الإنسان العربي.. والشخصية القيادية
سميرة رجب/كاتبة من البحرين
على مدار تاريخ الأحزاب والقوى السياسية والوطنية العربية التي بدأت مع حركة التحرر العربي منذ بدايات القرن الماضي، وطوال فترة مرحلة البناء والتنمية، وما تبع ذلك من صراعات عالمية وإقليمية حتى نهاية الحرب الباردة وانتهاء نظام التوازن الدولي المتعدد الأقطاب، وبداية تشكل عصر دولي جديد في ظل الأحادية القطبية ذي السياسات الاستعمارية الجديدة التي جاءت بممارسات ومصطلحات ونظريات ورؤى تختلف تماماً عما كان سائداً في العصور السابقة، على مدار ذلك التاريخ الطويل والتغيرات العميقة التي حصلت خلالها، لم تعش هذه الأمة تجربة تغيير واحدة في الأطر المؤسسية والهيكلية والسياسية للقوى والأحزاب الوطنية العربية التي تأسست ونشطت في ظل ظروف مرحلة الاستعمار القديم وممارساته وسياساته، فاستمرت هذه القوى والأحزاب غير قادرة على مراجعة نفسها، كما استمرت تعمل من خلال نفس الأسلوب والممارسات العتيقة التي كانت سبباً رئيسياً في إخفاقاتها السابقة التي قطعت كل سبل التواصل بينها وبين الجماهير والعمل الجماهيري. ومما يؤسف له أن هذه الأحزاب عندما رجعت لتعمل بين الجماهير مرة أخرى، بعد انقطاع دام أكثر من ثلاثة عقود، رجعت من خلال ذات الآليات والسياسات القديمة إضافة إلى ذات الرموز والعقليات التي لم تتمكن حتى من ملاحقة التطورات المجتمعية والاجتماعية ونمط العمل السياسي في هذا العصر.. فتكشفت أزمة هذه المنظمات وأزمة العمل السياسي العربي بشكل خاص، التي هي انعكاس لأزمة المجتمع العربي بشكل عام، في أنها أزمة القيادة والقياديين، التي تتلخص في وجود الأشخاص غير المناسبين في الأماكن غير المناسبة، وما يسببه ذلك من عوائق في طريق التطور والتحديث على مستوى كافة القطاعات في المجتمع بدءاً من القطاع المجتمعي والسياسي والتنظيمي، وانتهاء بقطاع صناعة القرار بمعايير ومتطلبات العصر.. ومن هنا يمكن تفسير ذلك التراجع والقصور الإبداعي في كافة المجالات الفكرية والفنية والعلمية والسياسية في مجتمعاتنا. ولهذا يجب التنويه بأنه إذا كان من السهل تشخيص وانتقاد هذه الأزمة في أجهزة الدولة الرسمية في نطاق ما يدعى بالفساد الإداري، إلا انه ليس من السهل إعلان ذلك النقد في الجانب المدني أو غير الرسمي، أي على مستوى مؤسساتنا المدنية وأحزابنا السياسية التي ترى نفسها أنها لا تزال تقع تحت ضغط الأنظمة وطغيانها، مما يستوجب مساندة دورها ضد هذه الأنظمة وليس إضعافها بالنقد والمحاسبة.. إن الواقع السلبي الذي تعيشه الأمة العربية يدل بشكل قاطع على ان الأهداف الوطنية والسياسية التي كانت حلم أبنائها من المناضلين والثوريين، أو أبنائها ممن تمركزوا في سدة الأنظمة السياسية، لم تتحقق.. أي لم يتمكن المناضلون العرب من أن يحققوا تغييراً جوهرياً لهذه الأمة من خلال مؤسساتهم الحزبية والسياسية والاجتماعية المختلفة، كما لم تتمكن الأنظمة العربية من تحقيق ذلك التغيير من خلال أبناء هذه الأمة في مواقع صنع القرار الرسمي.. وفي ذلك يكمن الكثير من الغموض الذي لف العمل السياسي والوطني العربي بسبب تحريم عملية المساءلة والمحاسبة للرموز والقيادات السياسية على مدار العقود السابقة، كما تم إلغاء مبدأ المحاسبة والمساءلة لرموز الأنظمة العربية غير الديمقراطية. من خلال ذلك التاريخ القريب وهذا الواقع المعاش، يمكننا أن ندرك إن هذه الأمة تعاني من هم جوهري يتمثل في افتقادها ذلك المنشأ العربي الأصيل الذي من شأنه أن يخلق الإنسان العربي ذا الشخصية القيادية بالصفات الذاتية المتجسدة في الالتزام والذوبان في القناعات الوطنية والفكرية والاعتقادية إلى حد التطابق التام بين القول والفعل، والموقف والعمل، وفي السعي الدؤوب والإيمان الراسخ بقدرات الأمة على مواجهة الأخطار والتحديات وتحقيق التطور والتقدم والتحرر رغم صعوبة الواقع وتعقيداته وتأثيره في إحباط الهمم وإضعاف النفوس.. ولهذا تفتقد هذه الأمة الإنسان العربي المتجرد عن الذات والمصالح الذاتية في موازين الوطن والوطنية... فيا ترى إلى أين المصير؟