انتبهوا: ألف ليلة وليلة ليست عربية!
رشاد أبو شاور/روائي من فلسطين يقيم في الأردن
فماذا تكون ألف ليلة وليلة إن لم تكن عربية؟!
لو قيل إن فيها خميرة، عرقاً هندياً أو فارسياً لما استبعدنا الأمر، فالثقافات تتلاقح، تقترض من بعضها وتعيد قرضها بأحسن منه دون أن يكون في الأمر مراباة أو ابتزاز بفائدة لصوصية.
ألف ليلة وليلة!
شربتها عن طريق حّاسة السمع من إذاعة القاهرة في منتصف الخمسينات، عندما كان والدي يصطحبني معه إلى مقهى (خميس) عند الطرف الجنوبي لمخيم (النويعمة) القريب من جدول الماء الذي يتدفّق من (عين الديوك) ليروي الحقول الخضراء المترامية.
كنت أتلهّف على هبوط المساء، فألّح على والدي بالذهاب إلى المقهى، حيث أسمع ليلةً جديدةً يختتمها صوت ناعس حالم متثائب: بلغني أيّها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد أن.. ويرتفع صوت الديك معلناً أفول ليلة جديدة أنقذت فيها (شهرزاد) بالحكايات حياة بنات جنسها، وبزوغ فجر جديد يبشّر بأمل يؤنسن فيه (شهريار).
صاحبة ذلك الصوت الذي لا يمكن لمن سمعه أن ينساه هي الفنّانة الكبيرة (زوزو نبيل)، التي كتب عنها السيناريست والصحافي المصري (عاطف النمر): وننتظر الليلة التالية لنعيش معها من جديد حكاية جديدة، حتى عشنا معها وعاشت معنا في الليالي الساحرة (ألف ليلة وليلة) التي تربّت عليها أجيال وأجيال في الوطن العربي على مدى سنوات، كانت خلالها (زوزو نبيل)، أو (شهرزاد) القرن العشرين العلامة المسجّلة...
زوزو نبيل شدّتني إلى حكايات شهرزاد، وحين كانت تنغّم كلمة (مولاي) كنت أرى عرشاً وسلطاناً ناعساً كأنه طفل، وشهرزاد تسرّب الحكايات إلى نفسه فتبهجه وتجعله ينتظر بلهفة الليلة القادمة بما فيها من قّص أخاذ مثير للمخيلة، عن ناس يخوضون مغامرات في البر والبحر، في بغداد ودمشق، في بلاد فارس وبلاد الصين، حيث يختلط الإنس بالجن، ويتصارع الخير والشر، ويتنافر الحب مع الكراهية ويصطرعان.
الصوت بتعبيراته ودرجات علوه وانخفاضه، بعذوبته، بهمسه، كان ينقلني على أجنحته مع طائر (الرّخ)، ومع البنات اللواتي يرتدين أجنحة الحمام ويخلعنها ثمّ يهبطن للسباحة بأجسادهن الرشيقة الأثيرية...
كبرنا وقرأنا (ألف ليلة وليلة) وظلت ليالي شهرزاد وألف ليلة وليلة وصوت زوزو نبيل، والموسيقى المميزة في المقدمة والخاتمة المنفتحة على ليلة جديدة موعودة في البال، أقوى وأكثر تأثيراً ومتعة من القراءة البحثية الجافة.
لم يتهم أحد من الباحثين في العالم العرب بأنّهم سرقوا (ألف ليلة وليلة) وسطوا على تراث غيرهم، وتكريماً لمخيّلة العرب باتت الليالي تعرف بـ(الليالي العربية)، وأثّرت شهرزاد ولياليها في الذائقة الفنيّة العالمية مشرقاً ومغرباً، ومنها نهل موسيقيون - في مقدمتهم الروسي شوستاكوفتش صاحب (شهرزاد) الذي نعت بالشرقي لرومانسيته ولكتابته أعمالاً موسيقية مأخوذة من التراث العربي، وبخّاصة شهرزاد وعنترة - وتأثّر بها شعراء وروائيون يقّرون بفضلها على إبداعهم، ومن هؤلاء (ماركيز) الذي يعتبرها أعظم عمل قرأه في حياته، والبرازيلي (كويلهو) الذي يطريها في كل حديث معه ويعترف بتأثره بها، أمّا في السينما فحدّث ولا حرج، فالليالي العربية كانت وما زالت منجما غنيّاً بمعادنه النفيسة، وحجارته الكريمة، ولعلّنا نحن العرب أقّل الناس انتفاعاً بهذه الكنوز التي تختزنها الليالي العربية لأننا نغرق في ليلنا العربي المظلم الطويل والثقيل.
كلوديا أوت فرنسية توصف بأنها مختصّة بالثقافة العربية، وبأنها باحثة، قدّمت في معرض فرانكفورت الأخير كتاباً خلاصته أن حكايات (ألف ليلة وليلة) ليست عربية (قح)، وأن مؤلفها أرشفجي فرنسي، اهتدى إلى (الليالي) وترجمها، وبعد أن رأى رواجها وانتشارها وتلقّف الفرنسيين لها، وما عادت بها عليه، انهمك في تأليف حكايات تلبّي رغبة الذائقة الفرنسية المتلهّفة على ما تمنحه الحكايات الشرقية من إثارة أحاسيس، وما تقدّمه من جنس شرقي و...
وتستفيض لا فضّ فوها فتدّعي أن العرب ألّفوا فقط 282 من الليالي، وكل الليالي بعد خصم هاته الليالي العربية هي فرنسية من إبداع الأرشفجي الخائب (أنطون غالان) والذي تصفه كلوديا بأنه مستشرق، وبأنه طمح أن يكون سفيراً ولكن طموحه لم يتحقق، ولذا سخّر جهده في تأليف ليال عربية...
يقال في أمثالنا: كيف عرفت أنها كذبة؟ قال: من كبرها!
نعم: أكذوبة الباحثة الفرنسية كبيرة، وأنطونها هذا لا يمكن أن يتفتّق عقله ولو عن حكاية واحدة من حكايا ألف ليلة وليلة، فشهرزاد هي بنت هذه الأرض، والمجتمع، والثقافة، والزمن الذي دشّنت فيه الحكايا، والعرب في شتّى أقطارهم أضافوا (للياليهم)، فهذا عمل لا يكون إلاّ نصّاً جماعياً...
كلوديا تريد أن تقول أن مخيّلة العرب محدودة، وأنهم لا يعرفون شيئاً عن (علاء الدين والمصباح السحري) وعن حكايات عبد الله البحري وعبد الله البرّي، وأن أنطون ما غيره هو الذي (اخترع) هذه العوالم وهو يجلس في قاعة الأرشيف الباريسية دون أن يزور بغداد، أو يعرف شيئاً عن دمشق، أو يتشرّد في حواري القاهرة، أو يبحر مع البحّارة العرب إلى السند والهند والصين.
ذكّرتني نظرية كلوديا بصيحات الحروب (الصليبية) التي استهدفت وطننا العربي بحجّة "إنقاذ قبر السيّد المسيح من الكفرة"، السيّد المسيح الذي قاد ثورة على العنصرية، وتكلّم بالآرامية، وولد وعاش وتنفس وصلب على هذه الأرض...
كيف عرف أنطون (الفالوذج)؟ ومن أين له أن يمتلك كل هذه المعرفة بنفسية المرأة العربية (الشرقية) وهو قابع في أرشيفه؟
تستخسر كلوديا فينا أن نكون نحن العرب من أبدع (الليالي) قبل أن يسدل غربها الاستعماري على شرقنا ليلاً ما زال ينيخ علينا، ليلاً ثقيل الوطء ليس فيه شهرزاد تسلّينا، وتمتعنا، وتفتّح مخيلتنا بحكاياها على الدنيا الفسيحة.
عندما طرح العقيد القذافي (نظريته) حول المسرحي الإنكليزي وليم شكسبير، والتي تقول باختصار أنّه عربي وأنّ اسمه الحقيقي الشيخ زبير، استقبلت باستخفاف!
شخصياً وبدون مزاح أرى بأن نظرية العقيد أكثر وجاهة من نظرية كلوديا التي ألّفت كتاباً مدّعية أنها باحثة مختصّة بالثقافة العربية، لتقول ببياخة منطلقة من عقلية استعمارية لصوصية، أننا العرب لسنا أصحاب الليالي، وأن أنطون هو صاحبها فهي إذن ليال فرنسية!.. وكلوديا (الباحثة) لا تخبرنا كيف صارت الليالي عربية من بعد.. لعلّ أنطون نفسه ترجمها لنا!!
بغداد عاصمة (الليالي العربية) كنوزها نهبها (جوني بابا) وها هي تحترق، و(شهرزاد) تسبى، و(شهرياراتنا) يغطّون في نومهم!