الرئيس بوش والأسواق المالية

بقلم: الدكتور لويس حبيقة/محلل اقتصادي من لبنان

لإعادة انتخاب الرئيس جورج بوش دلالات كبيرة ليس للولايات المتحدة فحسب بل للعالم أجمع. وستكون لعهده الثاني نتائج اقتصادية ومالية ودولية مهمة في الأسواق العالمية وفي اتفاقات التجارة وسعر صرف الدولار. لكن الأهم من بقاء بوش في السلطة العليا، أنه سيحكم مع أكثرية جمهورية في مجلسي الشيوخ والنواب وسيتيح له هذا الوضع أن يعين عمليا من يشاء وخصوصا حاكما جديدا للمصرف المركزي بعد ألان غرينسبان الذي تنتهي ولايته الخامسة والأخيرة في بداية سنة 2006. كما سيسمح له الوضع الجديد بتعيين قضاة المحكمة العليا التي تبت الأمور المهمة وتساهم في تحقيق تعديلات دستورية أساسية تثبت الأفكار "المحافظة" في الحياة الأميركية لعقود طويلة.

ويمكن أن يحقق انتصار الجمهوريين تحولا كبيرا في أسس المجتمع الأميركي وهويته، وفي كل السياسات التي تمارسها، أي إدارة أميركية مستقبلية. أما فوز الجمهوريين بأكثرية حكام الولايات فسيرسخ أفكارهم في قلب المجتمع الأميركي.

تتوجه أميركا أكثر فأكثر نحو اليمين سياسيا واقتصاديا واجتماعيا رغم تعثر الاقتصاد وزيادة البطالة والعجز المالي وضعف النمو خلال عهد بوش الحالي. وثمة ملايين من الأميركيين الذين يبقون من دون أي تغطية صحية أو طبية كما تحتاج مؤسسة الضمان الاجتماعي إلى إصلاح جذري وربما إلى خصخصة شاملة. ويتبين اليوم أن خسارة السيناتور جون كيري لا تعود إلى سياساته المختلفة المعلنة حول الاقتصاد والضرائب والصحة فحسب، وإنما لأنها لم تكن على موجة تفكير الأميركيين ذاتها. فأراد كيري تحقيق الإصلاح الاقتصادي - الاجتماعي في وقت يفكر الأميركيون في مواجهة "الإرهاب" والانتهاء من المستنقع العراقي بأقل تكلفة ممكنة. فبوش فاز رغم الفشل المحقق حتى اليوم في العراق وفضائح شركة هاليبرتون المتتابعة التي أساءت إلى سمعة نائب الرئيس الذي تركها رسميا منذ انتخابه الأول. لقد حصل الانتصار بسبب خوف الأميركيين من الخارج، أي من اعتداءات مماثلة لـ11 أيلول 2001.

أعطت ولاية ماساتشوستس الصغيرة الأميركيين مرشحين مهمين جدا للرئاسة، بينهم الرئيس جون كينيدي وأشقاؤه والحاكم دوكاكيس والسناتور كيير. ويتبين اليوم أيضا إن اختيار السيناتور ادواردز كمرشح لنيابة الرئاسة ربما كان خطأ، إذ أن مبرره كان سحب عدد من ولايات الجنوب من تحت أقدام الرئيس بوش وهذا ما لم ينجح. وبالعودة إلى الوراء، ربما كان اختيار شخص من الولايات الشمالية افضل بحيث يعطي أوهايو وغيرها لكيري ويتحقق فوزه تايلا. علما أن ادواردز اتهم أنه كان يحضّر للنزال الرئاسي المقبل سنة 2008 أكثر من اهتمامه بحملة الرئاسة الحالية. وربما كان هذا النزال بين ادواردز وهيلاري كلينتون ضمن الحزب الديموقراطي، والرابح منهما ضد شقيق الرئيس بوش "جيب" الحاكم الحالي لولاية فلوريدا والذي يحمل اسمه بعدا وطنيا كبيرا. هكذا تنتقل الوراثة السياسية اكثر فأكثر إلى قلب المجتمع السياسي الأميركي المرتكز أصلا على المنافسة والجهد والعمل. وفي كل حال، أظهرت نتائج الانتخابات عمق الانقسام داخل المجتمع بين المحافظين والليبراليين وبين الشمال والجنوب، كذلك بين سكان المدن والريف. ومهمة بوش التي تنحصر في جمع الشمل بين "الأميركيتين" ليست سهلة، بل تتطلب كثيرا من الحكمة والاستعداد لمد اليد فعليا للأقليات العرقية والدينية، كذلك للمحرومين.

إعادة انتخاب الرئيس بوش تعني كثيرا لأوروبا و"الشرق الاوسط"، وسيسمح انتخابه لأوروبا بتمييز نفسها أكثر وبوضوح في مقابل "أميركا بوش" وليس ضدها. فهذه فرصة كبيرة للرئيس جاك شيراك كي يحاول دفع أوروبا اكثر في اتجاه الاعتدال، وهذا ليس ممكنا في حال فاز كيري المتقارب في أفكاره مع أوروبا. أما بقاء بوش في السلطة فسيفرض عليه تحقيق ما وعد به بالنسبة إلى العراق، أي انتخابات حرة لسلطة جديدة خلال السنة المقبلة. في حين لم تتحقق الأحلام الأميركية في العراق بسبب سوء التقدير وتراكم الأخطاء وغياب الأهداف المحددة التي يمكن تحقيقها. أما التغييرات التي تحصل في قيادات العالم العربي حاليا، فتعود إلى غيابها بسبب الموت وليس بفضل الانتقال الديموقراطي. وما يمكننا تعلمه من أميركا هو جدوى انتقال السلطة من شخص إلى آخر دوريا على كل المستويات، بما فيها تهنئة الخاسر للرابح وتمنياته له علنا بالنجاح. فإذا أعطتنا أميركا أو اقتبسنا منها هذه الثقافة، فحسب، نكون حققنا الكثير لجميع شعوب المنطقة.

ومن المتوقع أن يتحسن وضع الأسواق المالية خلال الولاية الثانية لبوش، وهذا ما تظهره المؤشرات الأولية. فقد ارتفع مؤشر داو جونز فوق عتبة الـ10 آلاف النفسية، ومن المتوقع أن يستمر عليه لأن بوش مرشح قطاع الأعمال ووعدهم بمزيد من الخفوضات الضريبية كي يستثمروا اكثر. إلا أن الانعكاس سيكون سلبيا على عجز الموازنة الذي يمكن أن يصل إلى حدود الـ 4,5 آلاف مليار دولار سنة 2014 مما سيسبب تضخما كبيرا، علما أن لا حل للعجز المالي إلا عبر نمو قوي يوسع الاقتصاد والقاعدة الضريبية تاليا، ثم الضرائب المحصلة. وسيكون تحقيق هذا النمو صعبا بسبب الوضع العراقي وارتفاع أسعار النفط، مما يتيح الفرصة للديموقراطيين كي يعودوا مع آل كلينتون إلى البيت الأبيض بعد أربع سنوات. والحرب في العراق وأفغانستان كلفت الولايات المتحدة نحو 115 مليار دولار، ومن الممكن أن ترتفع التكلفة إذا لم يستتب الأمن بسرعة. أما تعزيز التجارة الدولية عبر التوقيع على جولة الدوحة للتجارة، فسيكون صعبا لأن الإدارة تتكلم عن الاقتصاد الحر والانفتاح التجاري ولا تمارسهما في أكثر الأحيان. فالإدارة الحالية وقعت في نزاعات تجارية كبيرة مع العديد من الدول والمجموعات، في مقدمها اليابان وأوروبا. ولا يمكن الوصول إلى اتفاق في جولة الدوحة إلا عبر اتفاق على الزراعة، أي تخفيف الدعم لها في الدول الغربية وشراء السلع الزراعية من الدول النامية. فهل تستطيع إدارة بوش إقناع المزارعين الذين اقترعوا لها قبول التغيير الكبير في مقابل منافع أخرى؟ أم أنها ستفرضه عمدا على المصلحة الاستراتيجية العامة؟

العلاقة بين الدولار والنفط هي سلبية في السعر، إذ إن قبول أميركا بسقوط الدولار لأسباب تصديرية يساهم في شكل غير مباشر في رفع سعر برميل النفط في الأسواق. ولا يمكن لسعر النفط أن يبقى اسميا على 20 أو 25 دولارا للبرميل عندما يسقط الدولار أمام الأورو نحو 40%. فإذا حصل ذلك، يصبح سعر برميل النفط الحقيقي بخس جدا ويشجع المستهلكين الدوليين تاليا على الإهدار الكبير، كما يقتل أي بحث جديد عن طاقات بديلة سلمية وفاعلة. كما أن ارتفاع أسعار النفط حاليا يجد جذوره في الاقتصاد إي في العرض والطلب، لكن في الاستراتيجيا النفطية والخوف من الأمن وعدم الاستقرار في الاقتصاد العالمي أيضا. والذي أدى إلى التجديد للرئيس بوش سيؤدي أيضا إلى ارتفاع سعري النفط والذهب إلى حدود اسمية عالية. في كل حال، لم يصل سعر النفط الحقيقي بعد إلى مستويات السبعينات، ولا يزال سعره تاليا أدنى مما يمكن أن يكون عليه. فإلى أي مدى تقبل أوروبا بالسعر الحالي لليورو والذي يترك أثارا سلبية في اقتصادها؟

أما لبنان، فأين يجد نفسه ضمن كل هذه التطورات؟ علما أنه يواجه تحديات كبيرة داخلية وخارجية ولا بد له من أن يتعامل بواقعية مع القرار 1559 والنتائج المالية المترتبة على ارتفاع أسعار النفط. وسيكون عجز الموازنة، بسبب النفط، أعلى مما هو متوقع في مشروع الحكومة السابقة. لذا يجب تنفيذ السياسات المحاربة للفساد التي تساهم في الوقت عينه في تفعيل الإدارة، وتخفيف الإنفاق، وتحصيل الضرائب والرسوم. ولا بد من معالجة أوضاع كهرباء لبنان بحيث يخف الإهدار والعجز فتباع الكهرباء للجميع بأسعار مدروسة، ودمج عدد من الوزارات، وإلغاء بعض المجالس والمؤسسات كخطوة ضرورية في الطريق الصحيحة شرط أن تنفذ بسرعة. وأخيرا لا بد من العودة إلى أفكار ووعود باريس – 2 الإصلاحية وتطبيقها للإنقاذ والتغيير.