حول إعادة انتخاب بوش ومهماتنا في المرحلة القادمة

د. إبراهيم علوش/أكاديمي من الأردن

(نسخة منقحة من كلمة ألقيت في احتفالية في مجمع النقابات المهنية في عمان، الأردن، في ليلة الخميس 5/11/2004، الموافق في 21 رمضان.  وقد نظمت المناسبة اللجنة الوطنية لنقابة المهندسين الزراعيين ولجنة فلسطين في نقابة المهندسين الأردنيين).

نص الكلمة:

في البداية، أود أن أهنئكم أيها الأخوة والأخوات، وأن أهنئ نفسي، والمقاومة في فلسطين والعراق، بفوز جورج بوش الابن بولاية ثانية في البيت الأبيض.

ولولا أنه عدوٌ لحق علينا أن نوزع الحلوى.

جون كيري عدوٌ لنا أيضاً، فهما لا يختلفان على العداء للأمة، لكن الفرق بينهما، والفرق بين الديموقراطيين والجمهوريين، كالفرق بين "حزب العمل" و"الليكود" في الكيان الصهيوني، وهو الفرق بين من يتفقون على الأهداف ويسعون خلفها بوسائل مختلفة.

فـ"الديموقراطيون" في أمريكا، و"حزب العمل" في الكيان الصهيوني، يتبعان أساساً سياسة الهضم والاستيعاب والاحتواء.  أما بوش وشارون، و"الجمهوريون" و"الليكوديون" من خلفهما، فيتبعان سياسة القبضة الحديدية، ويفضلان التعامل الأمني على التعاطي السياسي، ومنطق القوة بدلاً من قوة المنطق.

وهذا، بالنسبة لنا، أمرٌ حسنٌ لا سيئ.

بوش وكيري مفصلان من قماشةٍ واحدة، ولكن ميزة "الليكوديين" و"المحافظين الجدد" على غيرهم من أعداء أمتنا أنهم لا يتركون للأنظمة العربية، ولدعاة التعايش والتطبيع، حيزاً كافياً ليروجوا لبضاعتهم بيننا.  وهم يشلون بذلك كل دعاة "العقلانية" و"الواقعية" و"السلام" و"الشرعية الدولية" و"كسب الرأي العام في المعسكر المعادي"، من أبي مازن إلى أصحاب مشروع القمة العربية في بيروت.  وهذا، بالنسبة لنا، أمرٌ حسنٌ لا سيئ. 

صقور واشنطن وتل أبيب يضعان العلاقة معنا هكذا: إما أن تذعنوا كالعبيد، وإما أن تذبحوا كالغنم.

وجمالية هذا الموقف أنه يفرض علينا، بالرغم منا، فرزاً واضحاً واختياراً قاطعاً لا عودة عنه بين الاستسلام من جهة، والمقاومة من جهةٍ أخرى.  وجمالية هذا الموقف أنه يضيق المساحة الرمادية الفاصلة بين الاستسلام والمقاومة.

انظروا إلى فلسطين مثلاً: فهناك لا تجدون الليكوديين يطرحون مشروعاً سياسياً جدياً من أي نوع، بل تجدونهم يقدمون لنا خيارين أحلاهما مرّ: الموت أو الخضوع للمشروع الصهيوني. وهو ما يعزز من ثقافة المقاومة، ويغلق الآفاق في وجه دعاة التسوية، ويؤازر من يقول: النصر أو الشهادة!

بالمقابل، كانت الفترة الأسوأ سياسياً في تاريخ العمل المقاوم في فلسطين هي الفترة الواقعة ما بين عامي 92 و96، حين كان الرئيس الديموقراطي كلينتون يحكم في البيت الأبيض، ورابين ثم بيريز من حزب العمل يحكمان في الكيان الصهيوني. في تلك الفترة، كانت قطاعات حقيقية من الشارع العربي، ولا أقول الأغلبية، تعيش أوهام التعاطي مع المشاريع السياسية التي يطرحها الطرف الأمريكي-الصهيوني، ولذلك، كان يسهل على السلطة الفلسطينية آنذاك أن تقمع وتقتل وتسجن المقاومين باسم مشروع أو هدف سياسي ثبت الآن وهمُه وعقمُه..

ولولا عبقرية العمليات الاستشهادية التي قلبت الميزان السياسي، لاستمرت تلك الحالة الرمادية حتى عام 2000.  ولكن العمليات الاستشهادية ساهمت بإسقاط بيريز عام 96 وبالإتيان بنتنياهو، ولنتنياهو يعود الفضل الأول في إقناع أقطاب النظام الرسمي العربي، ولو جزئياً ولو على مضض، بخطورة مشروع "السلام" والتطبيع.  فلنتنياهو يعود الفضل في نزع القناع عن ما يسمى السلام والتطبيع، فظهرا عندها على حقيقتيهما كمشروعٍ لتفكيك وإسقاط الأنظمة العربية نفسها التي تسير في ركابه..

ولذلك أقول أن التجديد لبوش أمرٌ حسنٌ لا سيئ!  فانتخابه لولاية ثانية سيدفع بالتناقض مع الطرف الأمريكي-الصهيوني إلى أقصى مداه، وسيجبر المترددين والكثيرين من أنصار التسوية السابقين إما على المواربة أو على تبني خطاب المقاومة، ولولا ذلك لبدأنا رحلة العودة إلى مرحلة التسعينات الرمادية، مرحلة الاختلاط وضياع المقاييس. 

وهي فرصة ذهبية لأنصار المقاومة ليعززوا من تفوقهم المعنوي والسياسي، وليرسخوا ثقافة المقاومة، ثقافة الإيمان بحتمية النصر والاستعداد غير المحدود للتضحية.

ويقال أن بوش وشارون يعتزمان الهجوم على سوريا والسودان وغيرهما، فليكن!

ها هي المقاومة في فلسطين والعراق وجنوب لبنان تثبت أنها لا تتجلى بأبهى صورها إلا عندما تتراخى قبضة الدولة القطرية العربية، وتذهب معها كل القيود التي تفرضها على حركة الشارع العربي.  ولولا حصار السلطة الفلسطينية لما ذهبت الانتفاضة إلى هذا المدى، ولو كانت الدولة اللبنانية تحكم قبضتها المركزية على جنوب لبنان عام 82، لما نشأت مقاومة لبنانية.  وعلى كل حال، لن نغير المخطط الأمريكي-الصهيوني لو ابتهلنا لكيري، عوضاً عن الابتهال بوش..

فليدخل بوش وشارون المزيد من المغامرات، وليوسعا دائرة الاشتباك إقليمياً وعالمياً، فإن ذلك لا يعني إلا المزيد من الاستنزاف للطرف الأمريكي-الصهيوني وقرب انهياره، وقرب النصر لشعوب الأرض والمستضعفين.

دعونا نكف عن الهرب من الحقيقة كما يفعل أصحاب الأصوات الرمادية: نحن في خضم صراعٍ تناحري لا يحل إلا بالعنف مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، وهذا يعني أن علينا كأفرادٍ وجماعاتٍ أن ندعم المقاومتين العراقية والفلسطينية بكل عوامل القوة، بالمال والمتطوعين والموقف السياسي الواضح، باختراق الحدود شرقاً وغرباً، كالشبان المصريين الستة إذ تسللوا على عاتقهم لتنفيذ عملية في فلسطين المحتلة، وبتصعيد الموقف الشعبي والحزبي المعارض من الأنظمة العربية وهي تكبت حركة الشارع العربي وتتذلل على عتبات واشنطن وتل أبيب..

أيها الأخوة والأخوات، عندما يستشرس العدو ويكشر عن أنيابه، وعندما يرتكب المجازر ويجرف الأراضي ويدمر المنازل، يضطر الحريصون جداً على من يسمونهم "المدنيين الإسرائيليين"، والحريصون على العاملين مع قوات الاحتلال في العراق من مختلف الألوان، يضطر كل أولئك أن يخرسوا، أو أن يؤيدوا المقاومة ولو نفاقاً إن لم يخرسوا.

أيها الأخوة والأخوات، قد أعلن الطرف الأمريكي-الصهيوني حرباً على الأمة العربية تأخذ أشكالاً شرسة ومتعددة، ولذلك، فإن مقاومة الأمة يجب أن تكون أيضاً شاملة، أي عسكرية وسياسية واقتصادية وثقافية، من حرب العصابات إلى مقاومة الصهينة والتطبيع إلى مقاطعة المنتجات الأمريكية إلى كشف الخطاب الإعلامي المتواطئ والمضلل إلى كل ما تتفتق عنه المبادرات الشعبية من وسائل لمواجهة الطرف الأمريكي-الصهيوني وأدواته ومخططاته.

ولكن المقاومة في بلادنا لا بد أن تكون شاملة في منهجها أيضاً، بمعنى:

1 - اتخاذ المقاومة موقفاً في العمل، ومنهجاً في الحياة، عند كل مستوى من مستويات الصراع.

2 -  حسم الموقف بشكل نهائي من الطرف الأمريكي-الصهيوني وأدواته، وإزالة أي تشويش بصدد إمكانية التوصل لتفاهم أو تسوية من أي نوع معه، وبالأخص، مواجهة النزعات الوسطية والانتهازية والمتذبذبة في صفوفنا.

3 - تعبئة طاقات شرائح أوسع من الشعب لخوض هذه المواجهة المفروضة علينا على أساس تفعيل المبادرات الذاتية، وإيجاد الحلول الخلاقة، واكتساب المهارات اللازمة للتغلب على الاختلال في ميزان القوى بيننا وبين العدو.

4 - العمل على خلق أطر مرنة للتنسيق بين كل القوى المعنية بهذه المواجهة على أساس هدف المقاومة الشاملة، لا على أساس الاستقطاب الحزبي الضيق أو التبعية لزعيم أوحد أو لنهج فكري محدد، مع الاحتفاظ بحق الاختلاف ضمن الخطوط الحمراء.

5 - الاستفادة من كل نقطة قوة لدينا، وكل نقطة ضعف عند العدو، لتحقيق الانتصارات التراكمية، مثلاً، نزعتنا الاستشهادية مقابل العامل البشري عند العدو، أو قوتنا الشرائية مقابل حافز الربح عند العدو، أو حرب عصاباتنا لتحييد التكنولوجيا المتقدمة عند العدو، أو عددنا وثقافتنا لاحتواء محاولات الاختراق، وهكذا..

6 - الاستعداد لتقديم التضحيات دون حساب للوصول بالمواجهة إلى نهاياتها المنطقية، إذ ليس هناك أسوأ من متقاعس عن العمل إلا من يقدم عليه بخطوات مترددة.

7 -  وأخيراً، جعل الهدف الاستراتيجي لنشاطنا خلال المرحلة المقبلة العمل على تأسيس بنى تحتية مترابطة لحركة شعبية عربية شاملة تستطيع أن تحمل على عاتقها عبء خوض المواجهة بجميع مستوياتها بصورة منظمة ومستمرة.

أيها الأخوة والأخوات، نحن لا نبدأ من فراغ، لأن لدينا كأمة إرثاً طويلاً من النضال خلفنا.  ولسنا مضطرين لحل كل المشاكل دفعة واحدة، بل علينا القيام بما نملك القيام به فحسب.  هكذا نراكم الإنجازات الصغيرة حيثما استطعنا، على طريق النصر الكبير... فالأمة تملك الكثير من الطاقات والإمكانات التي يعوزها التنظيم والخطة.. وهو ما يجب أن نركز عليه في المرحلة القادمة.