بيان من هيئة المحامين في لجان دعم المقاومة في فلسطين والعراق
لم تكن قضية اقتحام مدينة الفلوجة مسألة مستقلة عن مجمل قضية احتلال العراق لولا عدة من السمات التي تضفي عليها اهتماماً استثنائياً، ومن أهمها:
1 - مثَّلت الفلوجة، بمناضليها ومجاهديها، منذ احتلال العراق أحد أهم طلائع المقاومة العراقية.
2 - على أبوابها وقف العدو صاغراً، في نيسان الماضي، ولم يتمكن من بسط سيطرته عليها. وقد أدمته وفرضت عليه البقاء خارج أسوارها.
ومن أجل أن لا تبقى تلك القلعة أنموذجاً يحتذيه المقاومون، ومن أجل إعادة المعنويات لجنود الاحتلال، اتخذت الإدارة الأميركية قراراً بالثأر من الفلوجة، بأية وسيلة ومهما كانت النتائج. ومن أجل الثأر لهزيمته، في نيسان الماضي، أخذ العدو الأميركي وقتاً طويلاً للإعداد لمعركة قاسية ووحشية. وحالما انتهى من الإعداد لها باشر بتنفيذها منذ عدة أيام.
وإذا كانت الفلوجة تتعرض لهجوم شديد في هذه الأيام فلا يعني هذا أن المعركة ابتدأت في هذه اللحظة. لأن المعركة ابتدأت منذ عدة أشهر. بالتهديد والوعيد، بالحصار والتضييق، بالحرب النفسية طوال المسافة التي تفصل بين معركتيْ نيسان الماضي وتشرين الثاني الحالي.
ولأن ما يتسرَّب عن إعداد أميركي للخروج من العراق، يرتبط بالاستحقاق الانتخابي فيه، كضاغط على الإدارة الأميركية من قبل المجتمع الدولي. جاءت معركة الفلوجة طليعة وأنموذجاً ستسير عليه مخططات الإخضاع والاذعان للمدن العراقية الأخرى التي استعصت ضد الإرادة الأميركية، لعلَّ الإدارة تستطيع أن تأتي –من خلال تمثيلية الانتخاب- بحكومة عراقية، تكتسب صفة الشرعية في كانون الثاني القادم، فتشكل أمراً واقعاً أمام الدول الممانعة للحرب والاحتلال.
وفي مثل هذا الفرض، وإذا اتَّخذ العامل الدولي –بعد كانون الثاني القادم- إجراءات، كمثل تشكيل قوات متعددة الجنسية تحت راية الأمم المتحدة، ذلك التشكيل الذي تعمل الإدارة الأميركية من أجل الحصول عليه كمخرج يخفف عنها مأزقها الذي وقعت فيه، تكون قد فرضت شرعية عراقية منقادة لأوامرها تماحك –بواسطتها- من أجل جرِّ الدول الأخرى للموافقة على معظم القرارات التي لا تنحاز ضد المصالح الأميركية التي لأجلها حصل احتلال العراق.
تأتي شمولية الانتخاب الصورية في العراق لكل محافظاته وأطيافه بغاية من الأهمية أمام المجتمع الدولي حتى الممالئ منه للإدارة الأميركية. فجنوب العراق وشماله لن يتواصلا تحت إمرة الحكومة القادمة من دون الوسط. ولأن المقاومة في وسط العراق أصبحت من القوة بالواقع الذي يمنع أية حكومة من السيطرة على العراق إذا بقيت غائبة عن وسطه، اتَّخذت الإدارة الأميركية قراراً بسحق كل من يحول دون تحقيقها.
من أجل تلك الأهداف، بالإضافة إلى سمات واقع مدينة الفلوجة الخاصة، جاءت معركة الفلوجة لتكون بداية لمعارك أخرى ستشهدها المدن الأخرى التي تستعصي على قوات الاحتلال وعملائها.
لكن، قاعدة الحرب غير النظامية –كتكتيك للمقاومة العراقية- لا تسمح لخطة العدو العسكرية بأن تأتي بالنتائج المرسومة. فالأمن في العراق –على قواعد المقاومة- لن يستتب على الإطلاق، لأن عمليات المقاومة ليست محصورة بقواعد نظامية ثابتة، أي أنها ليست حرب مواقع ينتهي الموقع وتنتهي المقاومة بعد سقوطه. بل هي معركة متنقلة ما إن تخبو في موقع حتى تحيا من جديد.
وبالقدر الذي نطمئن فيه إلى أن العدو لن يحقق أهدافه بدخول الفلوجة، لكن لا يمكننا السكوت عما ترتكبه قوات الاحتلال بحق أطفالها ونسائها وشيوخها عندما تقطع عنهم سبل الحياة من أمن وخبز ودواء وماء وحتى الهواء الذي تلوثه بشتى أنواع الإشعاعات الذرية باستخدامها «اليورانيوم المنضَّب».
إن معركة الفلوجة ليست فقط ذات وجه عسكري، فهي معركة ذات جوانب إنسانية وأخلاقية، فهي ليست بين خندقين عسكريين متقابلين، بل هي مواجهة تشنها أقذر قوة عسكرية لا تعترف بأخلاقيات الحروب التقليدية، وهي معركة ثأر يقودها عنصريون لا يعترفون بحق الشعوب الأخرى، وهي معركة ثأرية لا تأخذ القائمون بها رأفة ولا شفقة بالبشر والحجر والشجر.
في تلك المعركة اللا أخلاقية لا يسع هيئة المحامين في لجان دعم المقاومة في فلسطين والعراق، إلاَّ أن تقف إلى جانب العراقيين عامة وأهالي الفلوجة خاصة، وتضم صوتها وجهدها إلى جانبهم في معركة الدفاع عن كرامتهم. كما تناشد كل المنظمات الإنسانية العربية والدولية، وفي المقدمة منها الهيئات السياسية كجامعة الدول العربية والأمم المتحدة، وتناشدهما لكي يرفعا صوتهما عالياً لمطالبة الإدارة الأميركية بالكف عن مغامرتها العسكرية البشعة ضد الفلوجة أولاً، ومطالبتها بالانسحاب من العراق ثانياً.
كما تناشد الهيئة منظمة الصليب الأحمر الدولي ومنظمة الهلال الأحمر الدولية، ومنظمات حقوق الإنسان من أجل أن تبذل كل الجهود من أجل إنقاذ أطفال الفلوجة ونسائها ومرضاها وجرحاها من الموت المحتم تحت وطأة غياب الماء والخبز والدواء.
ولا يسعها إلاَّ أن تبعث بالتحية والإكبار لمناضلي الفلوجة ومجاهديها، وإلى أهالي الفلوجة من نساء وأطفال وشيوخ لصمودهم المدهش في ظل حصار أميركي ظالم ووحشي.
كما ترفع تحية الإكبار إلى المقاومين عن الفلوجة خاصة، وإلى كل المقاومين في المدن الأخرى عامة من أجل تخفيف الضغط عنها. ومن أجل تحرير العراق.
وليعلم الجميع أن شعباً أراد الحياة لن ترهبه أبشع الوسائل وأكثرها قذارة كالتي تمارسها قوات الاحتلال الأميركي مدعومة بقوات الاحتلال البريطاني بحق الفلوجة البطلة.
هيئة المحامين في لجان دعم المقاومة في فلسطين والعراق
لبنان بتاريخ 10/ 11/ 2004م