أضواء على أزمة الرهائن في العراق

يوسف الأسعد/كاتب وباحث عربي - دمشق

كثر الحديث في الأشهر القليلة الماضية عن الرهائن من أجانب وعرب ومسلمين في العراق، وتعالت الأصوات في وسائل الإعلام العربية والغربية والأمريكية منددة ومستنكرة هذه الطريقة في التعامل مع ما يسمى (المدنيين العزل) تبع ذلك حملات مركزة ودقيقة للنيل من شرف المقاومة العراقية الباسلة، ومن ثم الإساءة إلى القيم العربية والإسلامية في التعامل مع المدنيين أثناء الحروب حتى وصلت الصفاقة ببعض الإعلاميين العرب السائرين في الركب الأمريكي الصهيوني إلى القول "بأن ما يحدث في العراق من احتجاز للرهائن ليس بدعة في تاريخنا العربي، لأن الإنسان العربي بطبعه مجبول على الكراهية، ولا يعرف أي حق من حقوق الإنسان، ولا يعترف بالاتفاقات الدولية والقانونية التي ترفض اعتقال، أو قتل المدنيين أثناء الحرب"!!.

لقد نسي هؤلاء أو تناسوا أن القيم العربية أو الإسلامية أسمى من ذلك وأعظم من أن تنال منها ألسنة هؤلاء المتصهينين، فتعاليم الإسلام هي أول تعاليم في الدنيا احترمت الإنسان وناضلت من أجله واعتبرته خليفة الله على الأرض، ولو نظرنا إلى الفتوحات الإسلامية العربية لوجدنا أن الخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم كانوا يوصون المقاتلين أن لا يقتلوا مدنياً ولا يقتلعوا شجرة ولا ينحروا دابة، ولا يمنعوا الملل الأخرى من عبادتهم وممارسة طقوسهم بالطريقة التي يشاءون.

أسوق هذه الأفكار التي أطلقها ويطلقها الحاقدون على المقاومة العراقية الباسلة، وأنا أتابع مجريات وتطورات قضية الرهائن التي استخدمت قناعاً للتغطية على الجرائم التي تلحقها قوات الاحتلال بأهلنا وشعبنا في العراق، والذي يتابع قضية الرهائن وما رافقها من حملات إعلامية كاذبة يشعر وكأن العراق قد تخلص من الاحتلال بشكل كامل ولم تعد أمام العالم إلا قضية الرهائن.

أعترف بأن للغربيين الحق في استعمال كل الوسائل السياسية والإعلامية للإفراج عن مواطنيهم، وأتفهم حرصهم واهتمامهم بحياة مواطنيهم وهذا حق لهم، ولكن الذي لا يمكن فهمه أو تفسيره تلك الهجمة الشرسة التي يشنها إعلاميون وسياسيون وجاليات عربية للإفراج عن الرهينتين الإيطاليتين!!، وكنت أتمنى أن أسمع هذا الإعلام العربي وهو يستصرخ العالم لكشف ما حدث ويحدث في سجن أبو غريب!!، وكيف أن الجنود الأمريكيين والبريطانيين يختطفون ماجدات العراق من شوارع المدن العراقية والتنكيل بهن واغتصابهن دون أن يقول واحد من هؤلاء الإعلاميين العرب إن ذلك يتنافى مع حقوق الإنسان إن كان للإنسان حقوق كما يعتقدون!!.

وللوقوف على حقيقة موضوع الرهائن لدى المقاومة العراقية فإنني أشير إلى الحقائق التالية:

أولاً: منذ أن احتل العراق، أعلنت أفواج المقاومة العراقية رفضها لهذا الاحتلال، وحملت السلاح في وجهه، وناشدت كل الدول الإقليمية والأجنبية أن تمنع مواطنيها من السفر إلى العراق، وأنها ستعتبر أي منظمة أو شركة أو مؤسسة تدخل العراق بوجود الاحتلال جزء اً من هذا الاحتلال، وعلى هذا الأساس سوف تتعامل المقاومة معها.

ثانياً: معروف أن الجيوش حين تحتل بلداً ما فإن الفوضى ترافق ذلك الاحتلال، مما يستدعى أفواجاً كثيرة من قوات الاحتياط للسيطرة على الأوضاع، وحين لا تجد هذه الجيوش احتياطاً كافياً كما هي حالة الجيش الأمريكي في العراق فإنها تعمد إلى تجنيد جيش رديف من المرتزقة المدنيين تحت عناوين مختلفة (إعلاميون، خبراء، علماء اجتماعيون، وكلاء إغاثة) وهؤلاء المرتزقة يعرفون أدوارهم تماماً حين ينتشرون بين جماهير الوطن المحتل فيروجون للاحتلال، ويبثون روح الهزيمة بين الناس، ويحاولون التعرف أو الوصول إلى مواقع المقاومة، هذا ما حدث في الثورة الجزائرية والفيتنامية، حتى كتب أحد جنرالات الجيش الأمريكي في مذكراته (كنا نعد جيشاً من المصورين والفنانين ورجال الأعمال للوصول إلى مواقع وقيادات المقاومة الفيتنامية تحت اسم جمعيات خيرية أو طبية للتخفيف من آلام الشعب الفيتنامي).

ثالثاً: إن ما ميز الاحتلال الأمريكي للعراق دخول "الموساد" الصهيوني على الخط بجوازات سفر أوروبية أو أمريكية مزورة ضمن حملات الإغاثة والهلال الأحمر والأمم المتحدة إلى العراق، وهؤلاء الصهاينة أخذوا يبتاعون العقارات والمزارع والمحال التجارية الكبرى و يشترون ضمائر ضعاف النفوس، ويقدمون للشباب أفلام الخلاعة التي انتشرت مجاناً في العراق.

رابعاً: ثبت للجميع أن المقاومة العراقية لا تحتجز الرهائن حباً في الاحتجاز كما يفعل الأمريكيون وإنما تقوم بذلك للضغط على حكوماتهم لسحب قواتها من العراق والتوقف عن قتل المئات من الأطفال والشباب والنساء، وما يؤكد ذلك رفض هذه المقاومة الفديات المالية مهما كانت لأن المقاومة تحمل رسالة سامية وتناضل بشرف لتحرير العراق من دنس المحتلين.

خامساً: يجب التنبه إلى أن هناك مختطفين من جنسيات مختلفة لدى مخابرات القوات الأمريكية في العراق، والأحزاب العراقية العميلة للإساءة إلى المقاومة وإلى روح وقيم الإسلام والعروبة لدى الرأي العام العالمي، ولإقناع كثير من الدول الأوروبية التي رفضت الحرب على العراق بأنها كانت على خطأ، وربما تقع قضية اختطاف الصحفيين الفرنسيين ضمن هذا الإطار.

إن القوى القومية الإسلامية التي تتصدى للاحتلال الأنغلو-أمريكي-الصهيوني في العراق سوف تنتصر في معركة الرهائن، كما انتصرت في نسف المخططات التي حاولت إشعال نار الطائفية والإثنية في العراق، لذلك نقول إن هذه القوى المقاومة وهي تواجه الانحدار والانهيار في الوضع الرسمي العربي، وتتحدى قوى الإمبريالية والصهيونية والعملاء مدعوة إلى العمل الجاد الدؤوب لترسيخ الوحدة القومية الإسلامية، وصهر كل التنظيمات المقاومة ضمن منهاج النضال الواحد، مثلما هي مدعوة لصوغ سياسيات وطنية وقومية اعتراضية مفتوحة على روح المبادرة والتأكيد على الحريات السياسية والديمقراطية الشعبية، وعليها استلهام التأييد والتعاطف الجماهيري العربي على امتداد الوطن العربي الكبير لتثبيت حقائق الثورة الجديدة التي لم تعد حكراً لأحد ولا هي مرتهنة لحزب أو طائفة لأنها ملك للجماهير التي تعرضت لأقصى وأبشع التحديات الداخلية والخارجية في ظل إشاعة ثقافة الهزيمة والاستسلام الذي حاولت جهات عديدة فرضه على الأمة العربية.

إن المقاومة العراقية يجب أن تستلهم تاريخ أمتها وتعمل جادة لصوغ نظرية جديدة قائمة على الثوابت القومية والإسلامية السامية، ومحرضة الجماهير للثورة على كل رموز الاستعمار والخيانة والهزيمة.