الجالية العربيّة الأستراليّة بين سندان تفكّكها ومطرقة المحافظين
بقلم: شوقي مسلماني/كاتب وشاعر من لبنان يقيم في أستراليا
أحدٌ يعمل في حقل السياسة الأستراليّة وقريب من الطبقة الاجتماعيّة الدنيا أو الطبقة الاجتماعيّة الوسطى لم يأمل أبداً خيراً من بلوغ جون هاورد المحافظ سدّة الحكم الفيدراليّ رئيساً للوزراء.
فمن اليوم الأوّل لحكمه أحاط جون هاورد نفسه بوزراء على شاكلته، منهم مثالاً لا حصراً، بيتر ريث وزير الدفاع السابق الذي قيل أنّ في رأسه كان دائماً "مصنع للشيطان" وهو نفسه الذي لفّق تهمة للاّجئين الذين غرقت سفينتهم (تامبا) في المياه الإقليميّة الأستراليّة وكانت تقلّ المئات من العراقيين والأفغانيين وبعض الآسيويين المنكوبين الفارّين من العذابات التي تعصف في أوطانهم الأمّ، والتهمة هي (أن هؤلاء اللاّجئين يقذفون بأبنائهم وفلذات أكبادهم إلى البحر ليّاً لذراع أستراليا كي تستقبلهم على أراضيها)!! وعلى الفور نشرت الصحف والإذاعات المرئيّة والمسموعة أنّ "المهاجرين غير الشرعيين" يرمون بعضهم البعض ويرمون أطفالهم إلى أشداق أسماك قرش البحر"، ليتبيّن في ما بعد أن الخبر ملفّق كلّه، وأن انتهاكاً لكرامة الإنسان الهارب من الظلم والعدوان قد ارتُكِب في أستراليا عن سابق تصميم وتصوّر.
ومنهم فيليب رادوك وزير الهجرة سابقاً ووزير العدل (وزارة الداخليّة) راهناً الذي سيذكره التاريخ كسجّان للأطفال، حيث رمى بالمئات منهم إلى المعتقلات والأسلاك الشائكة بقصد إرهاب اللاّجئين، فلا يحلمون هم وأطفالهم بإيواء أستراليا لهم.. وقال بهذا الصدد برلمانيّ فيدرالي أنّه "عاش ورأى كيف يتحوّل من كان حملاً وديعاً في صباه" - رادوك – "إلى ذئب شرس"!.
ومنهم وزير الخارجيّة ألكسندر داونر الذي أحرج الدبلوماسيّة الأستراليّة أكثر من مرّة في أكثر من دولة من دول الجوار الآسيوي بسبب سوء تصرّفه وقلّة خبرته وطواعيّته المطلقة في ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر كبوق للمحافظين في البيت الأبيض.
وعلى رغم المظاهرات التي شهدتها مختلف الولايات الأستراليّة وخصوصاً تلك التي شهدتها مدينة سيدني والتي شارك فيها أكثر من مائتي ألف متظاهر ومتظاهرة يتقدّمهم قادة زمنيّون وروحيّون وكتّاب وأدباء وإعلاميّون ومفكّرون حثّاً لهاورد وحكومته على الاعتذار عن المذابح التي تعرّض لها الأبوريجنال - سكّان البلاد الأصليين - على أيدي المستوطنين الأوائل من الأوروبيين والبريطانيين تحديداً، وعلى رغم نداءات البابا يوحنّا بولس الثاني بالتعامل إنسانيّاً مع الأبوريجنال، فإن جون هاورد وحكومته رفضا الاعتذار واتّجها بدلاً من ذلك إلى بولين هانسون زعيمة حزب "أمّة واحدة" بالدعم المختلف الأشكال وذلك قبل الانقلاب الشهير عليها تقليماً لأظافرها بعدما تبيّن أنّ شعبيّتها تتنامى على حساب شعبيّة جون هاورد وحزبه الحاكم وليس على حساب الأحزاب المعارضة الأخرى.
وأكثر من عانى من بولين هانسون في حينه الأبوريجنال والمهاجرون الجدد والآسيويّون عموماً.
أمّا (حزب العمّال) المعارض الذي يضمّ بين صفوفه أغلب المهاجرين و"الإثنييّن" وأكثر أبناء الطبقتين الوسطى والدنيا الذين يعانون من قوانين الإستشفاء الجديدة وضريبة السلع والخدمات ويضم بالإضافة إلى النقابات العمّاليّة عدداً لا بأس به من الرأسماليين الكبار فقد كان وسطيّاً خلال السنوات التسع الفائتة وربّما تطابقت مواقفه السياسيّة في بعض المراحل مع مواقف الحزب الحاكم، وخصوصاً في موضوع انفصال تيمور الشرقيّة عن إندونيسيا الأمّ، كما لم يٌثر قضيّة نهب أستراليا لنفط الدولة الناشئة، ولم يكن واضحاً في ردوده على الأطروحات المتشدّدة ضدّ اللاّجئين، وعلى شعار محاربة الإرهاب المشبوه، ولم يكن حازماً في معارضة القوانين الجديدة التي تنهش في الحريّات العامّة، ولم يتميّز في موضوع دعم قضيّة الشعب الفلسطينيّ إلاّ لفظاً.. وممّا أثّر على مسيرة حزب العمّال سلباً مداهنة كيم بيزلي (زعيم حزب العمّال الأسبق) للمحافظين في الإدارة الأميركيّة وتردّد سيمون كرين (الزعيم السابق لحزب العمّال) في معارضته لغزو العراق.. أمّا الزعيم الحالي مارك لايثم فيحظى بشعبيّة لأسباب كثيرة ومنها مواجهته الصارمة لتبعيّة "كانبيرا" العمياء لبوش الابن ولكل شعارات جون هاورد التي تجعل من أستراليا "شريفاً" - شرطيّاً - لأميركا في آسيا.
وقريباً ستشهد أستراليا انتخابات فيدراليّة، وترجّح إستقصاءات الرأي فوز (حزب العمّال).. لكن محلّلين يقولون أنّ هذه الإستقصاءات قد تتعرّض لهزّة، وبالتالي لا شيء ثابتاً سوى أنّ الانتخابات المقبلة ستكون ملتهبة بسبب انقسام الناخب الأستراليّ عموديّاً وأفقيّاً حول مسائل كثيرة، وهو معرّض لأمواج إمبراطوريّة مردوخ الإعلاميّة العاتية والمؤيّدة كليّاً "لإسرائيل" وإدارة بوش الابن وجون هاورد و"المحافظين" في (حزب الأحرار)، ومعرّض بقدر لا يقلّ شأناً لرياح (الخضر) و(اليساريين) و(العمّاليين) و(أنصار حقوق الإنسان) و(أنصار البيئة) و(قوى السلام) من ناحية ثانية.
أمّا الأستراليّون العرب فسيستقبلون هذه الانتخابات مفكّكين كالعادة على ولاءات ضيّقة متوارثة من الأقطار العربيّة الأمّ، فهم غير منخرطين جديّاً في السياسة المحليّة على رغم عددهم الكبير وتنامي هذا العدد خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة (حوالي المليون من أصل عربي أكثرهم في مدينة سيدني)، وعلى رغم تنامي مصالحهم الاقتصاديّة (يعملون في البناء والتجارة وأصحاب حوانيت وقطاع المواصلات وأصحاب مهن حرة)، وفيما يتدفّقون على الجوامع والكنائس إلاّ أن القائمين على دور العبادة هذه قلّما يدفعونهم للانخراط في الأحزاب السياسة المحليّة كما وتصوّت غالبيّتهم لصالح (حزب العمّال) بحكم منشأهم الطبقي فجلّهم من أقاصي الشمال والجنوب اللبناني الفقيرين ومن الطبقات المحرومة في كل من مصر وفلسطين والأردن وسوريا والعراق والسودان وأريتريا والصومال وغيرهم من البلاد العربية. ومطالبهم كثيرة لكنّها تفتقد إلى اللّوبيّات الضاغطة، ومن هذه المطالب نصرة قضيّة الشعب الفلسطيني، وانسحاب القوّة الأستراليّة العاملة في العراق، وإدانة "اسرائيل" في عدواناتها المتكرّرة على لبنان، ونبذ كلّ مظاهر العنصريّة ضدّ اللبنانيين والعرب في مختلف الولايات الأستراليّة ونيو ساوث ويلز – سيدني- تحديداً.