مقاربة من مفهوم الدور الحضـاري في فكر ميشيل عفلق

"تحليل ثقافي" (3-9)

د. عز الدين دياب *

الحضارة والدور الحضاري

لم يتوقف النقاش والحوار بين علماء الحضارة والعلوم الإنسانية حول مفهوم الحضارة ومكوناتها. وأضاف النقاش الدائر تعريفات وتفسيرات جديدة للحضارة. كثرت معها المناهج والنظريات.

في هذا الفصل لن ندخل في توصيف وجهات النظر تلك، انطلاقا من أن القواسم المشتركة الموجودة بينها تجعله يسلك طريقا آخر. تحدد وجهته سلامة موقف الفكر القومي من القضية الحضارية، وخاصة عند الأستاذ في كتاباته الكثيرة عن الحضارة ومعارك الحضارة العربية.

وإذا كان هناك من قصور في هذا الفكر تجاه هذه المسألة أو تلك من المسائل الحضارية وغيرها فهذه ليست سمته وحده بل هي خصيصة يشترك فيها الفكر الماركسي والوضعي والوظيفي والبنيوي.. الخ وذلك بحكم التغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تحدث كل يوم وشهر في المجتمعات.

أما ما يقال عن هشاشة (31) فكر الأستاذ تجاه المسائل الاجتماعية. فهي هشاشة ذلك النفر من الكتاب والمنظرين لأن هناك مسائل لا يقطع فيها الفكر العلمي، لأن الحتميات عنده غير موجودة في صورتها المطلقة.

بناء على ما تقدم، فإن توضيح معنى الحضارة سيتم من خلال تلك الاحترازات، وسيكون لآراء بعض المفكرين العرب الأولوية في هذا التفسير، لندعم من خلالها مقاربتنا مفهوم الدور الحضاري بشكل عام، وفي فكر الأستاذ عفلق بشكل خاص. وهذا التفسير سيكون جوهر هذا العمل لأن له وجهاته المنهجية في الوقفة الرصينة التي وقفها الأستاذ من مسألة الدور الحضاري، وما يعنى الأمة العربية. وما يحملها من مهام تجاه مستقبلها، وتجاه مستقبل الأمم الأخرى، على ضوء رؤيته الحوار والصراع الحضاري غير المتوقف على الإطلاق بين الحضارات. وأيضا عندما حدد وجهة هذا الدور، ومضمونه ووظيفته على المستويات الوطنية والقومية والعالمية.

لذلك نباشر بتعريف الحضارة والدور الحضاري. بالقدر الذي يخدم فيه تعريف الحضارة الدور الحضاري بناء على القواسم المشتركة بين الحضارات من جهة، واختلاف فلسفاتها واتجاهاتها من جهة ثانية لأن الفلسفات هي التي تؤدي إلى اختلاف شخصية الحضارات. وهي أحد مصادر خصوصيتها الحضارية، وتفردها بدورها الحضاري.

والملاحظ أن علم الحضارة وقف أمام خصوصية الحضارة دارسا ومحللا من أجل معرفة أسباب الوحدة والاختلاف بين الحضارات.

تعني الحضارة كل نشاط تمارسه الأمم من أجل بلوغ ما تصبو إليه. ومواجهة كل ما من شأنه أن يحول دون وصول الأمم إلى أهدافها وتطلعاتها. إلا أن هذا النشاط لا يتساوى عند كل علماء الحضارة وعدم التساوي ينتج من خلال تفاوت درجات الوعي عند علماء الحضارة، لأن (32) "الوعي ليس شيئا آخر سوى الوجود الواعي،ووجود البشر".

إذا فالحضارة ظاهرة إنسانية تشترك فيها كل الأمم. كل أمة داخل ترابها، وتجربتها الاجتماعية، وتحت تأثير مناخها وثرواتها، وما يصاحب ذلك من تحديات بيئية وما تمر به من ظروف مواتية أو غير مواتية لإنتاجها وعملها الحضاري.

ويعرف الدكتور قسطنطين زريق الحضارة بقوله (33): "ترى ما هو بعد، الاستنطاق اللغوي مفهومنا للحضارة؟ ماذا نقصد بهذه الكلمة، وعلى أي شيء تدور الدراسة التي نحن بصددها؟

لنبادر إلى القول إننا لا نريد بالحضارة هذا المعنى الاصطلاحي الذي يبقيه علماء الاجتماع أو الانثروبولوجيا لفظة culture أي جماع حياة مجتمع من المجتمعات بدائيا كان أو متقدما راقيا. وإنما تعني نمطا من الحياة يتميز بخطوط ألوان من التقدم والرقي".

ويعرفها الدكتور حسين مؤنس بقوله (34): " الحضارة في مفهومنا العام. هي ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان لتحسين ظروف حياته سواء أكان المجهود المبذول للوصول الى تلك الثمرة مقصودا أم غير مقصود، وسواء أكانت الثمرة مادية أم معنوية.

وهذا المفهوم للحضارة مرتبط أشد الارتباط بالتاريخ لأن التاريخ، كما سنرى هو الزمن، والثمرات الحضارية التي ذكرناها تحتاج إلى زمن لكي تطلع. أي أنها جزء من التاريخ، أو نتاج للتاريخ. وكما أن ثمرة الزرع والأشجار لا يطلع إلا بفعل الزمن. إذ لا يمكن أن تزرع وتحصد ثمرة ما في نفس الوقت، فإن ثمار الحضارة لا تظهر إلا بإضافة الزمن إلى جهد الإنسان". وللحضارة معاني عدة في اللغة العربية مثل الإقامة في المعمورة. أي في المدن والقرى.

ويشرحها لسان العرب بقوله (35): "والحضر خلاف البدو، والحاضر خلاف البادي،والحضارة الإقامة في الحضر.

وفي وصفه الحضارة، يقول عنها ابن خلدون إنها (36) طور طبيعي في حياة الشعوب. تبدأ من البداوة، وتنتهي في الحضر، وأن البدو أصل الحضر. ولذلك تتحول إلى غاية للبداوة".

ويتابع أبن خلدون الحضارة في لحظات تطورها وتحولها، ويرى أنها تجعل الشعوب يتسعون في أحوالهم (37): "وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرقة. ودعاهم ذلك إلى السكون والدعة، وتعاونوا من الزائد على الضرورة، واستكثروا من الأقوات والملابس والتألق وتوسعة البيوت، واستعداد المدن والأمصار للحضر. ثم تزايد أحوال الرقة والعزيمة، فتجيء عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنق في علاج القوت واستجادة المطابخ، وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج. وغير ذلك، ومعالاة البيوت والصروح وأحكام وصفها في تجددها والانتهاء في الصنائع من الخروج من القوة إلى الفعل إلى غايتها " فيتخذون القصور والمنازل، ويجدون فيها المياه ويعالون في صرحها، ويبالغون في تسخيرها، ويختلفون في استجادة ما يتخذونه لمعاشهم من ملبوس أو فراش أو آلية، أو ما عون وهؤلاء هم الحضر ومعناه الحاضرون من أهم الأمصار والبلدان. ومن هؤلاء من ينتحل في معاشهم الصنائع ومنهم من ينتحل التجارة. وتكون مكاسبهم أغنى وأرفه من أهله البدو لأن أحوالهم زائدة على الضروري، ومعاشرهم على نسبة وجودهم فقد تبين أن أجيال البدو والحضر طبيعية لا بد منها، كما قلنا ".

ويتبين من كلام ابن خلدون أن الحضارة عنده تبدأ من مرحلة البداوة، ثم يتطور أهلها تدريجيا حتى يبلغوا الحضر فيصبحوا منه بالجهد والعمل.

أما الأستاذ عفلق فهولا يقدم تعريفا محددا للحضارة، بل يتناولها بالشرح والتحليل والتأويل من خلال واقع الأمة العربية ومعاركها في النهضة،ويتساءل في هذا المضمار (38):

"كيف فكرت هذه الحركة بأنها تستطيع أن تحقق نهضة أصيلة لأمتنا؟" ويجيب: "الفكرة المضيئة التي أنارت الطريق من البداية كانت بهذه البساطة بأننا نحن في وضع متخلف ومحكوم من قبل المستعمرين ومستغل ومجزأ لأن القسم الأكبر من إمكانات شعبنا غير مستغله، مخنوقة لا يسمح لها بأن تنطلق. بأن تتحقق. أو إن بعضها يستغل ضد مصلحة الآمة بدلا من أن يكون في خدمة الأمة وفي خدمة نهضتها".

وعلى ضوء ذلك يسأل ما هي مهمة الثورة أو الحركة الثورية تجاه النهضة؟ هي أن تسعى دوما لكي تهيئ الظروف والشروط التي تمكن شعبنا العربي في كل أقطاره وجماهيرنا الواسعة من أن تتحقق إمكاناتها ’ تنتج. تناضل تفكر، تستخدم كل مواهبها كما هي الحال في كل شعب راق.. معيار الرقي الحقيقي هو عندما يكون مجموع الشعب أو على الأقل الأكثرية الكبيرة من الشعب في حالة انطلاق وإنتاج، لاتحد من قدرته قيود مصطنعة عراقيل مصطنعه سواء نتيجة التخلف والعادات المستقيمة والجهل وتحكم طبقات مستغله ترى من مصلحتها بقاء الجهل وبقاء الجمود والانكماش أو بفعل مؤشرات خارجية، احتلال أجنبي أو ضغط أجنبي، أو استغلال بأي شكل من الأشكال ". ولكن ما السبيل إلى النهضة والتغيير نحو الأفضل؟

ويجيب الأستاذ بحكمة وروية وبعد نظر حضاري "نعود دوما" إلى واقعنا ونرى، نبحث نشاهد نجحنا في تحطيم القيود التي تعطل نشاط وإبداع جماهيرنا الشعبية ’ شعبنا بصورة عامة. هل وجد الشروط الملائمة والمساعدة على أن يعطي أقصى جهوده وأحسن ما يستطيعه، وأحسن وأغلى قدراته " إذا هناك مهمة للقوى الاجتماعية التي تصنع الحضارة، وثمة مقياس لذلك.

ويجيب بأن على هذه القوى الموجودة في حزب ثوري " أن تزيل من طريق الشعب المعوقات التي تمنع انطلاقة مواهب الشعب وقدرات الشعب (...) المطلوب هو أن تتحقق الحرية والانطلاق والتفتح بإنسانية الإنسان العربي "وإطلاق" إمكانات شعبنا بكل نواحيها وبصورة خاصة بأن تنمي في الشعب الدافع الذاتي... الشعور بالمسؤولية، الشعور بأنه حي وأن له حق الحياة.وعندما يكون له حق الحياة تترتب عليه واجبات ومسؤوليات لأن الحياة بدون مسؤوليات لا معنى ولا طعم، لأن الحياة الحقيقية المفرحة السعيدة هي الحياة التي يتحمل فيها الإنسان، ويتحمل فيها الشعب مسؤولية الغد... مسؤولية التقدم. مسؤولية التحرر مسؤولية الأجيال القادمة.

ويرى الأستاذ في العمل الحضاري مستوى معينا من اليقظة. ولأن اليقظة لها وجهة وهدف، وهي عنده في الحضارة العربية (... الانطلاق في العمل وفي الإنتاج لا يقتصر على الإنتاج المحدد، وإنما يجب أن يذهب إلى أعماق النفس إلى أعماق الشعور بمعنى وجود إنسان. لماذا هو موجود على وجه البسيطة؟ لم يوجد عبثا له رسالة هناك معنى لوجود الإنسان ولوجود الشعب، وعندها تكون النهضة أصله).

ونستخلص من أقوال الأستاذ إن الحضارة أرض، وإنسان، وزمن. في الأرض ثروة وإمكانات، وموقع وطاقات مادية. والزمن ماض وحاضر ومستقبل. وكل لحظة منه تتداخل في الثانية (39).

والإنسان عنده هو القوة الفاعلة في الأرض والزمن. غيران الفعل له شروط مادية وذاتية ويحدده الأستاذ في الإرادة والإيمان ودوافع ذاتية أخرى.

وثمة مستويات للحضارة: تقدم وتأخر، تخلف وازدهار، تألق وتكاسل. وان كل أمة تمر بأطوار حضارية مختلفة. تتقدم تارة وتتخلف تارة أخرى. ومهمة الشعب أي شعب، أن يصل الى التقدم، أن يقضي على التخلف، لأن للإنسان رسالة. وهذا في رأيه الذي يجعل العربي يقدر إنسانيته ويعيشها. ويعمل على إطلاق إمكانات أمته وإرادتها، لان الإرادة هي الحرية، وهي وليدة الحرية.

والمعروف أن لكل حضارة وجهتها في السلم والحرب. والقوة والحرية. وهذه الوجهة هي التي تحدد للصراع الحضاري، على سبيل المثال،وجهته ومضمونه وآلياته. فقد كان للعرب صلات حضارية كثيرة مع العثمانيين تتمثل في الإسلام ثقافة ومعتقدا. إلا أن هذه الصلات لا تعني انطواء الحضارة العربية تحت إبط الحضارة العثمانية.

وعلى هذا الأساس يرى الأستاذ إن المشروع الحضارة العربي ميز نفسه حضاريا عن الحضارات الأخرى والتمييز تم بفضل حركة القومية العربية التي قررت أن تفترق يقظتها وهويتها عن الدولة العثمانية التي حكمت العرب باسم الدين. غير أن صراعها مع الاستعمار الغربي كان من نوع آخر: صراع حضارة وتاريخ وتراث وعقيدة. وكان رجوعها إلى الإسلام في مواجهة الطغيان الغربي رجوعا طبيعيا وعفويا.

حوار الحضارات وصراعها

يرى علماء الحضارة أن من أهم خصائص العناصر الحضارية أنها تغادر أرضها إلى بلدان كثيرة في العالم مدفوعة بفكرتها. ويقررون إن سمة الانتقال هذه ليست واحدة في كل الحضارات، بل إنها تختلف من حضارة إلى أخرى باختلاف قوة الفكرة أو ضعفها. ويرون أن الاختلاف يتباين ويتنوع حسب مبادئ وقيم فكرة وفلسفة كل حضارة ودينامياتها وآلياتها.

إن خاصية مغادرة العناصر لأرضها أو انتقالها تجد نفسها في جوهر العنصر وتركيبه الحضاري، حيث لا تملك هذه العناصر سوية واحدة في الانتقال. بل تنتقل بموجب قوة أو ضعف الحضارة من جهة،وحاجة الشعوب أو الأمم إلى العنصر الحضاري المبتكر أو المصنع، أو بفعل الفكرة ونسقها. ومع ذلك فإن الحضارات المتفوقة والمنتصرة الغنية بالأفكار والثروات والاختراع والمنافع المادية هي التي تتفوق في الانتقال من مكان إلى آخر، ومن أمة إلى أمة أخرى، ولذلك تكون وجهة الانتقال عادة أما متعلقة بالتماثل الحضاري، حيث تتبادل الدول الصناعية العناصر الحضارية المبتكرة هنا أو هناك في ميدان الذرة وصناعة الصواريخ والكمبيوتر والاتصال، وصناعة المعلومات، أو متعلقة بالتفاوت الحضاري، حيث تنتقل العناصر الحضارية من الدول المتقدمة إلى الدول الأقل تقدما ويتم الانتقال أما بالقوة أو الحاجة أو بالتقليد. كما رأينا في انتقال العناصر الثقافية.

 ويرى ابن خلدون، أن المجتمعات المغلوبة تأخذ وتقلد المجتمعات الغالبة. والمجتمعات تقلد بعضها. والشعوب في طور النهضة أو الصاعدة حضاريا، تأخذ من الدول المتمكنة حضاريا، وتطور ما تأخذه حتى يتفق مع مصالحها.

غير أن قانون الانتقال وتقليد المغلوب الغالب له بعض الاستثناءات حيث يتمثل، على سبيل المثال، في تأثير المغلوب على الغالب، إذا كان المغـلوب (40) بالسلاح أكثر تقدما في الحضارة، على النحو الذي حدث خلال غزو المغول للوطن العربي، وفي أعقب انتصار الأسبان على العرب في بلاد الأندلس ومع ذلك فإن تأثير الغالب على المغلوب هو الأكثر شيوعا ورجحانا والأقوى فعلا كما يقول الدكتور قسطنطين زريق، وليس تفاعلا لأن التأثير يأتي في أكثر الأحيان من جانب الغالب على المغلوب.

غير أن هذا التأثير يتزامن تدريجيا في تبدله مع تطور الشخصية الحضارية لدى المغلوب. وهذا حال المجتمعات المغلوبة إبان مرحلة الاستعمار الأوروبي حيث أثرت الحضارة الأوربية على الشعوب المستعمرة، وبدلت فيها تبديلا قويا يتناسب مع مصالحها، حتى أن هذه الشعوب فقدت الكثير من مقومات شخصيتها وزادت قوة التأثير في العقد الأخير من القرن العشرين، وخاصة بعد تكامل الموجة الثالثة من ثورة المعلومات، وثورة الاتصال،وثورة الهندسة الوراثية.

وتعالت وتائر التخلي عن عناصر حضارية أصيلة ومحلية أمام هجمة عناصر الحضارة الأوروبية الأمريكية حتى وصل التخلي إلى شخصية الأمم المحلية وهويتها القومية. وأصبحت أمم الجنوب أمام هجمة حضارية قادمة من الشمال يأكل الأخضر واليابس. وكان نصيب الأمة العربية منها كبيرا، حتى لا تحقق النهضة والتقدم. ومع ذلك فالأمة العربية قادرة على مواجهة هذه الهجمة حسب رأي الأستاذ عفلق حيث يقول (41)

(الأمة العربية قادرة على أن تنهض، وقادرة على أن تكون ليس في مستوى العصر وحضارته فحسب. بل في مستوى رسالتها العظيمة التاريخية أيضا. في مستوى الرسالة الروحية التي تفردت بها بين الأمم، والتي ستبقى إلى الأبد هي المحدد، وهي المعين الروحي الذي سيدفع أمتنا نحو التقدم والرقى والإنجازات الحضارية العظيمة).

إذا الحضارات خلال تاريخها الطويل تتواصل على طريقة المد والجزر. وهذا التواصل يكمن بداخله الحوار الحضاري مرة، والصراع الحضاري مرة أخرى. وينشأ الصراع عادة بفعل تناقض المصالح واختلاف الأدوار الحضارية، وتنافس الرسالات والقيم والأعراف والعادات والتقاليد. الخ..

والحضارات وإن كانت تشكل في نهاية التحليل مركبا حضاريا واحدا، إلا أن هذه الوحدة كما رأيناها عند الأستاذ، قائمة على اختلاف الأدوار والرسالات وتنافسها وتزاحمها من حين إلى أخر. وهذا الاختلاف يؤدي إلى الصراع الحضاري، وبهذا المعنى يقول الأستاذ (42) "إن الأمة العربية منذ بدء نهضتها المعاصرة قبل قرن ونصف، وحتى المعركة الراهنة تقف مدافعة، فهي تتلقى العدوان والغزو، وتقتطع أرضها وتسلب حقوقها، وهي صامدة للموجات الاستعمارية الإمبريالية الصهيونية، فقد كانت الهجمات على الأمة العربية من كل جانب، وبكل الأسلحة لتفتت قوميتها وشخصيتها (...) إن قيام الكيان الصهيوني بدعم من الإمبريالية والقوى العالمية قد فرض على العرب مستوى جديدا من المعاناة و الصراع، فالعدو الصهيوني منذ أن أصبح له موطئ قدم على أرض فلسطين بات ينظر إلى استقلال أي قطر عربي والى تطوره الاقتصادي والاجتماعي ونهوضه الثقافي، حتى في أكثر الأشكال اعتدالا على أنه تهديد جدي لوجوده.

وعلى هذا الأساس فقد تقدم البعث تيار النهضة العربية لينبه إلى السلاح الوحيد المتكافئ مع التحديات الجديدة: سلاح الوحدة، سلاح النهضة، ووحدة النضال العربي".

بناء على ما تقدم فإن اختلاف الرسالات الحضارية يؤدي إلى ديمومة الصراع الحضاري. فالحضارة الرأسمالية مختلفة بالدور عن الحضارة العربية. وهي مختلفة أيضا عن الحضارة الاشتراكية. كما أن الحضارة النازية والصهيونية المستندة إلى مسلمات عنصرية، وتفوق عنصري لا يمكن أن تتساوى وتتشابه في الدور والرسالة مع حضارة المجتمعات الاشتراكية، على سبيل المثال، التي ترفض التفوق العنصري وتقاومه وتجابهه.

كما أن الإسلام بوصفه دينا وثقافة وحضارة لا يمكن أن يتماثل مع التأويلات التلمودية للدين اليهودي في الدور الحضاري والرسالة الحضارية، حيث إن بينهما من الاختلاف في الاتجاه الإنساني الشيء الكثير. فالإسلام يقول بأن الله خلق البشر بوصفهم شعوبا وقبائل. وجعل التعارف والمودة بينهما سننا حضارية وأساسا للحياة المشتركة، بينما التأويلات التلمودية قالت بأطروحة الشعب المختار، والأغيار والغرباء.

والخلاصة، فإن الحضارات إذ تتواصل خلال تاريخها الطويل بفعل فلسفاتها وأدوارها إلا أنها من جهة أخرى تتصارع في مستويات عدة بفعل الاختلاف والتنافس بين الأدوار والرسالات الحضارية والأفكار.

وكثيرة هي الشواهد على حوار الحضارات وصراعها، سواء كانت بسبب الدوافع الدينية أو الثقافية، أو مصالح اقتصادية. وقد عرفت الحضارات في الصراع السلمي. والصراع العسكري منذ أقدم العصور، وحتى هذه اللحظة، واللحظة القادمة. مثل الصراع بين الحضارة الفارسية والرومية، والصراع بين الحضارة الإغريقية والحضارات المجاورة لها حتى بر مصر. وإلا نسأل لماذا ركب الاسكندر الكبير بواخره وسفنه، وعبر البحر مع جنوده تجاه الأمم الأخرى فاتحا ومؤسسا حضارة إغريقية في تلك البلدان بعد أن انتصر عليها؟

غير إن الصراع لا يتم على وتيرة واحدة أو مستوى محدد، وإنما يختلف، ويتباين باختلاف الاتجاه الذي يقرره الدور الحضاري. لذلك يبقى حمل الرسالة وتبليغها والدفاع عن الهوية، والشخصية الحضارية العامل الفصل في الصراع الحضاري. ولذلك يشكل الدفاع عن الدور الحضاري بالنسبة للكثير من الأمم عامل بقاء، مثل أيمان الأمة العربية بدورها، كما يقول الأستاذ عفلق، والذي شكل على الدوام أحد أهم عوامل استمرارها. فالتحديات التي تعرضت لها الأمة العربية، وتتعرض لها الآن لو سلطت على أمة أخرى لانتهت من الوجود ’ والى حيث لا رجعة.

ويرد الأستاذ هذا البقاء إلى قوه عروبة الأمة العربية وإسلامها ’ لما فيها من تنوع ثقافي يغني الحضارة العربية (43)، التي عانت الظلم الاستعماري، والتخلف، والظلم الداخلي. الاستغلال الطبقي، ومعاناة التجزئة القومية وان هذه التجربة الطويلة من المعاناة. مع الأساس الروحي القديم تجعل العرب يدركون بأن حضارتهم العربية ستكون مختلفة عن الحضارات التي عرفتها الإنسانية.. وستكون لها قيم جديدة " وهذا ما يسميه الأستاذ: الرسالة العربية.

 

* د. عز الدين الدياب، عربي سوري، من مواليد بلدة بسيرين - محافظة  حماه عام 1938.

- حصل على بكالوريوس علم الاجتماع من جامعة القاهرة وبغداد. دبلوم الدراسات العليا في العلوم المستقبلية 

من جامعة غرو نوبل - فرنسا. دكتوراه دولة في علم الاجتماع السياسي.

- عمل مفتشاً للتربية الاجتماعية، ثم مدرساً جامعياً وشغل مهاماً عدة في جامعة الدول العربية آخرها: (مديراً      

لإدارة التنمية الاجتماعية).

- له الكثير من الدراسات السياسية والاجتماعية والقومية والمستقبلية المتخصصة في القضايا العربية المعاصرة، منها:

- التحليل الاجتماعي لظاهرة الانقسام السياسي في الوطن العربي، حزب البعث العربي الاشتراكي أنموذجاً.

- أكرم الحوراني كما أعرفه. جامعة المستقبل التي يحتاجها الوطن العربي.