بوش مرة أخرى.. نعم... "أمريكا قالت كلمتها"!
عبد اللطيف مهنا/كاتب وشاعر من فلسطين يقيم في سورية
أمريكا قالت كلمتها... هذه العبارة كانت بيت القصيد، عندما وردت في الكلمة التي وجهها الرئيس جورج بوش الابن لأنصاره وللشعب الأمريكي، واستطراداً العالم، بعيد إعلان فوزه بفترة رئاسية ثانية في البيت الأبيض... ماذا قالت أمريكا؟!
قبل الإجابة، لا بد من الإجابة على سؤال آخر... من هي أمريكا المقصودة هنا؟!
إنها الممثلة في 79% من الناخبين الأمريكيين، أي ما يعادل 51% من الشعب الأمريكي. وهؤلاء وهم من صوتوا لصالح إعادة انتخابه زادوا عدداً عن من صوتوا له عندما رشح نفسه لأول مرة عام الألفين وفاز برئاسة حينها، وهو فوز، كما هو معروف، كان بشق الأنفس وبحكم فضائي، بثمانية ملايين ناخب. وإجمالاً فإن الأصوات التي حصل عليها الرئيس الأمريكي المعاد انتخابه فاقت ما حصل عليها خصمه الديمقراطي جون كيري بحوالي الثلاثة ملايين صوتاً...
إذن، يمكن القول، نحن هنا أما مبايعة شعبية أمريكية بحق للرئيس الفائز، وموافقة على أسلوب إدارته ودعم لمواصلة سياستاته التي انتهجها خلال فترة رئاسته المنقضية، على رغم من أن انقساماً حاداً تشهده الساحة الوطنية الأمريكية لم يغفل عنه في كلمته، وكذا الأمر بالنسبة للمرشح الخاسر الذي أشار بدوره إلى ذلك أيضاً... أي أنه مقابل أغلبية بايعت، هناك ما يمكن وصفه بأقلية لا يستهان بها عارضت من فاز وسياساته ورموز إدارته الصانعة لتلك السياسات...
أما ماذا قالت أمريكا؟
قالت بوضوح إنها منحازة لبرنامج بوش المعهود داخلياً وخارجياً، وفق تطبيقاته المعروفة في فترة رئاسته الأولى، وأنها قد تغاضت بالتالي عن محاسبته على عثراته الخارجية وإخفاقاته الداخلية، بل لم تكتف بذلك وإنما كافئته عليها، وعليه فهو من الآن فصاعداً، أو خلال فترة رئاسيته التي ستبدأ، المفوض شعبياً في شأن مواصلة هذا البرنامج، وحتى تطويره باتجاه أن يكون بوش الثالث الراهن أشد صرامة، أو بعبارة أدق، أكثر تطرفاً في مضيه في انتهاج تلك السياسات التي حفل بها برنامجه ذاك من ما كان عليه جورج بوش الثاني، الذي كان قد بزّ والده جورج بوش الأول واختلف عنه.
وإذ قالت أمريكا ما قالته، رغم ما واجهته في سني حكمه الأربعة في فترة رئاسته المنصرمة من حروب مكلفة مادياً وبشرياً، أضرت ليس بدافع الضرائب منها فحسب، وإنما بسمعتها أيضاً، وكذا العجز المالي الهائل الذي يعانيه ميزان المدفوعات الأمريكي، فإن ذاك الذي قالته هو بمثابة تحوّل يعادل انقلاباً سياسياً واجتماعياً وثقافياً، لا يمكن تجاهل كونه جنوحاً أمريكياً إضافياً نحو اليمين الديني المتطرف، ويعد انتصاراً شعبياً لليمينيين الجدد الذين هم نسيج إدارته القائمة والقادمة، واستطراداً فوزاً للمسيحية المتصهينة التي بدأت في التفشي في الجسد الأمريكي... إنه بامتياز تفويض شعبي واسع يرفد الروح الإمبراطورية التي تحكم توجهات الإدارة الجمهورية في البيت الأبيض، ويغذي غلو الفلسفة الاستباقية التي تعتمدها في علاقاتها مع الآخر المعترض على سياساتها، ويذكي النزوع لمواصلتها حربها الدائمة على من "ليس معنا"، أو على عدوها غير المرئي المسمى بالإرهاب.
...وهذا التفويض، يرسّخه ويضمن عملية تطبيق ما يستوجبه اجتياح الجمهوريين غير المسبوق لمقاعد الكونغرس ومجلس النواب وحاكمية الولايات... وعندما نقول انتصاراً، فهذا يعني أول ما يعني انتصار ما يدعى بقيم بوش، أي الانتصار المؤكد لأيدولوجيا المحافظين الجدد على حساب البراغماتية الأمريكية التليدة المعروفة وتسخيرها لخدمة تلك الأيدولوجيا، ونصر أيما نصر لقلة أمريكية فاحشة الثراء، أي التي تعني الكارتيلات والشركات المتعددة الجنسيات، التي ضمن لها بوش الابن بفوزه ضمنياً قبول ورضى بل ودعم الغالبية غير الثرية أو الفقيرة في بلادها... واستطراداً:
إنه انتصار لشارون وتعضيد إضافيٍ لمذبحته التهويدية المستمرة ضد العرب الفلسطينيين، وبسط وشيك لقانون معاداة السامية الذي يتوعد العالم بالعقاب لمن يجرؤ فيه على مجرد انتقاد الصهيونية أو لوم إسرائيل على ما تقترفه من مذابح مكفولة التغطية غربياً في فلسطين... انتصار لدعاة ملاحقة الأمم أو الشعوب التي تعترض على المشيئة الأمريكية، أو من تستحق أمريكياً بأن توصف بالدول المارقة... هل ما تقدم، هو من غير المألوف تاريخياً، أم أنه المنطقي المنسجم بالضرورة مع الصيرورة الإمبراطورية التي مرت بها كل القوى التي شاء لها زمنها بأن تسود العالم؟
لا شك أبداً أنها الصيرورة التي لا تنثني، ولا يفلح أحد في الداخل قبل الخارج على مواجهة مسيرتها الحتمية وفق قوانين التاريخ، وعليه، كان أول ما وعد الرئيس بوش الثالث شعبه به هو:
"سنساعد الديمقراطيات الناشئة في العراق وأفغانستان حتى تقوى وتدافع عن حريتها، ومن ثم سيكون في إمكان الرجال والنساء الذين خدموا تحت العلم أن يعودوا بالأوسمة التي استحقوها".
إذن الرجال والنساء وأوسمتهم لن يعودوا قبل مساعدتهم لتلك الديمقراطيات حتى تقوى، وهم سيعودون، والحالة هذه، بأوسمتهم التي استحقوها تلك، بعد أن يحققوا الأهداف الحقيقية التي أرسلوا أصلاً من أجلها لمساعدة من يراد دمقرطتهم، أي ما يندرج، إذا ما ترجمنا تلك المساعدة على حقيقتها، تحت طائلة الاستراتيجيات الإمبراطورية وفي إطار ما يخدم مصالح مركز الكون وقطبه الأوحد... وعليه، إذن هل من عودة قريبة متوقعة؟! ...هذا لا يتفق مع منطق الأمور... كما لا يتفق مع تذكير بوش فيما بعد العالم عبر تذكيره الأمريكيين بما عرف بمبدأ بوش القائل بأن الدول التي تساند الإرهابيين سوف تعامل مثلهم... هل الحدث الأمريكي، أو الكلمة التي قالتها أمريكا، تعني إنذاراً إمبراطورياً للكون بالاستسلام للمشيئة الأمريكية؟!
هل من تفسير آخر؟
لقد قال الرئيس بوش لاحقاً أيضاً: "الناخبون الأمريكيون رسموا توجهات بلادنا للسنوات الأربع المقبلة... لقد حصلت على رأسمال سياسي... وأعتزم استثماره، وهذا هو أسلوبي".
العالم معني إذن بهذا السؤال المذكور آنفاً الذي يطرحه بقوة هذا الحدث الأمريكي... والعالم هنا، هو كل العالم:
الأمم المتحدة بمواثيقها وقوانينها، التي سبق وإن همّشت و استبعدت أو جرى توظيفها ما أمكن فيما لا ينسجم مع ميثاقها ودورها المفترض والهدف من إنشائها...
الأوروبيون: لأنهم يشعرون بالقشعريرة عندما يتذكرون مقولة من ليس معنا فهو ضدنا، ويضيقون ذرعاً بالتفرد بقرار العالم ومغانم الحروب الاستباقية وتكاليفها التي لا منجى لهم منها، ويحضرون أنفسهم من الآن لفترة تنافسية جديدة في المنطقة العربية تحديداً والعالم ككل، مع اعتراف لا يدانيه شك بموقع الحليف التابع المتبرم وغير القانع بدوره...
جوعى إفريقياً، وزملائهم في العالم: الذين يرسخون لعقود في اغلال اشتراطات البنك الدولي، وجشع الشمال المتخم وإهماله في الاستماع لأنين الجنوب المتضور...
النامون في أسيا، الذين يثير نموهم المتزايد وتطورهم الاقتصادي المتعاظم حفيظة محتكري مزرعة العالم والمتحكمين في أسواقه التي لا يريدون منافساً جديداً لهم في احتكارها...
العالم الإسلامي: الذي يصنف اليوم بحاضنة الإرهاب، والمطلوب إعادة ترتيبه وجدولته وفق أجندة الحرب على هذا المدعو بالإرهاب، أو المعني الأول بساحات حروبه الدائمة... أولم يستأسد بوذيو تايلاند بفضل أجواء هذه الحرب على مسلميها فتجندل شرطة مكافحة الشغب في مظاهرة واحدة فقط 84 متظاهراً منهم. كما أنه وببركة هذه الحرب على هذا الإرهاب، أو تحت مظلتها و إلهامها توفق رئيس الوزراء هناك فعثر على تبرير لتلك المذبحة، إذ قال، حيث أغلب الضحايا كما هو معروف مات مختنقاً: إنهم ماتوا بسبب "الضعف الناجم عن الصيام"!!!
...أنه أيضاً العالم الإسلامي ذاته الذي غدا منذ اليوم حقل التجارب المستقبلي لقانون معاداة السامية المشار إليه الذي سيتم البدء بتطبيقه قريباً.
أما المعنيون أكثر من سواهم فهم نحن العرب، لأننا نظل كما كنا سابقاً على رأس أولويات استهدافات التحول أو تداعيات الانقلاب الأمريكي، وتظل بلادنا الساحة الأكثر إغراءً لأصداء الحدث الأمريكي... نعم أمريكا قالت كلمتها فعلاً، لكن للعالم أيضاً الذي كما يبدو لم يرفع الراية البيضاء بعد، كلمته التي لا بد وأن يقولها بشكل أو بآخر... أما نحن العرب فهل سنقول شيئاً ذات يوم؟!!