التنمية في مواجهة العولمة
سوسن البرغوتي *
مفاهيم تسللت إلى العقول لتتخذ من ديناميكية واستراتيجية العولمة نظريات معاصرة تغلغلت في صلب مجتمعاتنا دون مشقة.
إن أي مجتمع استهلاكي يبقى أرضاً خصبة لتدافع معلومات وتيارات فكرية متضاربة تنال من جذوره وتفشي الإدمان للترويج على بضاعة يسهل استخدامها وفي متناول الجميع.
أمة لا تنتج.. لا تستطيع أن تخطط لتنمية شاملة، وإن كان نتاجها يعتمد على مواد أولية مستوردة، تصبح عاجزة تماما على الصمود أمام أهم غزو في هذا القرن. كما أن مرجعية الاقتصاد المستند على الموارد المستوردة من شأنه أن يجعلنا تابعين لهيمنة سياسة الرأسمالية.
احتلال القوات العسكرية من شأنه أن ينتهي يوما، لكن تغلغل العولمة في حياتنا الاجتماعية والثقافية،هو السيطرة الحقيقية لثقافة غريبة على أخرى، ومن شأنها أن تلغي بل وتقتل شخصية وهوية الثقافات الأخرى بخطوط متوازية يستحيل معها العودة إلى ما قبل الغزو. وسيؤدي بالتالي إلى تذويب ثقافات بأكملها،وإلى إجهاض كل فعل منا ، وكل توجّه نحاول من خلاله تحقيق متغيرات على مستوى المجتمع وأخلاقياته.
الأخطر والأشمل يكمن في شن حملات ترويج للعولمة بتقنين مرحلي ليحقق هيمنة النظام الرأسمالي على العالم العربي الاستهلاكي، بدءً من الوجبات السريعة وانتهاءً بالملابس العملية، التي لا تستوجب إطلاقا إلى مجهود مادي وزمني للحصول عليها.
بهذه الإغراءات.. استطاعت العولمة أن تدخل عقر دارنا ومن الباب الأوسع، دون أن ندرك تبعات تقبّل أو التكيّف مع عصر العولمة.
بعد انهيار قوى التوازن في العالم، وعدم قدرة الوطن العربي وبما يملك من ثروات وقدرات نتيجة الحروب وغياب الضمير المهني، جيّرت الدول الرأسمالية الدول النامية ومن بينها الدول العربية أن تسير بفلك هذا المنهج. واكتمل هذا المسار في ظل غياب اقتصاد مستقل، وارتماء بين أحضان الثقافة الأكثر تسويقا لاستعمار على الصعيد الاقتصادي والثقافي بشكل يلائم عصر التكنولوجيا.
تغيرت الشخصية العربية لتواكب منطق الغرب ، وتبنت نظريات لا تمت إلى بيئتنا بصلة. فالتكيّف وحوار الحضارات لا ينفي رسوخ ثوابت لدى الأمة، وهنا تستحضرني مقولة لغاندي "أفتح نوافذي أمام ثقافات العالم،على ألا تقتلعني من جذوري".
لكن ما أصاب المنطقة العربية من ارتباك وتبني الثقافة الجديدة ،والتي مهد لها الكثير من الكتاب والفلاسفة بحجة الحداثة، لا يعني إلا الارتماء بين أحضان هذه الثقافة لتختفي معها مفاهيم عربية.
والطاقة الهائلة التي تُوجه إلى استيعاب الخطأ بخطأ أفدح، بحجة التكيف لقبول طريقة حياة دخيلة، لا توجه للإنتاج الحقيقي في عملية التنمية بالالتقاء مع المصالح الوطنية، وليس الارتماء في دائرة "المركزية" وهي الهيمنة.
خروجنا من مستنقع القبلية والطائفية، بحاجة إلى تنوير الفكر والعمل على استخدام العلم بطريقة تتجاوب مع حاجاتنا، وقدرة تقنية ومرجعية على حوار الآخر بشكل يكفل احترامه وتقبله لما نطرحه بموضوعية، لا أن نتبع خطوات الأثر لاهثين وراء الإدمان على استهلاك بضاعة مدنية بحتة لا شأن للحضارة بها من قريب أو بعيد.
الإصلاح والتجديد لا يمكن أن يبدأ باللحاق بالعالم الغربي، وإنما بالخروج من بوتقة الـ أنا.. وإتقان فن الحوار وتقبّل ومناقشة فكر الآخر، وبوعي كامل إلى ضرورة تحقيق التوازن الاقتصادي القائد إلى تحقيق بناء شامل لبنية المجتمع العربي.
ولا شك في أن رواسب الاحتلالات السابقة نزعت منا القدرة على الرؤية الصحيحة، لنستخدم أدوات العصر، والدفاع عن ثقافتنا، وهي نقاط ارتكاز لعملية التنمية الشاملة.
فالتوجه الصحيح إلى تنمية إيجابية تؤتي بثمار يجب أن تأخذ على عاتقها التحرك بإطار سليم لنظام متسلسل بمؤسسات اجتماعية، تعمل على إعادة بناء الثقة تتوافق مع مطالب وتحقيق إنجازات، ولا يعتمد على مركزية القرار ومحسوبية المنصب.
حان الوقت أن نعترف أننا أمة مهزومة، ولا نخفي تلك الحقيقة. بل نعيد ترتيب بيتنا من الداخل، لننطلق من مبدأ العمل الجماعي والتنافس من أجل المصلحة العامة.
الحرية المسؤولة في مناخ يعطي الدفع لتلك القوة التي تمنح الصوت وحرية الرأي المبني على أساس العلم والقدرة على تبادل الأدوار في إنجاز خطة تنموية، بناء على أسس سليمة تضمن استمرار ونجاح أي مشروع من شأنه دفع عجلة التطور الحقيقي.
فإذا نظرنا إلى مسألة التحرر والحرية فإننا نجدها وحدة متكاملة بين الفرد والمجتمع، مما يزيد فينا الأهلية لقيادة مشروع بناء الشخصية الوطنية القومية القادرة على إثبات ذاتها محليا وعالميا، لتؤهلها إلى إعادة البناء بشكل يضمن الاستقلالية السياسية والاقتصادية.
http://www.arabiancreativity.com/sb26.htm
* محررة وناشرة موقع مبدعون عرب