حول عمليات الاختطاف في العراق..

علي حتر/الأردن *

إن الكتابة في حرب المصطلحات التي بدأتها منذ أسبوعين لم تنته بعد.. وسأعود لها لأخوض في مصطلحات أخرى هامة.. كما طلب مني بعض الإخوة القراء..

ولكن هناك سبب يدعوني للتوقف قليلا، وهو سخونة الموضوع، المتعلق بعمليات الخطف في العراق.. الذي تحاول القوى المضادة أن تجعله يبدو هاما ومقلقا، حتى يكاد يغطي على الاحتلال وممارساته.. ويجرنا إلى البحث في بعض العمليات الصغيرة التي تحدث في أية ثورة.. وإلى نسيان المجرمين الحقيقيين وهم المحتلون وكل من يتعاون معهم.. وكل من يحاول أن يجعل الحياة طبيعية بوجودهم.. بالعمل لديهم وخدمتهم.. ومساعدتهم على الاستمرار في التحكم والحكم..

عندما نتحدث عن المقاومين الوطنيين في العراق.. فعلينا أن نقر أولا: أن المقاومين في أي بلد محتل هم الوحيدون الذين لهم حق تقرير طريقة المقاومة التي يلجأون لها.. وأنه ليس من حقنا أن نضعهم في قفص الاتهام.. ما دامت جريمة الاحتلال قائمة..

وهم الوحيدون الذين يمكنهم أن يحددوا من هم الأعداء وما هي الطرق المناسبة لمقاومتهم..

ونحن نرى في مجريات الأمور.. أنه مهما فعل مقاومو الاحتلال فإنهم لا يصلون إلى مستوى همجية الاحتلال ذاته، ولا إلى ما فعل في أبو غريب والبصرة والفلوجة والنجف وتلعفر.. وباقي المدن العراقية..

ولا إلى قتله المدنيين الجرحى العزل بالمروحيات حسب ما قالته الصحف الأمريكية نفسها..

ولا إلى مستوى ما فعل إياد علاوي بالسجناء الذين قتلهم بدم بارد.. كما أكدت صحف حلفائه نفسها..

ولنسأل أنفسنا: المدنيون غير العراقيين الذين يتعرضون للاختطاف في العراق.. يعملون مع من؟؟ ولصالح من؟

إنهم يعملون على تزويد القوات الأمريكية بالمؤن وغيرها، يقدمون لها خدمات لوجستية متنوعة.. ويترجمون لها التقارير التي تدلهم على المقاومين..

كثير من سائقي الشاحنات هناك يسوقون البضائع الصهيونية، حتى بعض الدروع البشرية الذين ادعوا انهم قدموا لحماية العراق قبل الحرب.. كان بينهم كثير من الجواسيس الذين ساعدوا قوات العدو في تقدمها..

كما أن هناك من يخدم الحكومة غير الشرعية التي تأتمر بأوامر العدو المحتل، وهذا يعني أنه ليس هناك مدنيون.. إنها محاولة لتزييف الحقائق.. فمن يخدم جنديا محتلا.. هو جندي محتل.. بملابس مدنية، والمقاومة هي أحق الناس باتخاذ القرار حول طريقة التعامل معه..

وهل مذابح جنين والعامرية ومخيم الكشافة في فلسطين قبل أيام واليورانيوم المنضب وقصف العزل وحرقهم بالصواريخ وتعذيبهم في السجون بأبشع وسائل التعذيب التي رأيناها.. أكثر حضارة من خطف وقتل الرهائن؟؟

أما مسألة تسمية المقاومة بالإرهاب.. فإننا نسأل: من هو المؤهل حاليا في العالم لتعريف الإرهاب.. هل هي أمريكا.. أم شارون.. أم الأنظمة العربية؟؟ وقبل يومين استعد مختطفو بعض الرهائن أن يطلقوا سراح هؤلاء مقابل إطلاق سراح بعض السجينات العربيات.. هل فعلا هؤلاء إرهابيون؟؟  أم السجانون أنفسهم هم الإرهابيون؟

أما مسألة قتل المواطنين الذين يصطفون أمام مراكز الشرطة، ليتدربوا على السلاح، لمواجهة المقاومين مقابل لقمة العيش، إلى جانب قوات الاحتلال، كما فعلوا في النجف، فرجال المقاومة لهم الحق في تقرير موعد مواجهة جنود الاحتلال هؤلاء، قبل أن يحترفوا القتال ويصعب التعامل معهم.. ما داموا يقفون في طوابير الخزي والعار للانضمام إلى قوات الاحتلال..

صحيح أن المقاومين قد يرتكبون بعض الأخطاء الصغيرة هنا وهناك.. التي لا يرتكبها الناقدون المتفرجون مثلنا.. لأن الأخطاء من سمة العمل.. (والوقوف موقف المتفرج والناقد.. هو بحد ذاته خطأ كبير لا تصل إلى مستواه أي من الهفوات التي قد ترتكبها المقاومة)..

وصحيح أيضا أن بعض أفعال المقاومة قد تتيح الفرصة للعدو.. أو لبعض العصابات التي تخطف من أجل الفدية.. للقيام ببعض العمليات المسيئة لقضية المقاومة العادلة.. ولكن هذا قول لا يعني التوقف عن دعم المقاومة.. وهذه العمليات المفتعلة، لا تستطيع أن تخفي نفسها.. ومن السهل تمييزها..

خلال الحرب تحدث أشياء كثيرة.. والأخطاء محتملة دائما.. فالضباب يغطي كل شيء.. ولكن المناضل الحقيقي هو من يرى في وسط هذا الضباب أن القضية المركزية هي الاحتلال.. وعملاؤه الذين لا يخجلون من الإعلان عن إجازتهم لعملياته في قصف أبناء بلدهم في المدن المختلفة.. وأن كل ما عدا ذلك، يصب في الحرب النفسية وفي محاولة إبعاد الأنظار عن المسألة الحقيقية..

المقاومة نهر كبير جارف.. يحمل الأمل والخصب والحياة والمستقبل.. ومع هذا النهر قد يأتي أحيانا الفيضان الذي يحدث أضرارا هنا وهناك.. أو تأتي بعض التماسيح التي تقتل بعض الناس من حين إلى حين.. فهل تلعن مصر النيل مثلا وهي هبة النيل.. لأنه قد يفيض أحيانا.. أو لأن فيه بعض التماسيح؟

المجد المقاومة في كل مكان.. والهزيمة للاحتلال.. والخزي والعار لمن يتخلى عن المقاومة وعن أبطالها..

* (عن صحيفة "السبيل" الأردنية)