رسالة إلى السيد مقتدى الصدر
العراق بين المقاومة والمواجهة
وجيه عمر مطر
(1)
نبعث بهذا الرأي إليكم، وأنتم تقفون اليوم مع اخوة لكم في المقاومة العراقية، لتحرير العراق من الاحتلال الصهيوني الأمريكي البريطاني، وهي معركة مصير ليس لكم في العراق فحسب، وإنما للأمة العربية جمعاء، فأنتم اليوم تخوضون معركة الأمة، إلى جانب إخوانكم في فلسطين المغتصبة، فهي معركة مصير ومنازلة تاريخية.
ولذلك فان أهم عوامل الانتصار وتحقيق الأهداف الكبرى على العدو، هو معرفتنا بهذا العدو، وماذا يريد وما هي الاستراتيجيات والتكتيكات المختارة في ممارسته السياسية، وقدراته العسكرية والاقتصادية.
وفي هذا الإطار فإن هناك أخطاء قاتلة لدى البعض في رؤيته لهذا العدو، وما هي أهدافه، ومن هذا المنطلق نرى بعض التشويش في رؤية ومواقف بعض معارضي الاحتلال. وفي هذا الجانب فإن من عوامل تحقيق النصر على العدو الوعي بـ:
أولا: تحديد العدو وهويته
ثانيا: أهداف العدو المرئية وغير المرئية
ثالثا: قدرات العدو على كل المستويات
رابعا: آليات العدو وأشكال وأساليب عمله
وأمام هذه الخارطة التي لا بد من رؤيتها بوعي علمي وواقعي، نستطيع أن نحدد طبية الصراع مع هذا العدو وطبيعة الآليات الممكنة، من خلال رؤية وتحديد قدراتنا.
إن رؤية ميزان القوى يميل دون أدنى شك لصالح العدو من حيث القدرات العسكرية واللوجستيكية والإمكانات الاقتصادية والسياسية والإعلامية، كون العدو يتمتع بقدرات ليست في إمكاننا التوازن معها أو الحصول عليها.
هل يدعونا ذلك إلى الاستسلام للعدو؟؟
إذا كان الأمر كذلك فلا داعي للحديث والحوار، لأن الصراع سيكون في هذه الحالة محسوما للعدو، وذلك لا يمكنه أن يكون إلا في حال انعدام الإرادة الشعبية.
هل الأمر كذلك أيضا؟؟
الأمر أضحى من الوضوح ما يكفي، فقد أثبت الشعب العراقي بكل أطيافه وطوائفه، أنه مالك لإرادته، ورافض للاحتلال، وها هو يقاوم أعتى قوة في العالم.التي أخفت وتخيف قوى دولية كانت عظمى فكيف بأنظمتنا العتيدة!!
إذن الإرادة متوفرة، والشعب رافض لكل أشكال الاحتلال، والعنصر الأساسي في هذا الصراع متوفر أيضا، وهو العنصر البشري.
إذن ما الذي لا زال غير متوفر أو واضح بحده الأدنى؟
للإجابة على هذا السؤال، نعود إلى النقاط الأربع الأساسية، التي طرحناها أعلاه، أي في وعي أهداف وإمكانات العدو واليات عمله.
العدو هنا.. مركب، رغم وضوحه بما يكفي ولكن تعقيده يجيء لتداخل أهداف كل من أطرافه، هذا العدو من الولايات المتحدة الأمريكية وشركاتها العابرة القومية، والكارتل الاقتصادي الدولي المركب أيضا، وبريطانيا، والعدو الصهيوني بحركته الصهيونية العالمية وكيانه الاغتصابي في فلسطين، والنظم العربية التابعة والعميلة، إضافة إلى القوى التابعة والتي كانت تختبىء في كواليس المخابرات الأمريكية والغربية بعامة، وهي اليوم تطل برأسها بعد هذا المآل الذي آل إليه الوضع العربي من انتكاس وارتداد وخضوع وامتهان، من العملاء الذين قدموا على الدبابات الأمريكية، ويتفاخرون بعمالتهم للعدو الأمريكي المحتل، أمثال علاوي والربيعي وزيباري وأقطاب الحكومة العميلة المنصبة من أمريكا.. نتيجة السياسات العربية الرسمية الخانعة، جاء هذا العدو إلى المنطقة وأقدم على احتلال العراق، لا ليخرج منها حسب ادعاء العدو والعملاء التابعين له داخل العراق وخارجه. وإنما جاء ليبقى لتحقيق مشروعه القديم المتجدد، في الهيمنة على المنطقة ووضعها تحت سيطرته المباشرة، وللقضاء على مشروع الأمة العربية الإسلامية في تحقيق وحدتها، وفي الحفاظ على الكيان الصهيوني كذراع سُمِّيِّ يمنع من خلاله أي تقدم للمنطقة من حيث تحسين الأداء المجتمعي، وتحقيق التنمية الشاملة، والتي لا تتحقق الا في أجواء الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وهو عدو له من الإمكانات ما نفتقر له، ومن القدرات التدميرية الهائلة، التي لا يمكننا أن نقف في وجهها بالشكل والأسلوب العسكري الكلاسيكي، أي المواجهة، والمقصود هنا بالمواجهة، هو منازلته بطريقته وبأسلوبه وفي الزمان والمكان الذي يحدده هو طبقا لقدراته وإمكاناته.
ومن هنا، لا بد من أن نفرق ما بين المواجهة والمقاومة، المواجهة بمعنى منازلته وجها لوجه، والمقاومة بمعنى منازلته بأسلوب الحرب الشعبية، حرب المدن، حرب العصابات، حرب الشوارع، الكمائن.. الخ.
الأولى، أي المواجهة.. ستضعنا في فك قدراته وإمكاناته التي نفتقر إليها، وهو يتمنى ذلك، إذ فعلها مع الجيش العراقي سابقا، وكذلك مع طالبان، وأيضا في يوغسلافيا وفي كل الحالات كان هو الرابح المباشر، واستطاع إيقاع أكبر الخسائر في القوى المواجهة، لأنه يمتلك من التقنية والقدرات ما يجعله متفوق دائما.
وهذا الأمر فعله أيضا معكم في أكثر من منازلة وكان يتمنى عليكم منازلته وجها لوجه، وإذا ما لاحظتم وراجعتم سيرة هذه المنازلات مع هذا العدو، من مدينة الصدر إلى النجف إلى كل المواقع الأخرى، كان يحاول جر المقاومة إلى منازلات مواجهة وليس بالمقاومة،وكان يوقع في قوانا أكبر الخسائر دون أن يتكبد الخسائر التي نتوخاها في صفوفه.
وأما المقاومة، فإنها الوسيلة الأنجع والتي تخيفه ويعمل بكل قواه على تفكيكها، لأنه حاول لأكثر من مرة أن يصطاد المقاومة في مواجهات كان يفتعلها لجر المقاومة إلى مثل هذه المواجهات التي كان يحدد مكانها وزمانها، وحسب الرؤية التي يحددها. ومع ذلك فشل إلى حد كبير، إلا في حالات استثنائية، كحالة الفلوجة وهي حالة مثلى للمقاومة كما في النجف أيضا، أو في مدينة الصدر، لأن وضعا فرض علينا فنختار أفضل السبل إلى إيقاع أكبر الخسائر به، وتجنب الخسائر ما أمكن في جانبنا.
والمقاومة عادة ما تتبعها الشعوب التي ترزح تحت الاحتلال، وتتبع أساليب لا يمكن للعدو اكتشافها، وإذا ما اكتشف بعض أساليبها فتعمد قوى المقاومة على تغيير آليات عملها وتكتيكها في أشكال المقاومة. وهذا ما يدع العدو قلقا وعصبيا في اتخاذ قراراته، وهو ما تريد الوصول إليه المقاومة في مرحلة من المراحل، لإرباكه وإيقاع الفوضى في صفوفه وزرع الرعب بين جنوده، حيث لا يعرف هذا المرتزق لا أين ولا متى توجه إليه الضربات، التي لا يمكنه تفاديها بكل تكتيكاته وقدراته وإمكاناته وتقنيته.
وحرب المدن أحد أهم أشكال المقاومة، وهذا يقتضي منا العمل على استقطاب الشارع من خلال برامج عملية يستفيد منها الناس لتصبح حريصة على حماية المقاومة وتنخرط في صفوفها، وأن نكون على جانب كبير من المصداقية التي يفتقر إليها من النظم والقوى التابعة والعميلة. ولنا في المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية، خير مثال على ذلك، فكلا المقاومتين، لم تعمدا إلى المواجهة إلاًّ إذا هي قررت ذلك، وكلاهما امتلك من التجربة ما يدعنا إلى النظر إليهما والى تجربتهما بعين العبرة والامتثال، ما نجح منها وما فشل، إنها تجربة فذة في مقاومة الاحتلال وفرض أجندة المقاومة.
والعراق يمتاز بتنوع جغرافي هائل من الصحراء إلى الجبال العالية، إلى الأماكن الوعرة، إلى المدن المكتظة إلى القرى، والى القبيلة التي لها امتداداتها في كل هذه التجمعات، وبخاصة امتداداتها خارج الحدود المرسومة للعراق من الأردن إلى السعودية إلى الخليج، إلى دول الجوار، وهذه ميزات نعرف كيف التعامل معها، ويفتقر العدو إليها وإن قرأها على الورق، ولكن تبقى التجربة والمعرفة اليقينية تخذله دائما، وتفيدنا نحن لأننا أبناء هذه المنطقة ونعرف كل تفاصيلها.
إن تقنية العدو البالغة التعقيد والتقدم يمكننا إفشالها إذا ما عرفنا كيف نتعامل معها بأسلوب يختلف عما يفكر به هذا العدو، إذ نأتيه من غير ما يحتسب، ونفاجأ ه من غير ما يدري، ولا يستطيع أن يعرف كيف ومتى سنضرب.
وكنا وما زلنا نسميها معارك إنهاك التقنية، وها أنتم قد اكتشفتم بفعل التجربة مدى نجاعة الحرب الشعبية، وباستعمال أسلحة بدائية، نسبة إلى أسلحة العدو المتطورة، أن زراعة لغم أو تفجير عن بعد إنما تنهك العدو، ودون إيقاع خسائر بجانب قواتنا، أو الإغارة ومن ثم الاختفاء.
وهذا الأمر يدعنا للالتفات إلى أهم الإشكالات التي لا بد من وعيها في مقاومة العدو:
1 - زرع الرعب في قلب العدو.
2 - أن لا ندعه يستقر، لأن عدم الاستقرار له، أحد دواعي وقوعه في الخطأ الدائم.
3 - عدم إعطاء العدو فرصة للتفكير وإعادة المراجعة والتقييم.
4 - أن نأتيه من حيث لا يحتسب.
5 - تنظيم قوى المقاومة إلى خلايا بأعداد صغيرة، تجنبا للخسائر في قواتنا، ولتسهيل عملية الاختفاء بشكل سريع، ولا يعطي للعدو فرصة التقاط الأنفاس وفرصة البحث والتعقب.
6 - ضرب عملاء العدو، على أن يكون ضمن مخطط واضح ودقيق حتى لا نقع في مطب الثأر والعداوات الشخصية.
7 - اختيار المواقع التي نهاجم بحيث يكون لها مردودها السياسي والوطني والنفسي على الطرفين، على العدو فيضطرب وعلى المقاومة مما يشجع الآخرين على الانضمام إليها، كما أنها تعطي أبعادا سياسية لدى الشارع الشعبي.
8 - العمل على تصوير بعض العمليات التي تقوم بها المقاومة وبثها بالطرق التي نراها مناسبة عبر الفضائيات، كون المعركة الإعلامية أحد أهم جوانب المقاومة.
9 - الوضوح في طرح الأفكار السياسية والاجتماعية، على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي، مما يؤكد على ثقة شعبنا بالمقاومة ويعزز مواقعها.
10 - تدريب متنوع وشديد، وعلى كافة أنواع الأسلحة، من فرق لاغتيالات قادة العدو، إلى جمع المعلومات وتحديثها الدائم والمستمر، إلى القيادات الاجتماعية إلى.... الخ.
11 - قضية أخرى، إن الأطراف المتصلة بالعدو والتي تتعامل معه الآن، من حكومة علاوي إلى الأطراف الأخرى التي ما زالت لم تكشف عن وجهها ولم تكشر عن أنيابها بعد، كل هذه القوى لن تكون للحظة إلى جانبكم ولا إلى جانب القوى المقاومة، وإذا ما ادعت ذلك الآن، إنما هي تفعل ذلك من أجل إجهاض المحاولات الثورية، لخوفهم من تناميها وتجذرها في عقل الشعب ووجدانه، فيخلعهم، وهو ما يهدد امتيازاتهم ووجاهتهم، وهو ما ظهر من بعض من يدعي العقلانية، وما يسمى بإصلاح الداخل........ الخ.
فيما نقول ليس له أي من غاية سوى مصلحة الأمة والوطن، وطرد الاحتلال، طردا يجعله يندم على فعلته، ولم نقصد للحظة أن نعطي دروسا لأحد، رغم التجربة العملية التي خضناها لسنوات طويلة، ورغم إطلالتنا على التجارب الثورية الأخرى في العالم.
يمكننا أن نهزم قوى العدو وتقنيته، بأسلحة بدائية، نسبة إلى السلاح والعتاد الذي يمتلكه العدو، إذا ما استطعنا وعي طبيعة الصراع وكيف نخلق توازن الرعب، الذي أحدثته المقاومة الفلسطينية، في الداخل، من رمي الحجر إلى العمليات الاستشهادية.
نعود لنؤكد على حقيقتين:
الأولى: أن نقاوم :: ولا نواجه إلا إذا قررت قوى المقاومة أن تفعل ذلك لتخلق وضعا سياسيا وجغرافيا مختلفا.
الثاني: أنه يمكننا هزيمة العدو بكل تقنياته المتطورة، ونفقدها فاعليتها إذا ما أحسنا التعامل مع هذه التقنيات، بأقل، وأدنى التقنيات، فقذيفة (آر بي جي)، يمكنها تدمير دبابة وقتل من فيها، دون أن نخسر مقاوما واحدا.
المقاومة من أجل التحرير وليس من أجل أن تموت
المقاومة ليس فقط أن نعرف كيف نكر، ولكن أن نحسن فن الاختباء والكمون والظهور بشكل مفاجيء يربك العدو ويزعزع ثقة الجندي المعادي بقيادته، بل ويفقد الثقة بقدرته رغم آلته الحربية ذات القدرة التدميرية الهائلة.
ومن أهم عوامل انتصار المقاومة كما قلنا هو أن نحدد أهدافنا وان نضع مشروعا لذلك، أن نحدد الأعداء وكذلك الأصدقاء، وهذا يدفعنا بقوة إلى وضع صيغ للتحالفات، وأن نحسن فن سبك العلاقات مع القوى المقاومة الأخرى، وان نحذر مطبات المغامرة وعلى كل الاتجاهات. فالطريق إلى الجنة يحتاج إلى أكثر من النوايا الحسنة، فإنه يحتاج إلى فعل عاقل وعقل فاعل.