سرقة الكلمات من معانيها: الديمقراطية و التحرير نموذجاً

د. ثائر دوري/سورية

جرائم السرقة شائعة ومتنوعة لكن اغلبها يدور حول سرقة أشياء مادية، نقود ، ذهب ، مجوهرات، براد، غسالة... الخ. عدا ما عرفه العرب وغيرهم من سرقة للشعر والأدب، والذي يتم حمايته اليوم في كل أنحاء الأرض تحت شعار حماية الملكية الفكرية.

لكن أشيع أنواع السرقة وأخطرها على الإطلاق في عصرنا سرقة بالكاد يلاحظها الناس، وهي سرقة المصطلحات والكلمات من معانيها.

ولأن الكلام ببلاش فكل إنسان يطلق على نفسه ما يشاء من ألقاب وصفات دون المطابقة بين معناها الحقيقي ومضمون الشيء الذي تطلق عليه. يذكر الكاتب التركي الساخر عزيز نيسين في مذكراته أنه عندما أقرت تركيا قانون النسبة بداية القرن العشرين وصار كل شخص ملزماً أن يطلق على عائلته لقباً. يقول الكاتب إن هذا الحدث أبرز كل عقد النقص في المجتمع وأفرغ الكلمات من معانيها. فالبخيل أطلق على نفسه اسم الغني، أو ذي اليد المبسوطة، والكئيب أطلق على نفسه اسم الفرحان، والجاهل اختار كلمة العليم أو السراج المنير وهكذا دواليك في عملية سطو مكشوفة على الكلمات حتى أصبحت الكلمة تعني نقيضها.

منذ ظهور الفكر الاشتراكي في منتصف القرن التاسع عشر وذيوع صيته بين الجماهير الكادحة على أنه فكر خاص بهم يحقق العدالة ويخلصهم من الاستغلال والفقر والجوع، منذ ذلك الحين تعرضت هذه الكلمة ((الاشتراكية)) إلى عملية قرصنة منظمة فرفعها شعاراً كل من هب ودب. فإلى جانب لينين، الذي رفعها لنصرة المظلومين وتحرير المستعبدين، رفعها وحش نازي هو هتلر الذي رفع شعار الاشتراكية الوطنية ليستخدمها غطاءاً لفكر عنصري يقسم البشر إلى أنواع، نوع أول وثاني وثالث..... الخ. وما بين لينين وهتلر نشأت أحزاب اشتراكية مسيحية وأحزاب اشتراكية ديمقراطية حتى أن كل حزب تأسس بعد الحرب العالمية الأولى وقبلها كان يضيف لاسمه لاحقة ((الاشتراكية)). ثم انتقل الأمر إلى العالم الثالث فرفع الجميع شعار الاشتراكية من بعض التيارات الدينية إلى التيارات الماركسية وما بينهما.. فصار الشعار يضم تحت يافطته مناضلين يسعون إلى خدمة مجتمعاتهم وتحريرها عبر العدالة الاجتماعية، وإلى جانبهم لصوص وقتلة ومجرمون يحملون نفس الشعار، وهكذا ضاع معنى الاشتراكية الحقيقي فصار يتحدث بها نهاب ولصوص وأثرياء حرب ومجرمون واضطر أصحاب الفكر الاشتراكي الحقيقي، الذي يعني توفير العدالة للناس، إلى الصمت بعد أن شاهدوا كلماتهم تسرق من معانيها حتى صارت كلمة اشتراكية، التي هي بالأصل خلاص للطبقات المحرومة كما ذكرنا، تثير رعب هذه الطبقات لأنها باتت تعني في التطبيق الواقعي أن يتسلط لص على رقابهم فيزيدهم جوعاً وفقراً باسم الاشتراكية التي وجدت أصلاً لتحارب الفقر والجوع. وقل نفس الشيء عن كلمة الحرية التي تعرضت إلى سطو من نفس الأشخاص.

وما إن تراجعت موجة الاشتراكية من الفكر العالمي وحلت مكانها الديمقراطية حتى تعرضت هذه الكلمة لهجوم منظم شرس من عتاولة المجرمين للسطو عليها ونجحوا في ذلك إلى حد كبير. فصار مجرمون أمثال ريشارد بيرل وديك تشيني ورامسفيلد، ومجنون مثل جورج بوش يكلمه الله في أروقة البيت الأبيض فيأمره جل جلاله باحتلال العراق!!. لقد أصبح هؤلاء المجرمون دعاة للديمقراطية وموكلين من الرب بنشرها. وهكذا تعرضت هذه الكلمة النبيلة، التي تعني حكم الشعب بنفسه ولنفسه في أبسط وأقدم تعريف لها.. صارت تعني على أرض الواقع التدمير والقتل والتشريد والقصف بالقنابل والتعذيب في المعتقلات على نمط أبو غريب!.........

وينطبق هذا الأمر على السطو الذي تعرضت له كلمة "التحرير" فقد استولت عصبة المجرمين السابقة على هذه الكلمة النبيلة المشتقة من كلمة الحرية، والتي تعني إطلاق قيود الناس وجعلهم أحراراً في تقرير أمور حاضرهم ومستقبلهم.. استولت على ((التحرير)) فصارت الكلمة تعني الغزو والسلب والنهب وتسليم الحاضر والمستقبل إلى لصوص وعملاء و أفاقين..... الخ.

فإذا بشر بوش بلداً ما أنه قادم لدمقرطته أو لتحريره فعليك أن تفهم أنه قادم لتدمير البلد بعد أن يقصفه بالقنابل العنقودية واليورانيوم المنضب، ثم يسجن أبناءه في سجون على نمط أبو غريب وغوانتانامو.

وهؤلاء اللصوص الكبار ليسوا وحدهم في العالم بل إنهم يخلفون لصوصاً صغاراً في كل بقعة من العالم فكل لص أو مغامر أو طامح للزعامة يعلن اليوم عن نفسه ديمقراطياً أو يشكل حزباً ويضيف إلى نهايته كلمة الديمقراطية أو الديمقراطي. بحيث وجد الشرفاء المناضلون الذين دفعوا ثمن الديمقراطية من دمهم ومن عمرهم سنوات طويلة في السجون والمعتقلات وحوربوا بلقمة عيشهم حتى جاعوا. يجد هؤلاء الشرفاء أنفسهم بدون كلمات بعد أن سرقت كلماتهم وصارت تعبر عن النقيض. مما يجعلهم عاجزين عن التعبير عن أفكارهم بدقة لأن كلماتهم سطا المجرمون على معناها و حولوه إلى النقيض.