ماذا لو تعطل الدور القيادي للرئيس عرفات؟

عوني فرسخ

أتمنى للرئيس ياسر عرفات الشفاء العاجل والتام والعودة السريعة والميمونة لأرض الوطن، ولمركز قيادته في رام الله بالذات، لكي يعاود ممارسة دوره القيادي في كل من: المنظمة والسلطة وحركة فتح، واستئنافه مسؤولياته بما عرف به من نشاط جم وحيوية وحضور على الصعيدين العربي والدولي. وفي حدود معرفتي بالواقع الفلسطيني في الأرض المحتلة وفي الشتات أستطيع الجزم بأن هذا ما يتمناه غالبية الشعب العربي الفلسطيني برغم كل التحفظات على سياسات الرئيس ونهجه في إدارة الصراع وتسيير أجهزة السلطة.

وليس فقط الارتباط العاطفي بالرئيس ما يحمل الغالبية على تمنى عودته سليما معافى، وإنما أيضا إدراك الكثيرين انه وحده القادر على لجم النزاعات السلطوية التي برزت خلال العامين الأخيرين في أوساط الحرس القديم لفتح ورموزها الشابة الصاعدة. ذلك أن الفتحاويين على اختلاف توجهاتهم ومواقفهم من الرئيس مجمعون على القول "نختلف مع عرفات ولكننا لا نختلف عليه". وبرهان ذلك أن صدام الرئيس مع أي من رجالات الحرس القديم، وإن تسبب بحرد البعض وانعزال البعض الآخر، إلا أنه لم يؤد إلى قطيعة وخروج على الصف.

ثم إن الرئيس عرفات لما يزل في نظر القطاع الأوسع من الشعب العربي في فلسطين وعلى مدى الساحة القومية الأقل استعدادا للتفريط بالثوابت القومية والحقوق الوطنية المشروعة. وانه بين الرموز القائدة من فتح الأشد حرصا على الوحدة الوطنية، والأكثر تهيؤا نفسيا لتحمل تبعات رفض الاملاءات الأمريكية والاشتراطات الصهيونية، كما اتضح من موقفه التاريخي في منتجع كامب ديفيد في صيف سنة 2000 حين حاول الرئيس كلينتون تسويق طروحات باراك للتسوية النهائية. وهناك من يرى أن ضعف مناعة الرئيس الصحية إنما يعود في أهم أسبابه إلى قضائه قرابة عامين حبيس حجرتين وبيئة غير ملائمة صحيا على الإطلاق، بسبب قرار الحصار الذي فرضه عليه شارون بضوء أخضر من إدارة الرئيس بوش.

ولكن ما تمناه والكثيرون غيري من عودة الرئيس وممارسته دوره القيادي ليس فقط رهن تحسن حالته الصحية، وإنما هو أيضا مرتبط بالقرار الصهيوني. وقد بدأت مؤشرات عدم استعداد حكومة شارون الوفاء بما تعهدت به من تيسير أمر عودته. فشارون وأركان حكومته وجنرالات جيشه يدركون أن غياب الدور القيادي للرئيس عرفات يفسح المجال لتفجر النزاعات السلطوية في أوساط فتح، كما انه يوفر الأجواء الملائمة لاندلاع الصراعات الفصائلية فيما بين قادة فتح وكل من (حماس والجهاد الإسلامي)، وبالتبعية تفجر الحرب الأهلية في القطاع والضفة المحتلين.

وفضلا عن ذلك فإن في "إسرائيل" إجماعا صهيونيا على رفض دفن الرئيس عرفات في الحرم القدسي، وعدم تكرار سابقة جنازة الراحل فيصل الحسيني، حين تدفقت الجموع على القدس بالآلاف وارتفعت فيما يدعونه "عاصمة اسرائيل الأبدية" الأعلام الفلسطينية. وفي الصحافة "الإسرائيلية" خلال الأيام الأخيرة أكثر من مقالة تتحدث عن هذا الإجماع.

وهذا ما أكده شارون قبل يومين في مقابل الإجماع الفلسطيني على دفن الرئيس في الحرم القدسي تأكيدا على أن القدس الشرقية لما تزل تعتبر أرضا عربية محتلة.

والذين يبدون قلقهم إزاء غياب الرئيس عرفات عن المسرح الذي كان اللاعب الأول على خشبته معظم سنوات العقود الأربعة الماضية لا يجدون في الترتيبات التي تمت على الصعيد القيادي الفلسطيني والتصريحات التي صدرت عن بعض المعبرين عن صناع القرار ما يدعو لتبديد قلقهم وإشاعة الطمأنينة في نفوسهم. إذ بقدر ما بدد بعض مخاوف النزاعات السلطوية في أوساط حرس فتح القديم ورموز السلطة إعلان التوافق على أن يتولى محمود عباس أمور منظمة التحرير وأحمد قريع إدارة شؤون السلطة يوما بيوم، بقدر ما بعث هذا التوافق كثيرا من القلق في نفوس كثيرين تحسبا مما قد يترتب عليه سواء فيما يتصل بتنفيذ الاستحقاقات الأمنية المطلوبة للعودة إلى طاولة المفاوضات، أو ما قد يتم التنازل عنه مما تبقى من الثوابت القومية والحقوق الوطنية. فيما لو استأنف هذا الطاقم المفاوضات بما عرف به من تساهل واستعداد لتلبية الشروط الأمريكية - الصهيونية.

وليس ينكر أن للرئيس عرفات شخصيته الكارزمية، وتاريخه النضالي، وحضوره على الصعيدين العربي والدولي، وحرصه المعروف على استقلالية القرار الفلسطيني بالقدر الذي تمكنه منه الظروف. وهو في ذلك كله متميز عن بقية من هم مؤهلون لدور قيادي مقبول عربيا ودوليا. إلا أنه من الظلم للشعب العربي الفلسطيني كما للرئيس عرفات أن يختزل تاريخ هذا الشعب ودوره وقضيته الوطنية وحقوقه المشروعة في شخص واحد، حتى وإن كان في مقام الرئيس عرفات. فضلا عن أن ما وصله وحققه الرئيس عرفات لم يكن فقط نتاج مواهبه التي لا تجحد، وإنما محصلة التفاعل الجدلي فيما بين مواهبه الخاصة وبين كل من ظروف المكان والشعب والزمن الذي برز فيه على المسرح.

ففلسطين ليست مجرد مكان وإنما هي سرة العالم كما كان يقول الجغرافيون والمؤرخون القدماء. وحسبي التذكير بأن مساحة فلسطين وإمكانياتها المادية وقدرات شعبها لا تقاس بما هو متوفر لدي معظم الأقطار العربية والإسلامية وفي العالم الثالث. في حين كان لها عبر التاريخ من الأهمية والاهتمام ما لم تحظ به معظم الأقطار التي تفوقها مساحة وإمكانيات وقدرات. وكان ذلك بتأثير موقعها الاستراتيجي باعتبارها نقطة الوصل، والفصل، فيما بين جناحي الوطن العربي، فضلا عن كونها البقعة الوحيدة في العالم ذات القداسة عند اتباع الديانات السماوية الثلاث.

وشعب فلسطين، الذي طالما دفع غاليا ثمن ما يمكن اعتباره "عبقرية المكان" الفلسطيني، ما كان ليصمد في مواجهة كل الغزوات التي توالت عليه طوال ما يجاوز الألفين وخمسمائة سنة. ثم يثبت وجوده الفاعل في مواجهة التحالف الإمبريالي - الصهيوني ما يجاوز قرنا من الزمن، ويبدع كل الذي أبداه من صنوف المقاومة، لولا انه يمتلك تراثا حضاريا وأن له عمقا قوميا يشعره، برغم كل القصور، أنه لا يقف وحيدا في مواجهة تحد هو قومي في دوافعه وغاياته. وهل كانت مؤهلات الرئيس عرفات تمكنه من أن يحتل موقعا مرموقا عربيا وعالميا لولا أنه نظر إليه باعتباره صاحب قضية قدسية وممثل شعب عظيم في صموده وعطائه ؟ أم هل كان ينظر إليه كقائد حركة تحرر وطني مرموقة من غير إبداعات أمهات اعتدن استقبال الشهداء بالزغاريد وشباب وصبايا أبدعوا ظاهرة العمليات الاستشهادية التي حققت باللحم الحي توازن الرعب مع آلة الحرب الصهيونية؟

ولقد كانت معركة الكرامة في آذار/مارس 1968، التي خاضتها فتح بالتعاون مع الجيش الأردني، هي اللحظة التاريخية التي دشنت فيها فتح والناطق بلسانها يومذاك ياسر عرفات حضورا معترفا به رسميا وشعبيا. ذلك لأن المعركة جاءت في أعقاب نكسة 1967 وفي زمن كانت فيه الأنظمة والشعوب العربية في مسيس الحاجة لما يشعرها بانكسار حدة موجة الهجوم الصهيوني. ولقد كان اضطرار موشي ديان - وزير الدفاع الصهيوني يومذاك - لان يأمر بسحب دباباته وقتلي جيشه من الميدان، وتنكفئ قوات الغزو مدحورة إلى فلسطين المحتلة، هو الذي فتح الأبواب الرسمية على مصاريعها لأبي عمار، كما لم تفتح لسابقيه في رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية الراحلين أحمد الشقيري ويحيي حمودة.

ولا خلاف إن عبقرية المكان والشعب الفلسطيني هي اليوم أكثر أهمية وفعالية مما كانت عليه لحظة اعتلى أبو عمار خشبة المسرح، ولكن ظرف الزمان مختلف كيفيا عما كانت عليه الحال عشية معركة الكرامة. ذلك لأن شعب فلسطين وأمته العربية لا يعيشون اليوم زمن التغول الأمريكي والعربدة الصهيونية فحسب، وإنما أيضا زمن المقاومة وإبداعاتها في فلسطين كما في العراق. والشعب العظيم في صموده وعطائه وإبداعات نسائه وشبابه وصباياه، تضاعفت قدرته على البذل والعطاء والصمود، وهو إنما يتطلع للقائد الذي يلتزم بالمقاومة، وليس بالمساومة، خيارا استراتيجيا، والقادر على أن يفرض على شارون انسحابا حقيقيا أحادى الجانب ليس من قطاع غزة فقط وإنما أيضا من عموم الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية وتفكيك المستوطنات كافة.

وفي ضوء معطيات الواقع تظل رموز فتح وحدها المؤهلة لقبول عربي ودولي، في حين أن هناك إجماعا رسميا على عدم تمكين حماس أو الجهاد من أي دور قيادي. ودلالة ذلك رفض دعوة حماس تشكيل قيادة إجماع وطني لمواجهة الفراغ القيادي الذي أحدثه مرض الرئيس. وكل رموز فتح ذات الحظ الأوفر بالقبول ملتزمة بما تسميه "السلام" خيارا استراتيجيا. وليس بينها من ليس على استعداد تام لتلبية كل ما هو مطلوب لتوفير "أمن" الصهاينة، وإنهاء ما يسميه "عسكرة الانتفاضة"، ووضع حد لما يدعوه "الفلتان الأمني"، وترجمته العملية قمع المقاومة واعتقال نشطائها.

وغياب الرئيس عرفات والحال كذلك يكون قد أسقط الادعاء بعدم وجود شريك فلسطيني للسلام، وفتح الباب على مصراعيه للعودة لمائدة المفاوضات. ولكن ما رفضه الرئيس عرفات في منتجع كامب ديفيد سنة 2000 لن يستطيع أن يقدم على قبوله أي مفاوض فلسطيني. ليس لأن ياسر عرفات غل أيديهم كما تقول بذلك الصحافة "الاسرائيلية"، وإنما لأن ما حسب عواقب الإقدام عليه أبو عمار. لن يجرؤ على اقترافه أي ممن هم دونه تاريخا وقبولا. والأقرب للتوقع أن يلجأ القادة الجدد للتصعيد في مطالبهم لكسب التأييد الشعبي الذي يفتقدونه لدى شعب يعيش زمن المقاومة ومؤشرات دحر الاحتلال.

وفضلا عن ذلك فأن شارون الذي لم يقدم ما كان يحتاجه محمود عباس أثناء رئاسته للوزارة ليحرج الرئيس عرفات لن يقدم له اليوم ما هو في مسيس الحاجة إليه بعد أن غدا أبو عمار محدود التأثير، إن لم يكن فاقده. خاصة وشارون يواجه اليوم مأزقا خطيرا مع المستوطنين الذين كان يعتبر رجلهم الأول. إذ "الليكود" على عتبة انقسام خطر، ومن هم أكثر يمينية من شارون واشد انغلاقا يهددون باغتياله وتفجير حرب يهودية اهلية إذا نفذ عمليا ما يسميه الانسحاب من طرف واحد وأمر بتفكيك أي مستوطنة.

وفي برنامج "أكثر من رأي" الذي بثته "الجزيرة" يوم الجمعة 29 تشرين أول/أكتوبر الماضي طالب عضو "الليكود والكنيست" المقرب من شارون مجلي وهبة بأن تبادر قيادة محمود عباس - أحمد قريع بملاحقة "الإرهابيين" الفلسطينيين لتثبت جدارتها. وهذا ما اشترطه شارون بعد يومين حين أعلن استعداده لاسئتناف المفاوضات من غير شروط. وحين تطالب قيادة في مسيس الحاجة لتأييد الشارع الفلسطيني بأن تقدم على ما فيه استباحة الدم الفلسطيني فإنها إنما تدعي للانتحار. وفي ذلك مؤشر على سياسة شارون المستقبلية.

وبالتالي فغياب الرئيس عرفات لم يفضح فقط أكذوبة الادعاء بعدم وجود شريك فلسطيني للسلام، وإنما كشف أيضا عبثية اعتماد نهج "السلام خيارا استراتيجيا " في مواجهة استعمار استيطاني عنصري مستحيل على صناع قراره تقديم تنازلات استراتيجية وصولا للسلام مع أصحاب الأرض الشرعيين، لأنهم من حيث المبدأ لا يؤمنون بالسلام معهم وإنما هم ملتزمون باتباع كل وسيلة ممكنة لإفراغ الأرض من شعبها العربي وتأكيد تحقق "الدولة اليهودية" التي هي الخيار الصهيوني الوحيد.

والسؤال المحوري والحال كذلك من هم الرابحون ومن هم الخاسرون في حال وقع المحظور وغاب الرئيس عرفات عن المسرح؟ هل هم صناع قرار التحالف الأمريكي - الصهيوني الذين فرضوا عليه الحصار حتى ضعفت مناعته ومريدوهم من العناصر الفلسطينية والعربية المراهنة على الحل الأمريكي؟ أم هي القوى الملتزمة بالمقاومة خيارا استراتيجيا والمؤمنة بان الصراع مع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني معركة صفرية لا يمكن حله بالتنازلات المتبادلة؟ وفي حدود ما هو متوقع يمكن القول بان الذين طالما طالبوا بتنحي الرئيس عرفات واستبعاده هم الخاسرون يقينا. ذلك لأن استحالة الوصول للتسوية برغم غيابه سوف يصب في قناة الملتزمين بالمقاومة خيارا استراتيجيا. وهذا هو مكر التاريخ الذي طالما شهد انقلاب السحر على الساحر.