أمريكا و"إسرائيل".. علمان لسياسة واحدة

بقلم: جميل حامد/كاتب صحفي من فلسطين المحتلة

الاختلاف الوحيد بين حكومتي الولايات المتحدة و"إسرائيل" أنهما ينضويان تحت علمين مختلفين في اللون إلا أن السياسة التي تنتهجها الدولتان الاستعماريتان تنطلق من نفس(المنطلقات) ومن ذات (الأيدلوجيا) المبنية على التوسع في فرض أسس الهيمنة سوا كانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.

عندما توجه الناخبون الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس جديد للبيت الأبيض انطلق الأمريكيون ببطاقاتهم الانتخابية من منطلقات سياسية وأمنية واقتصادية أقرتها مؤسسة صنع القرار في واشنطن وبتوجيهات أكدت نتائج الانتخابات أنها لم تخرج عن سياق ما أقرته" المؤسسة الأمنية الأمريكية" لترتيب "الشرق الأوسط" بالتحديد بما يخدم الأهداف والاستراتيجيات المعلنة والسرية.

حكومة "التصعيد" التي أكد عليها الناخب الأمريكي جاءت لتستكمل ما بدأته وما اتفق عليه أمريكيا و"إسرائيليا" والتي تقف على رأسها المسالتان" العراقية والفلسطينية" اللتان تعتبران اليوم على رأس الأجندة التوسعية لما لهما من دلالات على" قوة الردع"... وعلى" مستوى العظمة" العسكرية والاقتصادية والأمنية.

إن ضمان سير الخطط والبرامج الاستعمارية على نحوها السليم يستدعي إخراج ما يسمى بالحمائم من دوامة الحقبة الحالية والتي تمتد من تاريخ انتخاب (اليمين المتصهين) في أمريكا وما رافقه من انتخاب (اليمين المتطرف) في "إسرائيل" ولغاية يومنا هذا الذي يعبر عن الإرادة" التصعيدية" التي اختارها الناخب الأمريكي.

يجب أن ندرك بأن "الديموقراطيين" الذين منيوا بخسارة فادحة في السباق الرئاسي على البيت الأبيض والعماليين الذين يرزح حزبهم "المعراخ " تحت سهام اليمين المتطرف من جهة وتشتت أصواته بين الأحزاب الصغيرة من جهة ثانية ما هو إلا ضمن "التقاسم الوظيفي" الذي يحتكره الحزبان الكبيران في كلا الدولتان وليس من باب الصدفة أو من باب الادعاء بفشل السياسات الحكومية إعادة الروح إلى الحزبين المريضين في المستقبل إنما لكون الحكومات الحالية التي قامت على أسس استراتيجية تحكم مراحل التوسع قد (استنفذت) مهامها الحربية والتصعيدية وكون الأوان قد آن لتأخذ "الدبلوماسية" دورها في ترتيب الأوراق على أرضية "تحصين" الاحتلالات بفرض الحلول والانتقال إلى ما بعد التحصين.

الهجوم الذي يشنه الأمريكيون على "الفلوجة" تحت اسم القوات العراقية هو نتاج منطقي للانتخابات الأمريكية التي أكدت على أن الخطط والبرامج التي اعتمدتها الولايات الأمريكية لم تستنفذ بعد ولم تستطع أربع سنوات من حكم الجمهوريين إنهائها وتتويجها بمؤتمر دولي للسلام يشرع الباب أمام حكومة علاوي الأمريكية الصنع للنيل من شرعيتها في محيطها العربي.

لم يكن لأي حكومة ديموقراطية أن تعمل على اجتياح "الفلوجة" في أوج احتفالاتها بالنصر فالجيش الأمريكي الذي يقع تحت نيران المقاومة العراقية يستدعي انتخاب حكومة تصر على انتصارها على صدام حسين وتدعم ذلك بزيادة وتيرة القمع لإثبات هيمنتها وقدرتها على تحمل الخسائر التي تلحق بها.

وهو الأمر الذي تكرر في تل أبيب عندما عقد الحزبان الكبيران برئاسة "أيهود براك" و"اريئيل شارون" صفقة نقل الحكم من" اليسار العلماني" إلى اليمين الديني المتطرف والذي جاء عقب فشل "مفاوضات كامب ديفيد" رغم أن اللقاءات الماراثونية بين الاثنين سبقت زيارة شارون للمسجد الأقصى ولمفاوضات كامب ديفيد بشهور لتدخل المنطقة في "صراع دموي" تتحمل نتيجته وأثاره الحكومة اليمينية في "إسرائيل" رغم مشاركة "حزب العمل" اليساري لليمين حربها ضد الفلسطينيين إلا انه على المستوى الدولي يتبرأ منه وهذا ما يتأكد من خلال تخلي "حزب العمل" عن "استراتيجية الدولتين" لصالح خطة الانسحاب الشارونية أحادية الجانب تمهيدا لدوره فيما بعد التنفيذ وهو الدور الذي أنيط به من(المؤسسة الصهيونية) منذ نشأته.

إن مؤشرات عودة  "أيهود براك" إلى المحفل السياسي "الإسرائيلي" بعد غياب أربع سنوات عن الساحة الحزبية والسياسية له دلالاته وله ارتباطاته بنهاية حكم اليمين الشاروني كنتاج حقيقي ومنطقي وحتمي لنهاية أمد " الصفقة" التي سبقت زيارة شارون للمسجد الأقصى ولقيادته لدفة العدوان على الشعب الفلسطيني.

من هنا فإن الحزبين "الجمهوري" في أمريكا و"الليكود" في "إسرائيل" يقومان بعملية "تشطيب" لما بدأه قبل أربعة أعوام ومن الممكن أن تستمر هذه العملية لسنوات أخرى في "تل أبيب" رغم أن التكالب الذي اجتمع على الرئيس الفلسطيني (ياسر عرفات) وساهم في  "ما آل إليه" من وضع صحي عسير عبر محاصرته في المقاطعة من جهة وما قد " يتكشف" على صعيد مسببات مرضه من جهة أخرى يقود إلى الاعتقاد بان المنطقة مقبلة على ترجمة  فعلية لنتائج التصعيد على المستوى" الشرق أوسطي " بشكل أو بأخر.

اللعبة الأمريكية – "الإسرائيلية" التي تتماشى وسياسة بعض الدول الغربية التي أثمرت عن إنهاء مرحلي لدور "الأمم المتحدة" وإنهاء شامل" للنظام العربي الرسمي" ستأخذ منحى أخر في غضون الأشهر القليلة القادمة التي ستشهد عملية إحياء للمنظمة الدولية وعملية ترميم لليسار "الإسرائيلي" المتعثر قصدا وعملية زرع كبد لحكومة العلاوي في العراق مثلما ستشهد قدرة أمريكية فائقة على مستوى فرض الحلول على دول المنطقة وعلى رأسها سوريا.

كل هذه "الاحتمالات" قابلة للحصول إذا ما نجح الاحتلال الأمريكي للعراق في القضاء على" المقاومة العراقية" التي كانت أحد الأسباب الرئيسية في فوز" جورج بوش" لولاية ثانية من جهة وإذا ما نجح الاحتلال الإسرائيلي في إجهاض الانتفاضة على أرضية الوعود التي حتما ستترافق مع الاعتراف" بقيادة فلسطينية" جديدة من الجهة المقابلة.

في "النهاية" يبقى مصير "الشرق الأوسط" والأجيال القادمة ومصير نجاح أو فشل الخطط والبرامج الاستعمارية الأمريكية والصهيونية والغربية في بوتقتها الموحدة ومستقبل المنطقة بشكل عام منوط بقدرة  "المقاومتين العراقية والفلسطينية" على الصمود في وجه الهجمة الشرسة التي تستهدف آخر معاقل العرب.