مقاربة من مفهوم الدور الحضـاري في فكر ميشيل عفلق
"تحليل ثقافي" (7-9)
د. عز الدين دياب *
أدوات الانقلاب
كثيرا ما تطرح القضايا المتعلقة بالإشكالية الانقلابية في فكر ميشال عفلق طرحا ناقصا من قبل بعض ممن أسند إليهم مسؤوليات سياسية أو ثقافية أو حزبية. ويظهر النقص بكل بداهة في تغييب الأدوات الانقلابية أو تهميش دورها في الإشكالية رغم أنها، كما نعتقد، تمثل الثقل في بناء الإشكالية.ولا شك أن النقص بجانبيه العفوي والموجه، رغم ضيق الحدود بينهما، كان في أبسط أشكاله وفي نياته الحسنة جدا، أو السيئة بخجل المهنة والموقع أو الهدف المناخ والسند المناسب للتواطؤ على الأهداف والغايات التي تحملها وتنشدها في آن معنا هذه الانقلابية.
هذا الكلام رغم أهميته وخطورته معا لا يريد أن يتصدى لتلك الظاهرة بالدراسة والتحليل، وإنما يتوخى لفت الأنظار إليها والتنبيه إلى مكانتها في العودة إلى "نقطة البداية " أو في استحضارها مرة ثانية.
أهمية المشكل هنا أذن أن تتابع فكر ميشال عفلق من أجل أن نتفحص أدوات الانقلاب ومكانتها في بنائه للإشكالية الانقلابية ومراهنته عليها كما أسلفنا في إنجاز النهضة الحضارية العربية.
لنبادر إلى القول إنه أعطى هذه الأدوات قيمتها الحقيقية ومكانتها التي تليق بها في بناء الإشكالية من موقع العارفين بأمور وشرط الحالة الانقلابية ومجال امتحانها، ولهذا نجده يتحرك في تحديد الأدوات من خلال المقدمات التالية (102).
* "إن حركتنا عربية انقلابية، وقد بينا العلاقة بين الانقلابية والصفة القومية، وقلنا أن انقلا بيتنا تنبع من صلتنا وشعورنا بفقر الواقع وقساوته وضرورة تبديله، والقيام بانقلاب يرجع إلى الأمة حقيقتها ويظهر كفاءتها الحقيقية وروحها وأخلاقها.
* يستطيع الحزب أن يخلق أفرادا يكونون في البدء آحادا ثم يصبحون عشرات ثم مئات وألوفا يكون لكل فرد من هؤلاء نتيجة هذه الممارسة وهذا الإيمان الذي يعزز بالعمل النضالي المتواصل من الخبرة والكفاءة ما يعادل ألفا ويستطيع أن يخلق الحركة والحياة في ألف آخرين وأن يكون مصدر إشعاع وتوجيه ووعي لمجموع الشعب، فالشباب المثقف الذي وعى أن مكانه التاريخي في هذه الحركة الانقلابية، فتقدم إليها، وسار في طليعتها، يجب أن يكمل هذا الوعي بالعمل النضالي الشعبي الانقلابي المنظم، فلا يقف عند هذه المرتبة الأولى من الوعي بل يرتفع إلى مرتبة أخرى.
* الشروط اللازمة للحركة الانقلابية تقوم على الوعي أولا، وعلى الشعور بالمسؤولية ثانيا، وعلى الإيمان أخيرا، ولا بد أن تتحقق هذه الشروط لكي تخلق الحركة الصحيحة، وكل عمل يستهتر بهذه الشروط أو بعضها بحجة الإسراع هو عمل متناقض وزائف (...) أن زمن الحركة الانقلابية يرجع آخر الأمر إلى نشاطها وإلى صدقها وجديتها (103).
* إن حال حركتنا هي حال أمتنا. فالأمة العربية في هذا الدور التاريخي تبحث عن الحل الملائم لها المتكافئ مع عظمة قدرها، فتأخرها عن السير في طريق التقدم والوحدة والانسجام مع أجزاء العالم الراقي لا يفهم منه أيضا أنها ليست كالأمم الثانوية في التاريخ، فهي تذكر بأنها حملت رسالة إلى العالم، وتعرف كيف تمزق كل الأثواب الكاذبة التي يحاولون إلباسها إياها.
وكذلك حركتنا كانت مهددة في الماضي بأن تصغي إلى إيحاءات الوسط والبيئة وتسري إليها عدوى التقليد إليها شهرة الاستعجال والتشبه بالحركات الرائجة التي تنشد النجاح الرخيص، غير أن ذلك الجوهر السليم الذي تحتويه، وهو أنها حركة تاريخية، وتلك الثقة بالنفس والعقيدة الداخلية التي قلما يحسن اللسان والإفصاح عنها، لأن الضمير هو الذي يحتويها، كل هذا هو سر قوة البعث العربي وما نسميه بالإيمان.
في حركة البعث العربي يلتقي الوعي على أحسن أشكاله بالإيمان في أعمق صورة فحركتنا واعية لأنها تتطلع إلى المستقبل، إلى الأمام، إلى أعلى مستوى يمكن أن يبلغه خيرة المفكرين، والمثقفين من أبناء الشعب العربي، وتقوم على الروح العلمية والتفكير المنظم، وهي تجمع إلى جانب هذا إيمانا عميقا خصبا يمدها بالقوة الحيوية التي تجعلها تظفر على شتى المصاعب، وأبسط مقارنة نقيمها بين هذه الحركة ووسائلها المحدودة ونشأتها المتواضعة وبين الأحزاب والفئات التي تحشد الألوف وتقوم على النفوذ الاجتماعي الزائف والوجاهات، وكل ما يستطيع الوسط النفعي أن يبتكره من وسائل الإغراء تجعلنا نرى أن حركتنا قد استغنت عن طوع واختيار عن كل هذه القوى الكاذبة وزهدت فيها وآثرت طريق البساطة، وبهذا كانت قادرة على التغلب على أعدائها.
وأني أكرر ما قلته مرارا بأن الانقلاب هو محور حركتنا الذي يميزها عن سائر الحركات الأخرى، ويجب أن يفهمه البعثيون فهما داخليا عميقا، قبل أن يفهموا منه على أنه مجرد خطة لتنظيم المجتمع في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالانقلاب الذي يدعو إليه البعث العربي لا يستطيع أن يدعو إليه أي حزب آخر، أنه أوسع من أن يكون برنامجا أو خطة سياسية أو اجتماعية، وأكثر من أن يكون أسلوبا أو وسيلة لتحقيق مبادئ الحزب، إن الانقلاب هو سر هذه النفسية الجديدة في حياة العرب. وهو يعني بصورة خاصة أن العرب لا يمكن أن يصلوا إلى أهدافهم إلا إذا ساروا في ذلك مدة طويلة، في طريق طويلة، وفي اتجاه معاكس لهذا الواقع الذي نعيش فيه، فعليهم قبل أن يقدموا أنفسهم كأطباء لهذا الواقع المريض أن يسلكوا الطريق الذي يربي شخصيتهم من جديد.
إن الانقلاب هو قبل كل شيء في هذه الحركة النفسية المكافحة المعارضة إنه الدأب المشع بالإيمان الذي يخلق في العرب نفوسا جديدة وأخلاقا جديدة وتفكيرا جديدا ".
وعلى أثر هذه المقدمات التي حاولنا جاهدين تجنب الانزلاق مع مغرياتها نباشر في ذكر وتسجل الأدوات الانقلابية من خلال سؤال عفلق التالي:
"والآن نتساءل عن وسيلة الانقلاب؟"
لنبدأ أذن في ذكرها على شكل نسق إشكالي يوحد بين السؤال الانقلابي ومضمونه العقائدي (104)
1 - أدوات حية من البشر الذي يعتنقون فكرته ويناضلون في سبيل تحقيقها وبمقدار ما يكون اعتناقهم للفكرة عميقا ونضالهم في سبيلها صادقا يكون الانقلاب قويا كاملا.
2 - الانقلاب ليس له إلا معنى واحد واضح هو الصراع والمعاكسة للعقلية والخلق والمصالح السائدة لأن الانقلاب في حد ذاته هو مغالبة الحقيقة، لأن للأمة حقيقة رغم تخلفها ورغم تشوهها، وهذه الحقيقة تعلن عن نفسها مهما تكن سيطرة الواقع، الانقلاب هو هذا الإعلان هذا الإثبات لوجود الحقيقة، الانقلاب هو مغالبة المستقبل للحاضر، فقد كان ماضيا انقلابيا، ولن نبلغ مستواه ولن نلتقي به الآن إلا عن طريق الانقلاب.
3 - محاربة الأوضاع الراهنة لا لكونها فاسدة فحسب، بل نحاربها لأننا مضطرون إلى أن نحارب لأنه لا بد لنا من أن نحارب، لا بد للأمة من أن تستكشف في نفسها بقايا القوى الصادقة، وأن تستخرج من أعماقها كنوز الحيوية الكامنة، إننا نناضل ونكافح الأوضاع السياسية والاجتماعية الزائفة، الفاسدة،لا لمجرد إزالتها وتبديلها، بل أيضا لكي تعود للأمة وحدتها في هذا النضال، فالأمة أنكرت ذاتها نتيجة الغفوة الطويلة، ونتيجة التشويه الطارئ عليها حتى لم تعد تعرف ذاتها ولم يعد يعرف بعضها بعضا، لقد انقسمت أيما انقسام، فتناثرت أجزاؤها وأفرادها، وهبطت إلى مستوى وضيع من سجن الأنانية، وسجن المصالح الصغيرة، وسجن اعتياد الجمود والقعود، في مثل هذا المستوى لا تنشأ وحدة بين الأمة، ولا توجد الحرارة الكافية للتعارف والتآلف بين هذه الملايين من العرب، لا بد من مستوى مرتفع مضطرب، متحرك، لا بد من مشاق نجتازها.
4 - والتنظيم شيء أساسي وحيوي ويرافق العمل الانقلابي، بل هو من طبيعة هذا العمل ويستمد من فكرته الانقلابية (...) وأن الأغلبية الانقلابية لا بد وأن تعتد اعتمادا أساسيا على التنظيم المتناسق الحلقات والأجزاء وأن ينقطع من أجل هذا التنظيم ويتفرغ له كل من أخذ القرار بأن العمل الانقلابي صار قدره ومحراب صلاته وصومه وعيشه.
5 - الصلة القومية التي توصل الطليعة من الأمة إلى التفكير الانقلابي هي نفسها التي تساعد أكبر مساعدة على تحقيق الانقلاب.
6 - التشبع بالتراث القومي، وإن الذي يقصر في فهم التراث واستيعابه وتوظيفه في معركة الحضارة هو الذي يفقد روح التجديد وروح الابتكار هو الذي يفهم ماضي الأمة وروحها، ولا يفهم من ذلك الماضي وتلك الروح إلا القشور والمظاهر الجامدة، فالإسلام كجزء أساسي من هذا التراث نشأ في قلب العروبة وأفصح عن عبقريتها أبلغ إفصاح، وفي هذه اللفتة إلى عظمة التراث العلمية قطع مع الفكر المتغرب الذي يدعو إلى تخلي العرب عن الهوية القومية، والتنكر للذاتية التراثية، وهو دعوة للتحرك السياسي الحضاري من خلال الارتباط بالواقع التاريخي الاجتماعي والثقافي ومن معطياته الحضارية، فطلائع الوطن العربي في أغلب مراحله الصدامية مع الغرب تكونت في المدرسة القومية الإسلامية.
وبهذا البناء الإشكالي المتميز للانقلابية، يكون عفلق قد أغنى طرح المسألة الانقلابية، وقام بتوظيف، دورها ومهامها وغاياتها في الحياة العربية، الأمر الذي يبرز لنا ربط فكرة الانقلاب الحضاري به، فقد أدى إلى إحداث ثورة في الفكر العربي، بدلت أرضيته بشكل جذري (105).
من هنا إذن، أي من هذا الإسهام جاء تكليف التاريخ للحركة الانقلابية بمهام دور التوحيد والتحرير والاشتراكية، وبالمحاربة الحضارية للحركات الموسومة بالتبعية للغرب والمشحونة بالعلمانية على الطريقة الأوروبية وبمصارعتها أيضا على الدور القيادي على الرغم من وجود أكثر من عامل سياسي واجتماعي وتحريري بينهما، لأن المعركة الحضارية لا بد أن تقاد من حزب النهضة، لأنه الحزب القادر على إضفاء الطابع الوحدوي على التمايزات الاجتماعية والثقافية والقومية.
ولقد مهد طرح عفلق الإشكالية الانقلابية بهذا المستوى والتنوع والطموح إلى وضع الحركة الشعبية أمام مهامها، لتبدأ مسيرة التغيير في سائر دروب الحياة العربية، وفي مقدمتها القيم التي تخص الروح العربية (106) إلا أن تحديد المهام عند عفلق لا ينغلق على نفسه، وإنما يعطيها أولوية لإخصاب الأساس الذي أبتكره للحركة، وتحميلها دور الشروط في اكتشاف الدور التاريخي للتنظيم القومي الذي يشكل الوعاء للقوى الانقلابية والصورة المصغرة في نضالها وإجراءاتها الانقلابية.
تلك هي النقاط التي تظهر فيه القيمة التاريخية لفكر ميشال عفلق وثمة نقاط أخرى تظهر في جعل هذه الحركة أداة تحريك وتثوير للقوى الوطنية في الوطن العربي، وذلك عندما أعطى الثورة العربية صفتها الموحدة، ووضعها في قلب العصر، وفي سماء الروح العربية الأصيلة، وإنقاذ الأجيال العربية الصاعدة من الضياع بين العصيبات الجهوية والعائلية والإقليمية والثورة الأممية، وفي الربط بين الفكر العربي والتجربة العربية والنظرة الجديدة إلى العالم بما فيه الوحدة العربية.
وإضافة إلى ما تقدم، فقد كان لإشكاليته الانقلابية أسبقيتها في إعادة الأمة العربية إلى نفسها، فتحت الأبواب والنوافذ بين التجارب العربية القديمة والحديثة، وذلك عندما وضع الإسلام في موقع التجربة الرائدة والقائدة للتجربة العربية الحديثة،ووضع هذا الأخير في الموضع الذي يرد للأجيال الجديدة اعتبارها تمهيدا لإقناعها برد الاعتبار للإسلام، لا لأنه دين العرب فقط، وإنما لأنه رسالتهم التاريخية واستعدادهم الدائم.
ذلك كله يمكن إدراجه داخل إطار التفرد في إشكالية عفلق الانقلابية وذلك هو الجانب المهم، في إيقاف عملية انتزاع الهوية العربية من قبل الفكر الغربي ومدارسه في الوطن العربي، تحت رايات التقدم تارة، وتجاوز الفكر البرجوازي الصغير تارة أخرى، فإن عدة أنواع من التواطؤ. على هذه الفكرة ستظهر على التوالي في الفكر العربي المعاصر لحرمانه من تميزه وتفرده في فهم التجربة العربية واستجوابها.
الرسالة الخالدة والدور الحضاري
إذا كانت الوحدة العربية تشكل أهم أحد المحاور في فكر الأستاذ، فإن الرسالة الخالدة تعد المحور الذي يكمل محور الوحدة ويندمج به، بل إن الوحدة عنده تأخذ وضعية الشرط الموضوعي للرسالة الخالدة، حيث لا يمكن للأمة العربية تبليغ رسالتها إلا إذا كانت الوحدة العربية قائمة (108): " فالرسالة شيء ملازم للأمة (..) وكل أمة من حقها أن تطمح في أن تكون لها رسالة. ". لكن الرسالات عند الأستاذ ليست واحدة، وتختلف سويتها من مشروع حضاري الى مشروع حضاري آخر: "ليست كلها على السواء ذات رسالات، أو ليست رسالتها متساوية في درجات النضج، وفي مدى التحقق والشمول".
ونلاحظ من خلال تفريقه بين رسالات الأمم. أن هذا الاختلاف يشكل مدخل الحضارات للحوار والصراع، كما أنه يؤدي الى تنوع الأدوات الحضارية واختلافها.
وعلى هذا الأساس يؤكد على أهمية الرسالة بالنسبة للأمة العربية، حتى أنه يعتبرها من أهم مبررات وجودها. لأن الرسالة صفة للتحريض، وخاصية التعبئة للإنسان العربي. ولذلك يقول عنها: (109) أن الثورة هي من أجل القضاء على التخلف والاستغلال.. من أجل القضاء على الاستعمار.. ومن أجل سعادة الناس.. الخ ولكن، كل هذا يأتي بالدرجة الثانية بعد الرسالة.. لأنك إذا لم تضع الرسالة في الدرجة الأولى لا تتحرر من الاستعمار ولا تتخلص من الصهيونية. وهذه الأشياء هي الميزة لحركتنا" وخلال ربط الأستاذ بين الحضارة، والرسالة، والدور الحضاري يضع نفسه منظرا في مقدمة المفكرين القوميين العرب لعلم الحضارة وفلسفتها. وعلاقة الحوار والصراع، الحضاري بالأدوار،والرسالات الحضارية. وعلاقة الفكرة بالحضارة، وكأنه يريد أن ينبه من خلال أطروحة الرسالة الخالدة، بأن لكل حضارة فكرة، وهذه الفكرة بحال من الأحوال تتشكل هوية الحضارة ومشروعها الحضاري.
وما دام للرسالة هذه الأهمية في فكره، فأن سؤالا يطرح نفسه ما هي الرسالة الخالدة ؟ وماذا يقصد بها؟ ولماذا كانت الرسالة ميزا للأمة العربية ؟ وما هو مضمونها ؟ وهل الرسالة واحدة من اختياراته لتأكيد القيم الروحية التي ينبع منها الدين (109) "حتى تعود الروح فتسيطر مرة ثانية على الواقع وتفهمه وتستجيب لضروراته"؟
نلاحظ أنه عندما يعطي الأولوية للرسالة فأنه يقصد في جانب من جوانبها الإرادة العربية التي ترفض التجزئة والتخلف والتبعية. كما يقصد بها المهمة النضالية حتى تتمكن الأمة العربية من ممارسة دورها الحضاري. وهذه المهمة نابعة من القيم الموجودة في الثقافة العربية عندما بلغت في مرحلة من التاريخ درجة استنهاض الأمة لا بلاغ الرسالة. إذا فالرسالة على صلة بماضي الأمة العربية، وأن الكفاءة التاريخية كامنة فيها، استرجاع الموقع الحضاري المتقدم الذي بلغته الأمة. وهي في هذه الحالة المعنى الروحي الذي أفصح عنها الإسلام، وأنضج عروبتها، وأوصلها إلى الكمال والعظمة. وهذا المعنى قيمة من قيم الإسلام الذي جعل من القبائل العربية أمة عظيمة.. أمة حضارية طموحة، والطموح حالة من حالات النضال الحضاري(110) " لقد أفصح الدين في الماضي عن الرسالة العربية التي تقوم على مبادئ إنسانية. فهل معنى ذلك بأنه يتعذر على هذه الرسالة أن تكون قومية. وإذا اعتبرناها قومية فكيف فهمها غير العرب فوسعتهم وطبعتهم بطابعها؟".
وعلى ضوء توضيحه لجانب مهم من جوانب الرسالة يتساءل ؟" وهل الرسالة شيء ينتهي في وقت، أم أنها تتجدد وتتكامل مع الحياة؟ وإذا افترضنا أن مضمونها واحد فما معنى خلود الرسالة؟ هل هو جمودها، أي أنها تحوي أشياء لا تزيد ولا تنقص أم يعني أنها فوق الأشياء، وأنها نـزوع ومـهمة؟".
ويجيب الأستاذ، وهو يفند الرسالة باحثا عن المرحلة التاريخية الممثلة لحياة الأمة العربية والمفصحة عنها بدءا من الجاهلية. حيث كان السفر الجاهلي يتضمن جوانب هامة من الرسالة، ثم الإسلام الذي أحدث انقلابا في حياة العرب النفسية والمادية فكان بذلك رسالة لهم. وكان أيضا أداة ارتقاء بالحياة العربية حتى وصلت الأمة إلى أن تضع(111): " الحق فوق العروبة الى أن يتحقق اتحاد العروبة بالحق: " وفي هذا الإطار من وجوب اتحاد العروبة بالحق، يجعل الأستاذ الإسلام جزءا من القومية العربية، وجزءا من تكامل الشخصية الحضارية العربية. ولذلك يقول عن الرسالة " بأنها نزوع واستعداد أكثر من كونها أهدافا معينة محدودة. وهي أيضا في أن يتطلع العرب إلى بعث أمتهم. فهذا خير ما يقدمونه للإنسان لأن القيم الإنسانية لا يمكن أن تخصب وتتميز إلا في أمة سليمة، فعلى العرب أن يحيوا حاضرهم حتى يستطيعوا ضمان حياة مستقبلهم، لأن المستقبل لن يأتي ما لم نتوصل إلى أن نحيا حاضرنا بآلامه ومآسيه. إن الرسالة العربية الخالدة هي فهم هذا الحاضر وتلبية ندائه استجابة لضروراته. والخلود ليس شيئا بعيدا في الأفق أو خارج نطاق الزمن. أنه ينبعث من أعماق الحاضر، فإذا فهمه العرب بصدق، وعاشوه بإخلاص، فأنهم سيؤدون رسالتهم الخالدة. انهم إذا عرفوا هذه التجربة ومروا بها حتى نهايتها وتغلبوا على ضعفهم ونفسيتهم السطحية الزائفة لا يكونوا قد بنو أمتهم فحسب وأنشأوا كيانا قوميا، بل يكونون قد قدموا للإنسانية كلها نتيجة هذه التجربة أدوات صالحة أيما صلاح، ومهيأة أيما تهيئة لحمل أعظم الرسالات وأصدقها".
ونلاحظ من النص السابق أن الأستاذ خلال توصيفه الغنى لمعاني الرسالة، بأن فيها أدوات منهجية لفهم الواقع العربي وتحليله من أجل الاستجابة لضروراته، وأن في الرسالة جانب تحريضي نضالي، يتضمن البعد الوطني والقومي والإنساني، ويتلخص في نهوض الأمة العربية وتخلصها من كل ما يعيقها عن ممارسة إنسانيتها. ومن الجوانب أو الأبعاد النضالية في الرسالة: البعد الوطني، البعد القومي. البعد الإنساني، يستخلص الأستاذ القانون الحضاري الذي يتمثل في أن، الحق فوق العروبة إلى أن يتحقق اتحاد العروبة بالحق.. والرسالة تعني في حالة من حالاتها الإسلام: "رجل من العرب بلغ رسالة سماوية فراح يدعو إليها البشر، من أجل أن تصل بالحالة الحضارية العربية إلى ما أسماه الأستاذ عفلق "الإنسانية العربية".
وما دامت الرسالة في عمقها التراثي تشكل خصوصية قومية الأمة العربية، وأحد تجليات خصوصية الأمة عن غيرها من الأمم، فأنها لا محالة ستجعل الغرب في موقف معاد للعرب، يعمل على ضرب تحركهم الحضاري. ويجعل هذا العداء في قوله التالي " إن أوربا كما كانت في الماضي تخاف على نفسها من الإسلام " إذا هي " حرب حضارية لصد عقلية التخلف والهمجية وحرب للدفاع عن شخصية الأمة العربية، ووحدتها ودورها الحضاري "ونراه في النص التالي يحدد هدف هذه الحرب الحضارية (112) "أليست العروبة هي المستهدفة قبل أي قومية أخرى، وأية عقيدة أخرى من الاستعمار والصهيونية، وكل قوى الشر والتسلط والاستغلال في العالم. أليس حقدهم عليها يرجع إلى الحروب الصليبية، والى ما قبلها. ولم نشاهد أن الغرب لاحق بعدائه شعبا بمثل الإصرار الذي لاحق به الأمة العربية ؟ أليس بدافع هذا الحقد. ومن أجل منع الوحدة العربية وتعطيل النهضة العربية أصطنع الغرب الكيان الصهيوني الذي اغتصب فلسطين، وأصبح قاعدة كبرى للتوسع والعدوان ". أليست العروبة هي المستهدفة، قبل غيرها، لأنها تستطيع أن تجمع وتوحد الشعوب الإسلامية، وشعوب العالم الثالث ضمن منظور حضاري تقدمي، يحفظ لكل شعب شخصيته القومية وسيادته؟ ويقيم التعاون على أساس الحرية لا القسر وباتجاه التقدم والمستقبل لا بعقلية التخلف والفوضى".
وهكذا يمضي الأستاذ في إغناء مفهوم الرسالة، تمهيدا لتوضيح الدور الحضاري، من خلال تركيزه على أهمية الأفق الروحي والأخلاقي لأمتنا العربية. وهجمة الغرب على الوحدة العربية، وثورتها التي تشكل نقطة الانطلاق في أداء الأمة العربية رسالتها التي تقوم مقام هويتها الحضارية مرة، وشرطا لبلوغ دورها الحضاري مرة ثانية. ويكتب الأستاذ في هذا الصدد: (113) "ويمكن أن نعلن في ذلك الوقت أننا أمة واحدة وأن لنا رسالة إنسانية إلى العالم. هذا يعني أنه بدون هذا الأفق، بدون أن نضع لنضالنا ولثورتنا هذه الأفق الروحي والأخلاقي فإننا لن نتكافأ مع الصعوبات والظروف القاسية والأعداء الأقوياء الذين يحاربوننا، ويحاربون وحدتنا، ويحاربون نهضتنا فلكي تكون الثورة العربية اذن ثورة كباقي الثورات في هذا العصر، لابد أن تكون ثورة مميزة حتى تنجح، لأنه ليس في هذا العصر أمة وضع في طريقها مثل ما وضع في طريق الأمة العربية من عراقيل. ليس هناك بلد تكالبت عليه القوى الاستعمارية لتمعن في تجزئته، ولتمعن في تفتيته وتشويهه، ولتفرض عليه ما هو ضد طبيعته، ولتفقره وتشله مثلما وضع على كاهل الأمة العربية.
هذا الدليل الكبير الذي لا يحتاج الى مزيد من البراهين، إنه اغتصاب فلسطين وهو الدليل الواضح الساطع على أن ما دبر لقتل الأمة العربية وتمزيقها لم يدبر لأية أمة، أو لأي شعب آخر، وقد أقول في كل العصور، وليس في عصرنا هذا فحسب".
إذا هي حرب حضارية مستمرة، غير متوقفة بين العرب والغرب (114) "لا بد أن نستنتج أن لا مهرب من المعركة. وأنها معركة في منتهى القسوة والضراوة، معركة مع قوى البغي والاغتصاب والتخلف والاستغلال والرجعية. لا يمكن أن نصل إلى حقوقنا دون خوض هذه المعركة. وبالتالي فيجب أن نكون صريحين ومنطقيين مع أنفسنا وأن نهييء الجو لدخول هذه المعركة".
لكن هذه الحرب الحضارية المستمرة من قبل الغرب ضد الآمة العربية تظهر في مستويات عدة. حيث يراها مرة في "معركة الوحدة العربية" ومرة ثانية في "معركة تحرير فلسطين" ومرة ثالثة في "معركة تحرير الإنسانية من خلال تحرير فلسطين". وهو اذ يربط بين هذه المستويات فانه يراه من خلال الدور الذي أعطاه الإسلام إلى الأمة العربية (115) "لأنها ابتداء من الإسلام ولدت ولادة جديدة وأصبحت أمة عظيمة تاريخية، لها دور أساس في تاريخ الإنسانية، وفي صنع مستقبل الإنسانية. الإسلام أعطى للأمة العربية هذه الأبعاد.. أعطاها مسؤولية الدور الإنساني العظيم". كما يراه من الرابطة التالية بقوله (116) "مصير الإنسانية مرتبط بمصير العرب، تقدم الإنسانية مرتبط بتقدم الأمة العربية وتحررها".
وعلى هذا الأساس، تصبح المعارك التي تخوضها الأمة العربية، من وجهة نظر الأستاذ، بمثابة شروط لبلوغ المعركة الحضارية مستواها الإنساني. ويلخص ذلك قوله: "إن نضال الأمة العربية سيفتح عهدا جديدا للعالم كله، للإنسانية كلها".
وينبه البعد الإنساني لمعركة الحضارة العربية ان فكرة، أو مسألة الدور لم تصبح معلما من فكره نتيجة لمنطق الرغبة، أو لتعسف فكري قرره إيمانه المطلق بأمته العربية، بل من خلال اكتشافه دور الإسلام في حياة الأمة العربية، حيث ولدت الأمة العربية ولادة جديدة بالإسلام، كما أن الإسلام " أعطاها مسؤولية الدور الإنساني العظيم".
وهو إذ يرى الإسلام بهذه الشفافية فهو لا يراه بوصفه تراثا أو ثقافة فقط، بل من خلال عظمة تجربة الإسلام وعمقها في حياة الأمة العربية (117) " هي أمة حكم عليها، والى الأبد، أن تكون متميزة عن باقي البشر لأنها ذاقت طعم شيء لم يشاركها أحد فيه. ونحن هنا نستبعد – طبعا - كل المعاني السطحية لهذا الكلام. كالغرور والانفتاح والتفاخر.. فليس هذا هو المقصود، عندما أقول أن الأمة العربية تميزت بهذا الحادث الفريد الذي طبعها إلى الأبد، وإنها فعلا، لا يمكن أن تستطيب شيئا أقل من مستوى الوحي الإلهي.. الشيء السماوي الذي هو أيضا بشرى متجسد في عقل بشري واضح".
عندما نضع يدنا على هذه الميزة للأمة العربية بهذا الوضوح، وبهذه الواقعية، وهذه القوة، فلاشك أنها توحي بطريق خاص للثورة العربية، ليس المطلوب فيه أن تخالف العقل البشري، أو أن تخالف العصر والقوانين العلمية ضمن قوانين العقل والعلم يعطي هذا الاكتشاف لحركة الثورة خصوصية، يعطيها مستوى، وأخلاقا معينة. كما يعطيها سعة إنسانية وكونية، يعطيها اتساعا وشمولا".
هذا التوكيد القاطع، يفرض علينا، أن نسأل ونتساءل: أليس المدى الإنساني والكوني للثورة العربية هو الدور الحضاري عينه؟ ثم أليس هذا الدور هو حامل الرسالة الخالدة في المشروع الفكري لدى الأستاذ، وأداة تبليغها إلى الأمم الأخرى ؟ ثم أليس اختلاف الرسالات وتباين الأدوار هو السبيل إلى حوار الحضارات وصراعها؟
وإذا كان الإسلام هو السبب المباشر لظهور دور حضاري جديد للأمة العربية، فإن هذا الدور لا يبقى ساكنا في قوالب جامدة. وأطر تقليدية، بل يتجدد ويغتني من خلال حياة الأمة وتجاربها المتجددة.
وها هو يرصد الآثار المباشرة وغير المباشرة للظاهرة الاستعمارية على الدور الحضاري، معتمدا، هذه المرة، على قانون الفعل ورد الفعل من واقعة اغتصاب فلسطين، وإقامة الكيان الصهيوني (118) "إن الظلم الواقع على الأمة العربية والعدوان والاغتصاب وكل العوائق الاستعمارية. وأضخم ما فيه إقامة الكيان الصهيوني. كل هذه فرضت على الأمة العربية أن تكون ثورتها أعمق وأكثر مبدئية في العصر، لأنها بدون ذلك لا تستطيع أن تغالب هذه القوى المعادية". كما أنها بحكم تجربتها التاريخية من ظهور الإسلام حتى اعتداءات الغرب المتكررة عليها حتى الآن تصبح كما يقول الأستاذ صورة (119) "مصغرة للإنسانية، ليست معزولة على الهامش. وليست حاقدة رغم كل ما أصابها. ولذلك انفردت الأمة العربية بحضارة إنسانية اقترنت برسالة دينية لها خصائصها المعروفة".
وبما أن الأستاذ كشف الطابع الحضاري والديني للمعركة الحضارية بين العرب والغرب، فان ضمن الدور الحضاري للأمة العربية سمة دينية ومهمة إسلامية، وبهذا الاكتشاف يكون قد حقق إضافة فكرية معرفيه للفكر القومي تنقذه من الوقوع في مصيدة العامل الواحد من جهة، وتجعله يرى المعركة الحضارية العربية كما هي عليه، قائمة على أساس ديني وحضاري مع الغرب ونعني بالدين أن الغرب يريد الدين المسيحي على صورته، وتحت قيادته. وهذا الأمر لم يره غيره من المفكرين القوميين، ولذلك يحسب له بوصفه المنظر القومي الأكثر توفيقا في تشخيص الصراع الحضاري العربي - الغربي.
وفي هذه اللحظة يمكن أن نرى الدور الداخلي للرسالة الخالدة، أي في قلب الحياة العربية. من خلال قوله بالإنسانية العربية. ووضعها بأنها معطى إسلامي، وعلى هذا الأساس نستنتج أن الرسالة الخالدة شكلت عصمة للعروبة من المغالاة والعنصرية والعداوة للأمم، كتب يقول مؤكدا على هذه العصمة (120) ما دمنا نعتبر العروبة جسما روحه الإسلام، فلا خوف أن تشتط القومية العربية، وتقع في الأمراض التي وقعت فيها الدول الاستعمارية. "لأن هناك قوميات اشتطت حتى مارست عنصريتها ضد الأمم الأخرى مثل النازية والقوميات الأوربية التي اندفعت خارج حدودها لاستعمار الأمم واستغلال خيراتها، ومثل الصهيونية التي اغتصبت فلسطين تحت دعاوى دينية تلمودية تقول بالشعب اليهودي المختار الذي لا يقبل الأغيار. ولقد أكد الأستاذ على هذه الخاصية الصهيونية الدينية في أكثر من مكان من أعماله الكاملة على النحو الذي سنشير إليه بعد قليل، وخاصة في صراع الأدوار الحضارية بين الحركة الصهيونية، والأمة العربية لأن الخطر(121) الصهيوني ليس مجرد غزو اقتصادي يحركه المال والطمع المادي، وإنما هو في الدرجة الأولى غزو ديني لا يشبهه في التاريخ إلا الحروب الصليبية".
وبما أنه رأى المعركة الحضارية مع الغرب قائمة على أساس الخوف من الإسلام، قصد أن يؤكد للغرب أن هذا الخوف لا مبرر له على الإطلاق،لأن الإسلام يؤمن بالديانات السماوية كلها، كما ان الإسلام أوجد إنسانية عربية ترفض التعصب الحضاري وتنتقده بشدة. ومن هذه المعرفة يدعو إلى التواصل الحضاري المدروس، ويرفض على الأمة العربية الانغلاق على نفسها، لأنها أثبتت قدرتها على هضم الثقافات الوافدة إليها أو المتصلة معها. ولكن بشرط أن تستكمل نهضتها وتنضج شخصيتها الحضارية. وكل اتصال دون ذلك يعرض تلك الشخصية للاعوجاج. وقال بهذا الشأن (122) للأمة العربية تاريخا مستقلا عن التاريخ الغربي الأوربي (...) ولكن العرب لا ينكرون ضرورة اتصالهم بالعالم الحديث. إلا انهم لا يرون إمكانية الإفادة من الاتصال الثقافي إلا إذا تكونت شخصيتهم القومية، وبلغت حدا كافيا من النمو والوضوح والوعي لخصائصها يسمح بتمثل الأفكار الأجنبية".
ويحمل المقطع السابق دعوته للاتصال الثقافي، ولكن ضمن شروط محددة، وليس على الحبل الغارب كما يريد دعاة الاستغراب، تحت حجة الفائدة من الانفتاح على ثقافة الغرب. فهو يحذر من الانغلاق الثقافي، لكنه على طريقة علماء الانثروبولوجيا الثقافية يدعو للاتصال المدروس حتى لا تفلت من أهل العلم الثقافي ورجال الحضارة والعلم الحضاري ودعاة العروبة’ عمليات التحلي والاكتساب التي تحدثنا عنها في متن الكتاب، بحيث تتم على هوى الثقافات الغربية، وإنما تخضع لإرادة الأمة والخطط الثقافية التي تضعها مؤسساتها المتخصصة (123) ونحن إذا تتبعنا تجليات مفهوم الدور الحضاري في فكر الأستاذ، نلاحظ أن طرحنا للقضية الثقافية كان يريد أن يقول أن الأستاذ أعطى أهمية للتأثير المتبادل بين الفكرة التي تقود وتوجه الدور الحضاري للأمة العربية وثقافتنا من جهة وثقافات الأمم وأفكارها ودورها الحضاري من جهة أخرى بناء على قانون التخلي والاكتساب، لذلك نرى الأستاذ في أحاديثه المتفرقة عن الثقافة يدعو أن يكون الوازع في اختيار العنصر الثقافي أو رفضه التوجه الحضاري والثقافي الذي تقوم به الفكرة التي قامت على أساسها الحضارة العربية واكتمال شخصية الأمة وتبلور معالمها كافة: الاقتصادية، والثقافية والسياسية.
ولنتمثل إضافات الأستاذ للفكر القومي لا بوصفه شارحا له، بل بوصفه مبدعا، عندما اكتشف الطابع الديني للصهيونية والتشابه في بعض المحددات الأساس للدور الحضاري بين الإسلام واليهودية، هذه الجوانب التي لم يراها غيره وهو يستشرف وجه الشبه الخادع. بين الصهيونية والحركة العربية (124) قد أوجد الواجهة التي فيها بعض الشبه الخادع بالخصائص العربية.. كأنه سم موضوع لهذا الجسم، فالصهيونية حركة عنصرية تقوم على دين سموي فيه الإطلاق.. لأن فيه التوحيد، وفيه الشعور القومي كذلك. وفيه فكرة الرسالة ففي الدين اليهودي،وفي الصهيونية نفسها هناك شيء من هذا.. ولكن الفروق أكبر بكثير من نقاط التشابه. أي أن الإخلاف بينها وبين القومية العربية لدرجة تبدو فيها الحركة الصهيونية وقيام الكيان الصهيوني. وكأنه الوجه المعكوس والمشبوه والنقيض للكيان العربي.. لمقوماته.. ولدوره.. ولطموحه".
وتنفرد الأمة العربية بدورها الحضاري، من خلال الإسلام الذي يمثل نقيضا لليهودية. وليست الموسوية كما عبر عنها التوراة، بأصوله غير المحرفة، وتتميز عن الصهيونية (125) "بفضل الإسلام، لأنه بدون الإسلام كان يمكن أن يبقى بعقلية قبلية.. شعب واسع رحب لا تكتنفه العقد، وهو منفتح متسامح مستنير على أرضه غير مشرد، وغير تائه، مؤمن بالمستقبل. واثق لهذا المستقبل مهما حدث. تحرر من العنصرية. ومنذ مئات السنين دخلت إليه عناصر مختلفة امتزجت به وأصبحت جزءا منه. وهو انتسابي بعقيدته وبتكوينه أيضا وبامتداد رقعة وطنه. فقد تكونت الأمة العربية بالإضافة إلى الشعب العربي من شعوب كانت في السابق قريبة من العرب، ولكنها ليست عربية، مهيأة لأن تتعرب فانصهرت في بوتقة حضارية وروحية واحدة".
وفي هذا النص المهم حدد الأستاذ الصراع كله على الدور الحضاري بين العرب والحركة الصهيونية كما وصف مزايا الأمة العربية مثل: الاتساع والانفتاح.
والإنسانية والرسالة الإسلامية. ومعركة الحضارة العربية، والدور الحضاري العربي. كما لخص طبيعة الصراع على الدور الحضاري بين العرب والغرب في خوف أوربا على نفسها من الإسلام (126): "إن أوربا اليوم، كما كانت في الماضي تخاف على نفسها من الإسلام". وهذا الاختلاف،كما قلنا، كان مدعاة للصدام مع الدور الحضاري العربي من أجل كسره، ومن ثم إلغائه. وكذا ضرب مرتكزا ته. وإخراجه من حلبة الحوار أو الصراع الحضاري، والاستئثار بالعالم على النحو الذي عليه العالم الآن.
ويلخص الأستاذ مسألة اختلاف الأدوار الحضارية بين الأمم والصراع عليها ومن أجلها بقوله (127): "إن الغرب يتابع حربا ضد الأمة العربية منذ مئات السنين.. إن امتنا لها دور آخر، ووزن آخر... لها رسالة موقعها الجغرافي المتوسط بين القارات.. العداء لها كان قبل اكتشاف ثرواتها أي أن الاقتصاد فيها ليس هو الشيء الأهم والباعث على هذه المنافسة، وهذا العداء. إن المنافسة هي بسبب هذا الدور الحضاري الذي جاء به الإسلام (...) أما العداء للعرب، فباطنه الخوف من إمكانات الدور الإنساني الذي يمكن أن يؤول إليهم".
معركة الحضارة العربية وتناوب الأدوار
أشرنا في متن الكتاب إلى أن الحضارات تتألف من ثنائية الحوار والصراع الحضاري فالحضارات تتحاور إذا كانت العناصر الحضارية المشتركة أكثر وأقوى من العناصر الحضارية غير المشتركة مثل العناصر الاقتصادية والروحية، والقيم والأهداف والأعراف والآمال والآلام. الخ.. غير أن طابع الحوار والصراع يختلف من مرحلة تاريخية إلى أخرى حسب درجة التحديات وطابعها ونوعيتها.. والمعروف أن لكل حضارة مجموعة من المحددات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. وثمة فلسفات ثقافية تقرر وجهة الحوار والصراع الحضاري،مثل الصراع العربي - الصهيوني الذي يحكمه البعد الديني، كما لاحظناه عند الأستاذ منذ قليل. وكذلك الصراع الحضاري العربي - الغربي فيه من الدين الشيء الكثير، خاصة بعد أن أصبحت هناك مسيحية صهيونية وبهذا المعنى يقول الأسـتاذ (128): "الحروب الصليبية لم تنته بعد، وصيغتها الأخيرة هي الكيان الصهيوني" ثم يقول متابعا "وأصبحت اليهودية جزءا عضويا في جسم الغرب، وحليفا" وأن "الصهيونية ليست إلا نتاج هذا الغرب وحضارته المريضة".
ونعتقد أن فكرة الحضارة والمحددات الإجماعية والثقافية هي التي تنتج الدور الحضاري ووجهته، حتى يصبح جزءا منها فتطبعه بطابعها. ولذلك ينشأ ما يسميه علماء الحضارة اختلاف الأدوار الحضارية. حيث تتباين الأدوار إما بفعل العامل العقائدي " الأيديولوجي "سواء كان دينا أو فكرا مثل الماركسية، والنازية، أو عوامل اقتصادية وقيميه الخ...، والخلاصة، إن تناوب الأدوار بين الأمم يعتبر نتيجة لاختلاف فلسفة الثقافات، وفكرة الحضارات واختلاف الرسالات. وإن تناوب الأدوار حضارة واحدة، بل هو شأن من شؤون الحضارات كلها. وهو حالة حضارية تعيد إنتاج نفسها، من حين إلى آخر، داخل الحضارة الواحدة، وبين الحضارات، وثمة حوامل اجتماعية لهذا الدور، يتصوره بعض المفكرين بالعرق مثل النازية والصهيونية ونفر آخر منهم يتصوره بالطبقة أو بالطليعة، أو بالجيل الجديد وفكرته العربية كما هو عند الأستاذ عفلق. وهذا معناه أن تناوب الأدوار، داخل الحضارة الواحدة، يعني انتقاله من قوة اجتماعية، أو اتجاه فكري وعقائدي، إلى قوه واتجاه فكري آخر. أو من قطر إلى قطر عربي آخر. وهذا نقيض لفكرة الإقليم القاعدة الذي يمتلك الديمومة على النحو الذي يقول به د. نديم البيطار في جل كتاباته التي تخص قضية الوحدة العربية. أما خارجها فيعني انتقاله من أمة إلى أخرى وثمة عوامل كثيرة تميز خصوصية وضرورات التعامل في تناوب الأدوار داخل الحضارة الواحدة، وأيضا في تفرد هذه الجهة أو تلك، أو هذه المهمة الحضارية. والمهم في أطروحتنا عن تناوب الأدوار داخل الأمة الواحدة، أن هذا التناوب لا يتم بشكل عفوي فقط، لأن التحديات تلعب دورا بارزا فيه، وعلى هذا الأساس فان تناوب الأدوار داخل الأمة ما هو إلا عملية حضارية تبتكرها الأمة وتستخدمها لإعادة إنتاج ذاتها بشكل يتفق مع شخصيتها ونمط التحديات التي تواجهها الأمة. ان تناوب الأدوار في التحليل الأخير، ركن من أركان التكوين الحضاري، وأحد دفاعات الأمة عن نفسها وهويتها عندما تضرب في هذه الجهة لتنبثق في جهة أخرى حاملة مشروعها المستقبلي.
والأمة عندما تقدم على تناوب الأدوار في مختلف صعده السياسية والجهوية الإجماعية والاتجاهات الفكرية، فإنها تضع في حسابها عوامل الوحدة والانقسام داخل بنيانها، وما يتشكل فيه من فرص الغزو الثقافي الذي يشوه بعض فئات إجماعية وثقافية ويحولها إلى قوى معادية لأمتها وترابها، وأصدق مثال على ذلك اليهود العرب. ثم بعض القوى القومية التي تخلت عن دورها القومي وارتدت إلى الولاء القطري، والجهوي في حالته الانقسامية أو الانفصالية.
ومسألة تناوب الأدوار مسألة قديمه سواء داخل الحضارة، أو بين الحضارات. فالوطن العربي كان مسرحا لتناوب الأدوار عندما كانت الديانات السماوية تظهر الواحدة بعد الأخرى.
وكان تناوب الأدوار من اليهودية إلى الإسلام مرورا بالمسيحية دلالة على أن ثمة أشياء ومهام وأخلاق وقيم تسعى السماء إلى ترسيخها في الأرض وجعلها سلوك الناس اليومي،وكأن الإسلام خاتمة الديانات السماوية. وآخر تناوب للأدوار الدينية.
ويتبين من تناوب الأدوار بالنسبة للديانات السماوية أن ثمة طرافة في اختيار الجزيرة العربية مكانا لظهور الإسلام إيمانا ورسالة، وفي اختيار المدينة قاعدة لانطلاق الفتح، فقد كانت قلب الجزيرة العربية بمنأى ومأمن من دولة الفرس والروم، وكانت مكة تئن من عبادة الأوثان، أما المدينة فكانت تملك تجربة الإيمان بالأنبياء والإله الواحد، وهي مهيأة بحكم تجربتها هذه لأن تتناوب الدور مع مكة، يوم لا تعود هذه الأخيرة قادرة على حماية طلائع الدين الإسلامي.
والخلاصة، فإن تناوب الأدوار في حقيقته عبارة عن مجموعة من الاستجابات التي تقوم بها الأمة في صراعها مع التحديات الداخلية والخارجية.، وما هو إلا مجموعة من الحلول الإبداعية، تقدم عليها الأمة لتتغلب على مشكلاتها من أجل أن يكون لها دورها الحضاري في تاريخ البشرية. ويبقى على الأمة العربية استعادة دورها الحضاري. غير إن هذا الدور يحتاج إلى شروطه، وأولها الوحدة العربية. فالوحدة هي الوعاء الذي تنمو فيه كل عوامل نهوض الآمة العربية.
الوحدة العربية والدور الحضاري
فكر الأستاذ ثري بالمفاهيم التي تغني الفكر القومي وتحرره من المفاهيم والمصطلحات التي تعود في جذورها إلى الفكر الغربي وتجربته الاجتماعية. وهذا الغنى وضع حدا لتعويم المفاهيم العربية التي لا يمكن أن نجد لها سندا موضوعيا في الحياة العربية.
وهذه المفاهيم استخلصها الأستاذ من قراءته المتأنية للحياة العربية ولتجربتها الاجتماعية. ومن تصنته المبدع لحركة التاريخ العربي. وهي مسكونة بما يجري في عمق الحياة العربية. ولذلك تميزت مفاهيمه وأطروحاته باستيعاب ما في هذه الحياة من أحداث ووقائع.
وتربع على عرش هذه المفاهيم مفهوم الوحدة العربية، والانقلابية، والجيل العربي الجديد، والعلاقة العضوية بين العروبة والإسلام، وما يوفره قدم العروبة على الإسلام من مهام جهادية على الإنسان العربي في كل زمان ومكان. ومفهوم الدور الحضاري، ومعركة الحضارة العربية والبعد الديني في هذه المعركة، وأهمية الجانب الروحي والأخلاقي في الحضارة العربية.
وجل المفاهيم التي استخلصها الأستاذ من الحياة العربية تحولت إلى محاور أساس في فكره، وثوابت في منهجه، وعلامة فارقة في الفكر القومي، تحسب له ولتياره الفكري الذي أحدث نقلة نوعية في تحليل الحياة العربية، والتحديات التي تتعرض لها ومتطلبات المستقبل.
وأدرك الأستاذ مبكرا، منذ مقالاته الأولى إن بعض المثقفين العرب ممن تأثروا إما بالثقافة الأوربية، أو أولئك الذين استأثرت بهم النـزعات الإقليمية يهاجمون فكره وأطروحته تحت حجج لا أول لها ولا آخر وقد قال في هذا الشأن ما يلي (129): "أيها الأخوان: بدأ حزبنا قبل خمسة عشر عاما، ونادى بفكرة، اعتقد بأنكم تعرفون خلاصتها. والوحدة العربية أبرز شيء فيها، وبالرغم من أن حلم الوحدة يراود العرب جميعا في مشرقهم ومغر بهم إلا أن الكثيرين حتى من المثقفين ومن العاملين في الحقل القومي كانوا ضعيفي الإيمان في أمر الوحدة، وكانوا ينسبون إلى دعوتنا الخيالية ويعتبرون بأننا نطالب بأشياء نظرية وإن هذا الحزب المؤلف من شباب وطلاب لم يختبر الواقع، ولم يعرف حدود الإمكانيات وحقيقة الصعوبات".
إلا أن هذه النظرة إلى مفاهيم الأستاذ وأطروحاته سرعان ما تغيرت، وأصبحت الكثرة المثقفة من أبناء الشعب العربي، ترى فيها المنهجية والمنطقية لأنها هي التي أحيت أهداف الأمة في الوحدة، والحرية ’ والاشتراكية. واستنهضتها إلى ما يجب أن تكون عليه فالتفت الجماهير الشعبية حولها، وناضلت من أجلها، ولا تزال حتى هذه الساعة. وقد تلمس ذلك الأستاذ بشفافية الانتماء إليها والنضال من أجلها، لأنه كان الفيلسوف المحارب: (130) "ولكن اليوم بعد خمسة عشر عاما اعتقد بأن أكثر الذين كانوا يأخذون علينا هذا التصرف في الغالب عرفوا بالتجربة بأننا لم نكن حالمين، ولا متوهمين وإن الوحدة العربية ليست مجرد حلم وخيال بل حقيقة حية سائرة في طريق التحقيق، وإنما قطعت شوطا كبيرا في هذه السنوات. ولكن أمامها أيضا أشواطا كثيرة".
والجديد في فكرة الوحدة عند الأستاذ أنه أعتبرها تعبيرا عن الوحدة القومية المفقودة، لأن العرب في المشرق والمغرب (131) "لم يعودوا يشعرون انهم أمة واحدة " كما اعتبرها تعبيرا عن الوحدة الروحية لأنها الطريق أو المدخل إلى الوحدة القومية. فإذا كانت الوحدة تمثل الواقع العربي، فان الروح تمثل جانبا مهما من الفكر الجمعي للعـرب (132) "لا يمكن تحقيق الوحدة العربية تحقيقا جديا ومتينا صامدا للزمن إلا إذا حدث انبعاث روحي في المجتمع " وعلى هذا الأساس تصبح الوحدة العربية حسب اجتهاده (133) " نتيجة للانقلاب الروحي في المجتمع العربي وهي أيضا سبب من أسباب هذا الانقلاب".
ولا بد أن نشير إلى أن الروح والسلوك الروحي عبارة عن عناصر ثقافية تشكل إحدى المحددات السلوكية والاجتماعية للشخصية العربية في فكر الأستاذ وأن الانقلاب الروحي ما هو إلا عملية ضبط وتنظيم لعمليات التخلي والاكتساب، حتى لا تتم هذه العمليات وفق التأثير أو الغزو الثقافي الآتي إليها من الثقافة الغربية لأن العرب يعيشون في حالة من التهديد إذا تمت تلك العمليات تحت تأثير الثقافة الغربية، لأن الثقافة الغربية تؤدي إلى أن (134)" أن تحل المادة محل الروح وأن يحتل الإلحاد مكان الإيمان، والانفلات والتطرف محل الأخلاق إذا لم يع الشبان مسئوليته الخطيرة ).
وأمام دعوته للسيطرة على العمليات الثقافية داخل الثقافة من أجل أن تتطور القيم الروحية تطورا إيجابيا، ينبه إلى أن هذه الدعوة لا تعنى على الإطلاق أنه يفهم منها أنه يدعو "الى المحافظة على الأوضاع الفاسدة (...) أو يظن أنه ينبذ "التفكير الواقعي ونهمل ضرورات العلم ومقتضيات التفكير العلمي". إنما هي دعوة (135)". إلى مفهوم جديد للحياة القومية. والحياة بصورة عامة، قوامه،: الإيمان بالقيم الروحية الإنسانية، وبقيم الروح العربية الأصيلة، ومظهره الانفصال الحاسم عن مفاسد الواقع ومكافحتها في طريق صاعدة شاقة تسير فيها الأمة ببطء وجهد نحو الاتصال بروحها من خلال هذا الصراع الدامي بينها وبين واقعها".
ويرى الأستاذ أن هناك مواقف متباينة بشأن الوحدة العربية. وهناك مواقف خاطئة ومواقف صحيحة، وأن هناك أيضا نظرة خاطئة للوحدة، ونظرة صحيحة. أما النظرة الصحيحة للوحدة العربية من وجهة نظره ( 136) ".. هي أن يكون أساس النهضة العربية الجديدة. أساس الانقلاب العربي المنشود ’ قائما على هذا المبدأ الذي لا يجوز التفريط فيه، أو التهاون فيه: بأن العرب أمة واحدة (...) بأنهم إن لم يكونوا عمليا موحدين، فأنهم روحيا موحدين"، كما اعتبر الأستاذ أن تحقيق الوحدة العربية تحقيقا جديا وقويا يتطلب (137) "انبعاث روحي في المجتمع العربي".
ونتساءل كيف يتم الانبعاث الروحي الذي هو أساس الوحدة وما هي شروط قيام الوحدة العربية؟.
ويجيب الأستاذ في أن نعطى المفاهيم الروحية والقيم السامية معناها الحقيقي. وأن تبنى في جو النضال.. في صميم النضال، وأن يبنى نضال الجماهير على أساس الوحدة، لأن النضال هو المعبر الصحيح عن هذه الجماهير.
ويتوصل الأستاذ من خلال إجابته السابقة عن مقتضيات الوحدة العربية وشروطها القريبة والبعيدة، المادية والروحية إلى القانون الوحدوي التالي بأن (138) "الوحدة العربية قبل كل شيء، نضال ووحدة في النضال" وهذا معناه أن كل عمل وحدوي. يتطلب مستوى معينا من النضال الشعبي الوحدوي. فالنضالات الوطنية لا يمكن أن تأخذ كل أبعادها، وتحقيق كل أهدافها إلا بوحدة النضال العربي. والمثل على ذلك الثورة الفلسطينية وثورة الجزائر والعدوان الثلاثي على مصر، ووحدة مصر وسورية.
والجدير بالذكر أن شروط الوحدة العربية موجودة ومتوفرة داخل الحياة العربية، وحاضرة في كل زمان ومكان، إلا أنها تريد وتتطلب شرط النضال الوحدوي. وهذا الشرط محكوم بإرادة الأمة العربية. إلا أن هذه الإرادة ليست على وتيرة واحدة. فهي مرة قوية ومهاجمة. ومرة ثانية ضعيفة ومهاجمة. إن الإرادة العربية هي دائما وأبدا مستهدفة من قبل الغرب والإمبريالية الأمريكية خلال الصراع على الدور الحضاري وهي أشبه برحى المعركة التي يدور حولها الصراع الحضاري بين الإمبريالية العالمية والصهيونية، والشعب العربي من المحيط إلى الخليج العربي.
وما دامت الوحدة محكومة بالظروف الداخلية والخارجية، فالسبيل إليها يختلف بموجب هذه الظروف. فإذا كانت الوحدة العربية في عقد الخمسينات والستينات من هذا القرن قد اقترنت بالنضال الجماهيري الواسع النطاق. فإن نضال الوحدة في الوقت الراهن الذي تحكمه سياسة القطب الواحد المتمثل بالإمبريالية الأمريكية يمكن أن يتم على أساس العمل العربي المشترك، ممثلا بالسوق العربية وغيرها، كما سنبينه بعد قليل بمقارنتنا بين مجتمع التجزئة، ومجتمع الوحدة العربية، أو الحياة العربية.
إن الوحدة العربية هي التي تكمن فيها الشروط الموضوعية والذاتية لممارسة الأمة العربية دورها الحضاري. وهي بوابته ومدخله الحقيقي. ولذلك اعتبرها الأستاذ حالة عربية ثورية، وتصورها تصورا انقلابيا (139) "فالوحدة في نظر البعث فكرة ثورية وعمل ثوري (...) وتتصل الوحدة بمفهومها الثوري (...) فالوحدة العربية هي وحدة الشعب العربي (...) الوحدة ثورة تأتي لتزيل التشويه وتغير الواقع وتكشف عن الأعماق وتطلق القوى الحبيسة والنظرة السليمة (...) الوحدة ثورة تاريخية (...) إن معركة الوحدة لا تنفصل حسب عقيدتنا ونظريتنا ونضالنا عن معركة الحرية وعن معركة الاشتراكية".
والوحدة العربية إذ تحظى بهذه الأهمية في فكر الأستاذ، فلأنها تعتبر القاعدة المادية والبشرية لمعركة الحضارة العربية. وهو لذلك يقول إن القطر الواحد لا يتسع لمعركة الحضارة، ولا يحقق النصر فيها. ولذلك تصبح شرطا رئيسا للعرب في تحقيق النهضة العربية، والمباشرة في أداء دورها الحضاري. ولذلك كان لها في كتاباته تجليات عدة. فهي تظهر في وحدة الأرض، وفي وحدة الثقافة العربية القائمة على تنوع ثري وخصب يغني الثقافة العربية، وتظهر أيضا في كل معركة من معارك الأمة العربية. تجلت في مواجهة الصليبية، وتجلت في الدفاع عن عروبة فلسطين، وفي ثورة الجزائر وفي العدوان الثلاثي. كما تجلت بوضوح لا لبس فيه على الإطلاق في الوقوف إلى جانب العراق وهو يواجه العدوان الأطلسي - الصهيوني. وتجلت في وحدة الإرادة العربية التي صارت هدفا يوميا للحرب النفسية التي تقوم بها الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، لأن الإرادة العربية لها منطقها الانقلابي الذي تخافه الإمبريالية العالمية. ولذلك رأى الأستاذ بأن الوحدة لا تقتصر على النطاق السياسي، وإنما تحتوي على النضال الاجتماعي والروحي. ونظر إليها أيضا بوصفها فكرة ومستوى من النضال الفكري (140): "ليست الوحدة العربية محصلة أو نتيجة لنضال الشعب العربي من أجل الحرية والاشتراكية، بل هي فكرة جديدة يجب أن توافق وتوجه هذا النضال". كما أنه يراها في الوحدة الفكرية والنفسية للشعب العربي (141): "الوحدة العربية يجب أن تبدأ بوحدة النفوس – الحالة النفسية الموحدة. بالحالة الفكرية الموحدة". وبما أن الوحدة العربية لها هذا الشأن في الحياة العربية ومستقبلها، فإنها تصبح طريق الأمة الحقيقي لممارسة دورها الحضاري في عالم لم يعد يتسع للكيانات الصغيرة، وللأمم المتخلفة والمجزأة، ففي التجزئة يتعثر تجميع الطاقات العربية سواء كانت ثروات أم عقولا بشرية. أو رأس مال، وتتشرذم قوة الأمة العربية الاقتصادية والعسكرية والأمنية.. الخ... ولذلك فان الوضع السليم للأقطار العربية في الوحدة العربية. وعلى هذا الأساس يربط الأستاذ بين تحقيق التنمية في أي قطر من الأقطار العربية بالوحدة العربية وكل ما من شانه تجميع الطاقات والثروات العربية المادية والبشرية. وإن الأوضاع القطرية تجعل التنمية مهددة بالفشل بين يوم وآخر، كما هو الحال الآن في أكثر من قطر عربي، وبهذا الصدد يقول (142): "...لا يقتصر عملنا على أن ننجح في قطر، وأن نبني في قطر واحد فقط، ولأننا بمنطق حزبنا ندرك أن عملنا وبناءنا يبقيان مهددين إذا لم تتعامل جماهيرنا الواسعة في كل قطر عربي معنا لتحصل الحصانة، الحصانة اللازمة لأن المطلوب ليس النجاح في جزء، وإنما التقدم دوما والتوسع دوما، أن نوسع رقعة النجاح".
والحقيقة أن توسيع رقعة النجاح في العمل الوحدوي مهما كانت أبعاده ومستوياته، ابتداء بالعمل العربي المشترك، والسوق العربية المشتركة والاتحاد الفدرالي، والوحدة الاندماجية ’ يؤدي لا محالة إلى نجاح العرب في معركة الحضارة، وتصبح معطيات الحضارة النابعة من الأرض العربية في متناول اليد. أي أن هذه النجاحات ستكون جزءا لا يتجزأ من معركة المستقبل (144)... "ولن تكون معركة المستقبل قائمة إذا لم يشارك فيها كل العرب (...) من أجل أن تصل معاني هذه المعركة الى قلب كل عربي. فهي البداية الصحيحة".
وربط الأستاذ بين الوحدة العربية، وبين وصول القوميات الموجودة في الوطن العربي الى حقوقها المشروعة وحرية تقرير المصير مثل الأكراد فقال: (145) "... ماذا يطلب الأكراد التحرر وتوحيد شعوبهم، وتحقيق شخصيتهم القومية ؟ إذا كانوا ينشدون التحرر فالأمة العربية هي في معركة تحرر كبرى هي أهم معارك هذا العصر، إذا ًليس من المعقول أن تتناقض حركتهم للتحرر مع حركة الأمة العربية، وإنما العكس هو الصحيح. الانسجام والتعاون والتحالف ضد العدو المشترك".
ثم يتابع قائلا في موضع آخر من عمله الموسوعي في (سبيل البعث) (146) "حيث أن المنطق لحل مشكلة الأقليات هو منطلق واحد لا يتغير، هو إنسانية قوميتنا العربية. المنطلق بأن قوميتنا ليست هي القومية المتعصبة ليست هي القومية الضيقة. ليست هي القومية المستغلة والهادفة الى التوسع. أو إلى استبعاد الآخرين قوميتنا امتزجت بالإسلام. الإسلام هو من روح العروبة أيضا، فإذا نحن نؤمن بأننا أقدر من أية أمة على حل مشكلة الأقليات منطلقين من هذه الروح من تراثنا، من مراعاة واقعنا ومصلحتنا القومية. مصلحتنا في التآخي وليست في إبقاء عوامل وأسباب التأخر الداخلي ولترك ثغرات يستغلها الأعداء في داخل بنياننا القومي".
وإذا كان الأستاذ يعطي الوحدة العربية كل القدرات والإمكانات لحل جل مشاكل الأمة العربية، فهو يفعل ذلك لأنه يرى فيها ثورة، بل ثورة الثورات وقد أعطاها هذا البعد الثوري بقوله ( 147): " الوحدة العربية أيها الرفاق، هي الثورة الحقيقية وكل ما يسبقها هو تمهيد للثورة. ولا يتخذ المعنى الثوري الحقيقي إلا عندما تتحقق الوحدة العربية. الوحدة العربية رسالة هذا العصر".
وما دامت الوحدة العربية ثورة، فالثورات دائما وأبدا تهدف إلى تحقيق رسالة. لذلك فان الوحدة العربية ستحمل الخير للعالم (148) "لأن ننظر إلى المستقبل الذي تتحقق فيه الوحدة العربية. الوحدة العربية بتقديرنا ستغير وجه العالم، هي ليست خيرا لأبنائها العرب، وإنما ستكون عصرا جديدا وحاسما في تغيير أشياء كثيرة لمصلحة الحرية، لمصلحة العدالة لمصلحة السلام بين الشعوب".
ويستفاد مما تقدم أن الأستاذ يعتبر الوحدة العربية في حد ذاتها نهضة ثورة ونهضة نضال، وإن لكل من الثورة والنهضة في الوطن العربي مهمة ورسالة، أو دور حضاري ورسالة تعبر عن هذه النهضة، وتبلغ عن أهدافها ومقوماتها واتجاهها ومقاصدها إلى الأمم الأخرى. غير أن تحقيق الوحدة الكاملة لا يتم إلا بالعمل النضالي لأن الوحدة، كما أسلفنا عند الأستاذ، ثورة، وإنها فكرة جوهرية لها مقامها في الفكر القومي ولها أيـضا (149)، وعيها الذي يجب أن يوضح ويعمم حتى يقوم التفكير ويلهب النفوس (...) إذا الوحدة ليست عملا آليا، تتم من تلقاء نفسها نتيجة للظروف والتطور. فالظروف لا تخدمها، والتطور قد يسير معاكسا لها نحو تبلور كاذب للتجزئة. فهي بهذا المعنى فاعلية (...) أي أنها تفكير انقلابي، وعمل نضالي، إن هجوم الاستعمار والصهيونية يكاد يتركز على الوحدة العربية "وقد كان الانفصال شاهدا حيا على شماتة كل القوى المعادية للوحدة بهذا الحدث المشؤوم وفي مقدمتها الإمبريالية والصهيونية العالمية، ثم يصل إلى النتيجة التالية من خلال تأكيده على العلاقة العضوية بين الوحدة والنضال في مقال له عنوانه: "النظرة المستقبلية الحضارية: "نستخلص أن نضالنا لا يمكن أن يتكافأ مع قوة الأعداء ورسائلهم إذا لم يكن أولا: نضالا عربيا، وثانيا نضالا إنسانيا".
وبعد ربطه بين الوحدة والنضال والجانب الإنساني في الوحدة العربية، يبادر إلى توضيح دور الأمة العربية الحضاري، يقول: (150) "لم تصبح القضية العربية قضية معاصرة، وموضع اهتمام العالم إلا عندما وضعت، أو جعلت نظرتها نظرة مستقبلية حضارية، إلا عندما استلهمت أصالة أمتنا التي لم تكن لترضى لنفسها بأن تنشغل بأمورها الخاصة، وبنفعها الخاص، وإنما بداية انطلاقتها الحضارية تقوم على نظرة إنسانية شاملة، وعلى تصور إنساني حضاري يرتب على الشعب العربي مسؤوليات جدية تجاه اخوته في الإنسانية، (...) وأن يتخلص العرب من التخلف والتجزئة، ولكن من أجل مشروع حضاري ترجع فيه الأمة العربية إلى العطاء الإيجابي لتتساوى مع الأمم والشعوب بهذا العالم في بناء المستقبل الحر الذي نطمح إليه".
* د. عز الدين الدياب، عربي سوري، من مواليد بلدة بسيرين - محافظة حماه عام 1938.
- حصل على بكالوريوس علم الاجتماع من جامعة القاهرة وبغداد. دبلوم الدراسات العليا في العلوم المستقبلية
من جامعة غرو نوبل - فرنسا. دكتوراه دولة في علم الاجتماع السياسي.
- عمل مفتشاً للتربية الاجتماعية، ثم مدرساً جامعياً وشغل مهاماً عدة في جامعة الدول العربية آخرها: (مديراً
لإدارة التنمية الاجتماعية).
- له الكثير من الدراسات السياسية والاجتماعية والقومية والمستقبلية المتخصصة في القضايا العربية المعاصرة، منها:
- التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام السياسي في الوطن العربي، حزب البعث العربي الاشتراكي أنموذجاً.
- أكرم الحوراني كما أعرفه. جامعة المستقبل التي يحتاجها الوطن العربي.