نواقض العدالة: تحويل الضحية إلى جلاد

صلاح المختار/باحث وأكاديمي من العراق

إن كانت نواقض العدالة كثيرة وتنطوي كلها على ظلم فادح، فإن أشدها إنتاجاً للألم هو تحويل الضحية إلى (جلاد) والجلاد إلى (ضحية)، فالإنسان بطبيعته يتحمل الكثير من المظالم، وربما يبدي تسامحاً تجاه أغلبها، لكنه لا يتحمل أن يوضع في (قفص الاتهام) لمجرد منعه من الشكوى من مظلمة وقعت على رأسه، فيقف (محاميه) إلى جانب المدعي عليه، ثم ينضم (القاضي) إليهما في مشهد كارثي ينتج الألم بكرم حاتمي لا ينتهي إلاّ حينما يصل الحال إلى مستوى المأساة!

تصوروا إنساناً يعتدي عليه شخص ما وقبل أن يذهب لتسجيل شكواه لدى القضاء يأتيه شرطي ويكبل يديه ويقول له: أنت متهم بالاعتداء (على نفس ذلك الشخص) ! وتبدأ مسيرة الآلام في داخل هذا الشخص حينما يفترض أن هذه التهمة الباطلة ستسقط حالما يجند محام بارع للدفاع عنه، فيقف أمام قاض نزيه ليرد تهم المدعي، لكنه يلاحظ، أولاً، أن القاضي يسمح للمدعي بتقديم (أدلة) اتهام هزيلة أو غير مسنودة، ثم لا يعطي للمحامي وقتاً يكفي للرد على الاتهامات، وحينما ينزرع في داخل المظلوم توقع أن يثور المحامي على تحيز القاضي يفاجأ ببرود المحامي وتفاهة ردوده وضعف حجته رغم انه يعرف جيداً أصل القصة!

وبعد أن يصدر القاضي حكماً بإدانة (المتهم) البريء لصالح (البريء) المعتدي يصرخ: "حسبي الله ونعم الوكيل"، ويحول بصره إلى رجال الإعلام الجالسين في القاعة ويخاطبهم قائلاً: "لقد رأيتم بأنفسكم حجم ونوع الظلم الذي أصابني، لذلك أدعوكم لإنصافي، فأنتم (السلطة الرابعة)، وعليكم إحقاق الحق". وبسخرية ممتزجة بالشماتة ينظر الإعلاميون (للمدان) البريء وهم يدونون ملاحظاتهم! ويبقى البريء ينتظر طوال الليل، وهو خلف القضبان، ما سيكتبه رجال الإعلام دفاعاً عنه، لكنه يفاجأ بإجماع تقاريرهم على إدانته وإطراء (عدالة) و(نزاهة) القاضي!

كيف تتوقعون رد فعل مظلوم اجمع كل من يملك (سلطة) على إدانته، ثم كمموا أفواه المنصفين والشرفاء كي لا يدافعوا عن الحق ويدحضوا الباطل؟ من المؤكد أن هذا الضحية الذي حُوّل إلى (جلاد) سوف يفقد الثقة بالقضاء والعدالة وبالقيم الإنسانية، وتتشكل لديه نظرة شك عميق بالآخرين، وربما يقود هذا الوضع النفسي إلى سلسلة أخطاء وانحرافات كارثية، والأهم من كل ذلك أن العدالة كمناخ واقعي ستتبدد وتهزم ليس فقط في ذات الضحية الذي حول إلى (جلاد)، بل أيضا في نفوس من عرف الحقيقة ومع ذلك عتم عليها وتجاهلها، ابتداء من القاضي وانتهاء بالمحامي المرتشي ومروراً برجال الإعلام الذين ملأت أفواههم بالدولارات فلم يعد فيها مجال للسانهم كي يلوك كلمات العدل والقيم الأخلاقية والإنسانية، فكل هؤلاء صاروا (شهود زور) وانطفأت الإنسانية والعدالة في نفوسهم، إذا لم تكن منطفئة بالأصل، وانتقلت المشكلة من ظلم وقع على فرد إلى مشكلة تتعلق بممارسات عامة! أليست تلك قواعد عيش مملكة الحيوان؟

ولا يغير من طبيعة هذا الظلم الفادح أي وضع اقترن في السابق بالضحية الذي حٌوّل إلى جلاد، كأن يكون قاسياً او متجاوزاً أو كذاباً... الخ، لأن الأصل في هذه الحالة هو أن وضعه، السابق للظلم الذي وقع عليه، لا شأن له بالدافع لإيقاع الظلم به، فالعدالة تبحث عن حيثيات التهمة والأدلة المطروحة لإثباتها ولا يهم هنا لون المتهم أو طبيعته الفردية، سواء أكان لطيفاً أو خشناً، وحتى في حالة سوق حالته العامة بصفتها (دليلاً ظرفياً)، كما يقول المناطقة في مجال القانون، فان القرار النهائي يجب أن يقوم على إثبات أو نفي التهمة المحددة فقط ولا شيء غير ذلك.

صنع شياطين الغضب

غياب العدالة والإحساس به فردياً و جماعياً يولد شروراً لا حدود لها وينتج شياطين لا يردعها ضمير أو حق، ولذلك نلاحظ أن الأغلبية الساحقة من أولئك الذين ارتكبوا جرماً قد تنفسوا في بيئة غابت فيها حتى نسمات العدالة الضعيفة، فاصبحوا يفكرون بمنطق ضبع ويتصرفون بسلوك ذئب مع الآخرين. ولئن كانت هذه الظاهرة
تدمر الإحساس بالعدالة لدى فئات من المجتمع، فإن شمولها لأمة كاملة أو دولة بكافة أركانها ومكوناتها يضع البشرية أمام مخاطر مميتة، لأنه يقطع أساس العلاقات الدولية، وهو ذلك الخيط الرفيع الذي يشد كافة الأمم ويجعلها تتحمل بعض الأخطاء والعدوانات، وهو خيط وجود أمل فيما يسمى (العدالة العالمية)، لأن وجود الأمل يزرع في الإنسان توقعاً بأن يوماً سيأتي يحمل معه إنصافاً وعدالة بصورة كاملة أو جزئية. لكن حينما ينقطع هذا الخيط تتحول علاقات الأمم من علاقات بين البشر إلى تسابق بين ضباع من أجل افتراس حمل أو أرنب! ومن ثم يسقط أساس العلاقات الإنسانية وهو الاعتراف المتبادل بأننا جميعاً بشر ويجب أن نحترم حياة ومصالح بعضنا للبعض الآخر ولو بالحدود الدنيا، وهذا أضعف الإيمان!

متى ينقطع (الخيط)؟ في اللحظة التي يتيقن فيها الضحية انه حُوّل، قسراً وزوراً، إلى (جلاد)، تنهار الروادع المتبقية والتي كانت تتحكم في ردود الأفعال وفي الأفعال المخططة، و يصبح العالم مسرحاً لأسوأ وأخطر أنواع الوحشية، لأن الضحية الذي صار، بحكم القوة الطاغية للمزورين، جلاداً (مداناً) لم يعد يأبه لما سيحصل له، ولا بالعقوبات التي قد توقع عليه، بل يندفع إما للعمل على تحرير نفسه من عقوبة (الإدانة)، أو للانتقام من مضطهديه، وهكذا يتحول العالم إلى غابة يحكمها قانون الغاب لا غير.

العراق: أنموذجاً

هذه المقدمة ضرورية جداً لبحث غياب العدالة في العراق، وإذا بدأنا من النهاية، أي من الحالة التي يعيشها العراق وتأثيراتها على الجوار والعالم، وجدنا أن العراق كقطر، بشعبه ودولته، قد تعرض لظلم فادح تمثل في احتلاله وتدمير دولته والقضاء على حكومته ومؤسساته ونهب ثرواته وحرق وسرقة متاحفه وجامعاته وقتل الآلاف من أبنائه، ووضع الشعب العراقي كله في سجن كبير تجري فيه عمليات قتل للأبرياء وسجن وتعذيب واغتصاب للنساء والرجال والأطفال... الخ، والسؤال المركزي هنا هو: لماذا احتل العراق وجرى ويجري كل ما ذكرنا؟ إذا أخذنا الموقف الرسمي وجدنا أن الغزو قد تم بناءً على اتهام العراق بأنه يمتلك أسلحة دمار شامل وانه يتعاون مع القاعدة وقد يسلمها أسلحة دمار شامل لاستخدامها ضد أمريكا.

هذان الاتهامان اللذان أعلنت حكومة الولايات المتحدة انهما وراء ا لغزو، ثبت انهما كاذبان، فبعد عام ونصف من الغزو ونبش العراق شبراً شبراً لم تجد أمريكا وبريطانيا أسلحة الدمار الشامل، واعترفتا رسمياً بعدم وجودها وآخر من فعل ذلك كان كولن باول وزير خارجية أمريكا، كما اعترفتا -ورسمياً أيضاً- بعدم وجود صلة بين العراق و"القاعدة"، الأمر الذي يجعل الغزو، بما رافقه وأعقبه من إبادة جماعية للسكان، كما حصل ويحصل في الفلوجة والنجف الأشرف وحي حيفا في بغداد ومدينة تلعفر في شمال العراق وغيرها، وتعذيب بشع لهم واغتصاب جنسي للرجال والنساء والأطفال، كما حصل ويحصل في عشرات السجون التي تحمل اسم (أبو غريب )، إضافة لاغتصاب ونهب الثروات وتدمير الدولة، نقول كل ذلك وغيره يجعل الغزو عبارة عن مجموعة جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وخرق لمواثيق حقوق الإنسان وتدمير للبيئة، ومن أراد أن ينكر ذلك فعليه أن يسمح بإجراء تحقيق دولي محايد فيما جرى ويجري في العراق منذ وقع الغزو، لكن هاذ التحقيق غير مسموح به من قبل الغزاة.

ماذا حصل؟ هل اعتذرت أمريكا وبريطانيا من العراق وشعبه وقررتا دفع تعويضات؟ الجواب كلا، فلقد أعلن بوش الرئيس الأمريكي وتوني بلير -رئيس الوزراء البريطاني- إن إسقاط حكومة العراق بحد ذاته مكسب يسوغ الغزو! اكثر من ذلك أصرا على تقديم قيادة العراق للمحاكمة بتهم هزيلة وبمخالفات صريحة للقانون، ا لخاص والعام، الدولي والمحلي، وقلب جذري لقواعده وكأنها، أي القيادة العراقية، هي التي غزت أمريكا وبريطانيا وارتكبت كل الجرائم البشعة التي ذكرناها!

ما الذي يعنيه ذلك تحديداً؟ أنه يعني أن الجلاد، وهو هنا أمريكا وبريطانيا، الذي قتل اكثر من مليوني عراقي منذ فرض الحصار في عام 1990م وحتى الآن، ومارس التعذيب البشع الجسدي والنفسي في سجون رهيبة بما في ذلك الاغتصاب الجنسي، ووضع 25 مليون عراقي في سجن كبير دمرت فيه عمدا خدمات الماء والكهرباء والطب والنقل والاتصالات وغيرها، هذا الجلاد أخذ يلعب دور (الضحية) ويطالب بما تطالب به أي ضحية، ثم ينتقل إلى مرحلة افظع وهي الإصرار على الاستمرار في (شيطنة) الضحية رغم كشف كل الحقائق، وهي هنا العراق دولة وشعبا وقيادة، من خلال تصويره كأنه (جلاد) رغم أن ملايين، وليس آلاف الأدلة، تثبت بشكل حاسم العكس، وهو أن من يجب أن يحاكم هم الجلادون الذين قاموا بكل الجرائم التي ذكرناها وليس قيادة العراق التي أسقطها الغزو، ولا شعب العراق الذي يعرض لتعذيب متعمد ويومي وإهانات لمقدساته وانتهاك لشرفه وقتل لمواطنيه.

وإذا تحدث الغزاة عن (أخطاء) ارتكبت في العراق، فذلك ليس من شأنهم لأنه من اختصاص شعب العراق وليس غيره من جهة، كما أن العاهرة لا يحق لها أن تحاضر في الفضيلة، فأمريكا التي أباد مستوطنوها البيض 112 مليون هندي أحمر، وهم السكان الأصليون لقارة أمريكا الشمالية كما اثبت الباحث الأستاذ منير العكش، وقتلت أكثر من خمسين مليون إنسان في أوروبا و فيتنام وكوريا ولاوس وكمبوديا واليابان وإندونيسيا وفلسطين والعراق وأمريكا اللاتينية وغيرها من جهة ثانية، أمريكا هذه لا تملك أي غطاء أخلاقي يؤهلها للحديث عن حرصها على حياة وحرية البشر، وعهر أمريكا وبريطانيا الاخلاقي والمادي في العراق يشهد عليه ما جرى ويجري في سجن كبير اسمه العراق وليس في سجن (أبو غريب) الصغير وحده، فكل عراقي يتعذب يومياً بسبب احتمال القتل العشوائي وتخريب منظومات الكهرباء والمياه وتدمير موارد الخدمات الصحية والاختطاف وسيادة الجريمة المنظمة، ونهب ماله الشخصي واغتصابه جنسياً وتعريضه للتعذيب لمجرد الشبهة.

إذن كيف تستمر أمريكا باتهام العراق بأنه (جلاد) رغم كل تلك الحقائق الثابتة ؟ وما الذي يترتب على مواصلة التعامل مع العراق على انه جلاد وليس ضحية ؟ إن الذي يجعل أمريكا تصر على جعل العراق جلاداً يجب أن يعاقب هو منطق القوة لا غير، فلولا امتلاكها للقوة العسكرية المتفوقة لما استطاعت ارتكاب جرائم الإبادة ضد الشعب العراقي، يضاف إلى ذلك انتشار ثقافة عهر الضمير في أوساط متنفذة في العالم خصوصا في الدول الكبرى التي يتراوح موقفها ما بين المتواطئة مع أمريكا أو اللامبالية بما يجري لشعب العراق وفلسطين، ولآخرين، الأمر الذي يشجع أمريكا على مواصلة محاولتها تصوير العراق، بشعبه وقيادته، على انه (جلاد)، وتصوير نفسها على انها منقذة و(ضحية) بنفس الوقت!

والذي يترتب على هذا الواقع المرير هو السقوط التام لمفاهيم العدالة والإنسانية والرحمة، وهيمنة (قانون الغاب ) الذي يقول إن الغلبة للأقوى، حتى لو كان ظالماً، وأن الموت والعذاب والظلم للأضعف، حتى لو كان ضحية بريئة!

فالعراقي الذي يرى وطنه ينهب ويدمر ويغتصب يتلاشى لديه، بالضرورة، الإيمان بوجود (عدالة عالمية)، ومن ثم يضطر إلى تولى مهمة حماية ذاته وأسرته ووطنه بنفسه وبأية طريقة، دون الالتفات لأي اعتبار آخر. أليست الغابة مسرحاً لكل الأعمال المقبولة وغير المقبولة ؟ ولماذا يحق للأمريكي والبريطاني والفرنسي وقبلهم "للاسرائيلي" فعل ما لا يحق للعراقي والفلسطيني والأفغاني؟ ان اقتران المقاومة المشروعة للاحتلال بأعمال مرفوضة هي نتاج طبيعي لغياب العدالة مفهوماً وواقعاً، ولاكتشاف العراقي والفلسطيني والأفغاني إن الجلاد الذي يغتاله يومياً قد جند رجال الإعلام والقانون والأمن لتسهيل اغتياله، لذلك لم يبق طريق مفتوح أمامه للخلاص سوى اللجوء لخيارات مرة تماماً كمرارة الاحتلال. ألم نقل أن نقض العدالة ينجب الشياطين واحداً تلو الآخر، وواحداً أسوأ من الآخر؟