من حديث الشظايا والجراح
الشاعر عمر شبلي/ الصويري – لبنان
للانتفاضة الفلسطينية في الخامسة من عمرها، وللمقاومة العراقية العظيمة
|
لا عُمـْرَ للشهداءِ، احتجَّ يا أبـَدُ |
|
فليس يدركُ ماذا بعده العـَددُ |
|
عمْرُ الشهيد وعمر الضوءِ مذْ وُجـِدا |
لا ينفدانِ، إذا أهلُ الثرى نفدوا |
|
|
وكنتُ قربـَكَ.. لكنْ كنتَ مبتعداً |
لا يبلغُ الشأوُ ما تبغيهِ والأمدُ |
|
|
لن يصبحَ المرءُ كلاً في عقيدتنا |
إلا بمقدار ما يسمـو وينفردُ |
|
|
كنتَ البعيدَ.. ولكنْ كنتَ أقربَ من |
كلِّ الذين على أجفاننا اتسدوا |
|
|
وصرتَ أوْضحَ إذْ أُغْمِدْتَ في جدَثٍ |
ما أوضحَ الحبَّ إذْ يخفى وينغمدُ |
|
|
يا ابن الترابِ، وكيف اجتزْتَ ظُلمَتنا |
وكيف توجَدُ حيث النورُ ينـْوَجـِدُ!! |
|
|
لولا جراحكَ ما ظلـَّتْ لنا قِيـَمٌ |
يا لَلجراح غدتْ تـُرجى وتـُفتـَقـَدُ |
|
|
ونحن بعدكَ (سيزيفٌ) وصخرتُهُ |
وأنت وحدكَ لا صخرٌ ولا نكـَدُ |
|
|
لقد قـُتـِلـْتَ كثيراً واعتـُقِلْتَ بنا |
ثم انتفضتَ فمات القتـلُ والـزرَدُ |
|
|
وحين تـُدْرَجُ في مثواك منفرداً |
بكلِّ أهلكَ في (جينينَ) تتحدُ |
|
|
بكلِّ أهلكَ في (جينينَ) تتحدُ |
أوجاعها بولادات الهوى تعـِدُ |
|
|
|
|
|
|
يا لانتفاضة جرحٍ حين تقهرُه |
تمتدُّ منه لتمزيـق الحديدِ يــدُ |
|
|
جرحٌ يقاومُ أنـيـابـاً وأسلــحةً |
وليس للجرح إلاّ جرحه ُ سندُ |
|
|
وكلُّ أعلامنا ليست تضمــِّدُهُ |
لأنَّ من يرفع الأعلامَ مفتقــَدُ |
|
|
ويرتدي دمـَهُ المسفوحَ في رفحٍ |
على انتظارِ ذوي القربى وما وعدوا |
|
|
واستنـْوَقتْ أمةٌ من طولِ ما حُلـِبتْ |
أما الرعاةُ فلا شدقٌ ولا زبـَدُ |
|
|
ينقِّبون عن البترول في دمنا |
وصار أضيقَ سجنٍ حولنا البلدُ |
|
|
خجلتُ منكَ تـُلفُّ الآن في علمٍ |
وليس خلفكَ صوتُ الأمـَّة النـَجُدُ |
|
|
أبيع كلَّ سلاحٍ في مخازننا |
لأشتري حجراً قد صوَّبتْهُ يدُ |
|
|
فديتُ كلَّ بنانٍ ضرَّجتْ حجراً |
بكلِّ عرشٍ له من عظمنـا وتـِدُ |
|
|
وكلـما في ثرى الفلُّــوجةِ اتسدتْ |
أقمارُها قلتُ: في جينينَ تــتسدُ |
|
|
جراحــُهم في قبور النور واحدةٌ
|
فيها الإلهيُّ بالأرضيِّ يتّـحدُ |
|
|
ووعيهم مستقلٌّ في بنادقهمْ |
وعيُ القذيفةِ لا زيــغٌ ولا أَوَدُ |
|
|
يستعمرون فؤادي كلما عبروا |
إلى الردى أو إلى أحلامهم نهدوا |
|
|
لا يجزعون لأنَّ الحبّ يعصمهمْ |
والحبُّ والرعبُ لا يحويهما جسدُ |
|
|
همْ أنبياءٌ وكانوا يـُطرَدون على |
أبواب ما ركعوا فيه وما سجدوا |
|
|
ذروا التصايحَ من خلف الجدار لنا |
من المقابر لا يـُرجى لكم سندُ |
|
|
ولن نغسِّلــَكمْ حتى بأدمعنا |
ولن نصلي عليكمْ.. صدقـُنا فندُ |
|
|
نحن الذين دُفـِنــّا في تخاذلنا |
أما الذين قـضَوْا بالحبِّ ما فُقِدوا |
|
|
يا للزمان الذي يغدو السلاحُ به |
لحمـاً.. ويا لذوي القربى وكم جحدوا |
|
|
الخانعون وكم باعوا مآذنـــَنا |
وفي يد الجِبْتِ والنخــّاس كم كسدوا |
|
|
والراسخون تماماً في عمالتهمْ |
لا يشمتُ المجدُ إنْ زالوا، وإنْ وُجِدوا |
|
|
وعندما طرقتْ روحي قلوبـَهمُ |
رأيتُ صحراءَ لا يمشي بها أحدُ |
|
|
|
|
|
|
فتى فلسطينَ: عَضَّ القيدَ ثانيةً |
واجعلْ شظاياكَ ما يـُبنى به البلدُ |
|
|
حدِّثْ عن الشمس جوفَ الحوتِ تحت دجىً |
به صداقتُكمْ للشمس تـُنتـْقـَدُ |
|
|
وقد تجوع وقد تعرى هناك وقد |
ينمو على معصميكَ الجرحُ والصفدُ |
|
|
طموحُ قلبك أن يعطي كسنبلةٍ |
لكنَّ من بذروا في الأرض ما حصدوا |
|
|
يقرِّر الرأسُ أحياناً عن الجسدِ |
المنذورِ.. إنَّ غذاءَ الرحلة الجسدُ |
|
|
تنمو الحجارةُ فوق القبر إنْ سُقـِيتْ |
دمعاً له من شظايا حبه وَقـــَدُ |
|
|
فتى فلسطينَ: لا بيسانَ ظالمةٌ |
ولا الجـليلُ ولا حيفا ولا صفدُ |
|
|
لكنَّـها الأرضُ مذْ كانت أمومتـُها |
حريصةٌ هي في استرجاع ما تلدُ |
|
|
فلا تـُثـِرْ في ثراها أيَّ موجدةٍ |
أبناؤها الصيدُ في أحضانها رقدوا |
|
|
وكم غدوتَ جميلاً في جراحكَ إذْ |
غضبـتَ.. إنَّ جمالَ العاشقِ الحــَرَدُ |
|
|
أغلى العرائس من قال العريسُ لها: |
لن يكملَ العقدُ حتى يـُفسَخَ الجسدُ |
|
|
علـَّمتـَنا كيف يغدو الجرحُ ذاكرةً |
|
وكيف تحنو على أفلاذها الكبدُ |
|
مشيتَ في مأتم الأشجار يذبحها |
نـابٌ يـُمزِّق أحشاها ويـزدردُ |
|
|
سوِّ العنادَ ضماداً.. لا تـقمْ أبداً |
إلا بحيث يكون البأسُ والجلــَدُ |
|
|
وكنتَ تدركُ أنَّ النصرَ مسألةٌ |
ليستْ تحِّدها الآلاتُ والعـُدَدُ |
|
|
ما دمتَ تحمل أسرارَ الجذورِ فلن |
يغتالَ سرَّكَ إلاّ الواحدُ الأحدُ |
|
|
خرجتَ من غزة الأحرار، عدتَ لها |
يلفــُّك الرائعان: الحبُّ والحسدُ |
|
|
في فتيةٍ آمنوا بالأرضِ، وانــتصبوا |
كالسنديان إذا ما عوصفوا صمدوا |
|
|
شظيـّةً قد تزوَّجتَ، التفتْ لترى |
عرسَ الجراح إذا ما أينعَ الجسدُ |
|
|
والشعبُ حولك يمشي في جنازته |
والجرحُ يخطبُ، والجمهورُ يحتشدُ |
|
|
يزين عيشك موتٌ أنت تملكه |
(كلكامشٌ) ما نجا منه ولا (لــُبــَدُ) |
|
|
يعلو الجدارُ على من لا انفجارَ لهُ |
ويعشقُ العيشُ من في موته أبدُ |
|
|
|
|
|
|
فتى فلسطينَ لا تكفرْ بنا فلنا |
في كلِّ صرخةِ جرحٍ صدقَ من وعدوا |
|
|
وكيف يا شجرَ الزيتونِ يلفحنا |
هذا السرابُ، ولا نشكو ولا نجدُ |
|
|
وكم هتفنا بجرحٍ لا ضمادَ له |
أخصبْ ثرانا، ففي أنهارنا ثـَمـَدُ |
|
|
ومن يصادر لي حريتي وأنا |
خُلقْتُ كالشمس لا قيدٌ ولا زردُ |
|
|
ولن يصونَ الجمالَ المستبدَّ سوى |
موتٍ جميلٍ له مثل الحياةِ غدُ |
|
|
|
|
|
|
فلــّوجةُ انتصبي، يا بنتَ خيرِ ثرى |
لم يبقَ غيركِ ما يـُرجى ويُعتـَمدُ |
|
|
كم حدّثـتني الشظايا عن مآذنها |
وليس كلُّ حديثٍ عنده سندُ |
|
|
يقومُ فجراً بسامرّاءَ صاحبـُها |
وكربــلاءُ حسيناً آخراً تـَلـِدُ |
|
|
وقيل: يخرج من صلب الفرات فتىً |
وقيلَ: بعد الشظايا يـُجمــَعُ الجسدُ |
|
|
يداهُ مقطوعتانِ، اللهُ في دمهِ |
يطوفُ بالماء لا يـُسقى ولا يردُ |
|
|
فقلتُ: أيُّ عنادٍ يستبدُّ به |
جذعٌ يموتُ وفي أغصانه ملَدُ |
|
|
يعـَضُّ صخرته الصماءَ، يخمشها |
لا الظفرُ يعيى ولا حلقٌ به دَرَد ُ |
|
|
والحبُّ قدّسَ حقدَ الأنبياءِ ، أما |
رأيتَ كيف انجلى عن (حمزةٍ) (أُحــُدُ)! |
|
|
يغتاله صحبُه يأوي إلى دمهِ |
ويحتمي تحت سقفٍ ما له عــُمُدُ |
|
|
يظلُّ يعبر بين الماءِ آونةً |
وبينَ نارٍ لها من لحمه وقـــَدُ |
|
|
وكان في النخل من أشلائهِ سعفٌ |
وكان في النار من إيمانه برَدُ |
|
|
يغيبُ في الناس، حتى لا غيابَ له |
حضورُه كان فيمن بعده وُلــِدوا |
|
|
|
|
|
|
يا صخرةَ الله: لا تدنو السماءُ إذا |
لم يـَعـْلُ فوقكِ مصلـوبٌ ومضطَـهَدُ |
|
|
يخضرُّ مسمارهُ في صدرهِ فترى |
عليه أثمارَه الحمراءَ تنـعـقـدُ |
|
|
في كربلاءَ دمي، والقدسُ بنتُ أبي |
في جيد ربكَ من بلواهما مسَدُ |
|
|
بالأمسِ قام من المصلوب صاحبنا |
ما بالـُه اليومَ لا يعطي ولا يـَعـِدُ
|