برونزية لطّق الحنك

رشاد أبو شاور/روائي من فلسطين يقيم في الأردن

طّق حنك!.. سمعت هذا القول قبل سنين بعيدة، وهو قول يسخر من الكلام الفارغ، كلام التسلية وتزجية الوقت.

الكلمة قد تكلّف الإنسان رأسه، وفي الحديث الشريف: إن أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر..

طق الحنك هو كلام دردشة، ما عليه جمرك.

فضيحة طق الحنك في بلاد العرب هو الخلوي، أو الخليوي، الذي له أسماء أخري في الأقطار العربية، معرّبة أو أعجمية.

قبل عشر سنوات اضطررت إلى اقتناء (الخليوي) في منطقة نائية عن أحياء المدينة التي وصلتها الخدمات.

دفعنا مبلغاً كبيراً ثمناً للخليوي، وتكبدنا مبالغ فادحة ثمناً لمكالمات مختزلة أشبه ما تكون ببرقيات الشيفرة.

لكن مؤسسة الاتصالات الأردنية زودتنا بخطين أرضيين فانحلت المشكلة وبتنا نتحدث براحتنا، ونستخدم الانترنت، واستغنينا عن ذلك الخلوي الكبير القديم الذي تجاوزته الأنواع الجديدة من حيث الشكل، والطاقة، فثمّة اليوم خلويات بكاميرات، وذاكرة عجيبة، وأحجام مغرية لذيذة حتى لترغب في أكلها كما لو أنها شوكولاطة.

اخترع الخلوي لتلبية حاجة الإنسان في الأماكن النائية حيث لا يتوفر الهاتف العادي، وبحاجة من وقتهم ليس لهم، وبخّاصة من يتوجّب عليهم أن يكونوا في حالة استنفار لتلبية النداء في كل لحظة، حتى وهم في اشدها حميمية وخصوصية..

لا أريد أن أسوق أسبابي الكثيرة مبرراً أسباب عدم حملي الخلوي، ولا أخفي حيرتي من تهافت الناس على الخلويات، وكم أود لو أن بعض علماء الاجتماع العرب يولون هذه الظاهرة الاستعراضية المكلفة في الأقطار العربية شيئاً من الاهتمام والدراسة لسلوكيات الأفراد في بلادنا، وتسيّد مفاهيم وعادات جديدة في مجتمعاتنا.

شخصياً، وبالملاحظة الفضولية، توصّلت إلى استنتاج من متابعتي لحملة الخلويات، وهي أن الإنسان يولد ممثّلاً، وحتى تشاركونني في ما توصّلت إليه أرجو أن تلاحظوا كيف يتحدّث الناس في الخلويات، كيف يحركون أيديهم، وكيف يصرخون، ويرقّون بحيث يذوبون وجداً.

الخلويات، السليلور، الجوّال، ال... في بلاد ليس مستعجلة، بلاد شرّش فيها الكسل والتبلّد، يعتصر ناسها أموالهم القليلة لطق الحنك وملء الفراغ، والتخلّص من الملل.. لماذا؟!

قرأت في (الدستور) الأردنية، في ملحق (آخر الأسبوع)، الخميس 30 أيلول، أن الأردن يحتل المرتبة الثالثة عالمياً في عدد خطوط الهواتف المحمولة!. فيا ترى: ما حاجة الناس للهواتف المحمولة وهم في بلد تتوفّر لهم فيه الهواتف العادية، وإمكانياتهم على (قدها)، وهم أحوج ما يكونون لكّل قرش لإنفاقه على طعامهم ولباسهم؟!

يعني المجتمع الأردني ما دام ترتيبه الثالث عالمياً من حيث نسبة عدد الخلويات لعدد السكّان، فهذا يعني أنه يستحق الميدالية (البرونزية)، مع أن الصحيفة لم تخبرنا بصاحبي الموقعين الأول والثاني، أهما اليابان وألمانيا، أم أمريكا وبريطانيا.. وهذه دول في مقدمة الدول الصناعية، ومجتمعاتها تحتاج لوقتها ولسرعة الاتصالات، وعندها دخل عال، يعني ناسها معهم مصاري؟

لفت انتباهي أن الناس في الأردن يستخدمون الخلوي لتبادل النكت، ولقد سمعت أن هناك من يروّج النكت لجذب مشترين للخلويات ولزيادة المبالغ المطلوبة من المشتركين!

أحياناً استمتع بـ(شو)، عرض يعني، أقرب ما يكون لعرض الممثل الواحد، على الرصيف يؤديه مواطن خلويّة على أذنه اليسرى - الخلويون إجمالاً يساريون - ويده اليمنى تترجّم طبقة الصوت، ومدي الحدّة أو الرقة، بحيث نتمكّن من الحكم على نوعية المحادثة وإن كنّا لا نرى المتكلّم معه. المثير أن المتكلّم يتصرف وكأن من يتكلّم معه ماثل أمامه، فهو يخاطبه همساً وذوباناً إن كان حبيباً (حبيبةً)، أو برجاء وتوّسل إن كانت به حاجة إليه، أو بحدّة إن كان على خلاف معه..

قبل أيام انشددت لمتابعة أحدهم وهو يرفع صوته كما لو أنه أحد ممثلي أدوار الشّر في السينما العربية، وهو يلوّح بيده اليمنى شّاقاً الهواء بها وكأنها سيف، ويهوي على رأس خصمه غير المرئي، وبصوت راعد:

- اسمع: أنا بأخبط على شاربك يا خر... أعرف مع مين بتحكي...

كان يتهدد ويتوّعد وهو يرسل نظرة جانبية إلى الناس عند موقف السيارات...

سمعت من يهمس:

- هذا كذّاب، فخلويّه مغلق، وربّما تكون البطاقة فيه منتهية، وكل همّه لفت الانتباه إليه...

واندفع المتكلّم إلى أول الدور وقد اربدّت ملامحه وفاض الشّر عليها، وهو ما جعل من تجاوزهم يلوذون بالصمت غاضين النظر عن سلوكه الإرهابي!...

الخلوي صار جزءاً من الوجاهة لا الحاجة.. في كل بيت يوجد خلوي أو أكثر، والفواتير تضطر بعضهم لبيع الجهاز بعد فترة بأرخص ثمن، وتجارة الخلويات التي راجت في السنوات الأخيرة أغرت كثيرين لافتتاح خمسة آلاف محل (بحسب ما جاء في الدستور).

الداية، المأذون الشرعي، بائع الدجاج، الزبّال، التلميذ، الطالبة، الخضرجي، الشاعر الذي يكتب قصيدة نثر ولا حاجة له بالاتصال بالجمهور المعتاد على الطرب لقصيدة عمودية مقفاة موزونة مناسباتية، الحماة والكنّة لتبادل عبارات تبدو ديبلوماسية في حين أنها تخفي ما تخفي من التهديد والوعيد، الزوج المطواع المضطر لشراء راحة أعصابه.. و..الذين، واللواتي.. لهم مآرب أخرى.. كل هؤلاء وغيرهم يحملون الخلويات لـ..طق الحنك...

مرّات كثيرة وجدت بجواري خلوياً نسيه صاحبه، خلوياً محشواً بكلام فارغ منفّر، وهو ما دفعني للفرار بعيداً عنه حتى لا ينفجر هذا الكلام على مقربة منّي مما يؤدي إلى إلحاق الأذى بي.

إنهم، وإنهنّ، ينسون (خلوياتهم).. ثمّ يشترون غيرها، وفي كل الأحوال يدهشون لأنك بلا خلوي، إنسان ناقص خلوي.. لا يمكن الاتصال بك لسؤالك: ها.. شو في ما في؟ كيف شايفها؟ شو عاملين.. أنا في الشارع. كلّهم في الشارع يطقون الحنك، الحكي الذي يستنزف قروشهم القليلة ليقولوا أنهم في الشارع، يعني بلا عمل، ورغم كثرتهم فكّل واحد وحده، يرتمي على حجر قرب الرصيف أو على كرسي في مقهى منتظراً لا أحد، ثمّ ليغرق في الحزن، ومن بعد ينهض متثاقلاً كسيراً.. وينسى الخلوي الذي وضعه تحت فخذه.. ليصدر رنيناً.. لا يجيبه أحد، يلتقطه عابر يحشوه ببطاقة.. يقرأ نكتة، ثمّ يرسل (ماسيج) إلى نانسي عجرم: ما فيي عيش إلاّ.. وهنا ينقطع الإرسال لأن الجهاز يحتاج إلى شحن.. فما العمل وصاحبه نفسه يحتاج إلى شحن ولحم وعظم و.. مبروك البرونزية والمركز الثالث في طق الحنك والكلام الفارغ!