخير