"العلاقات الدولية والعنف السياسي.. الإسلام الديني والإسلام السياسي في الوقت الراهن.."

السياسة الخارجية الأمريكية هي المسؤول الأول والأخير عن انتشار الإرهاب في العالم

 

بقلم: المهندس نور الدين عواد/هافانا ـ كوبا، سبتمبر 2004

 

محتويات البحث

 

ملاحظة توضيحية: تم إعداد هذا البحث في نهاية شهر يونيو 2004 في إطار التحضير لرسالة ماجستير علاقات سياسية دولية في المعهد العالي للعلاقات الدولية هافانا كوبا، وتم نشره باللغة الإسبانية على موقعWWW.PALESTINA.NET.NI. في شهر أغسطس 2004. كما تم طرحه أمام ندوة دولية أقامتها كاتدرائية بوليفر ـ مارتي في كوبا يوم 10/09/2004.

 

مقدمة

منذ بدايات القرن العشرين ما فتئت العلاقات الدولية تشهد تغيرات جوهرية، شكلا ومضمونا، تمشيا مع تطور النظام الرأسمالي العالمي السائد، وانتقاله ـ منذ نهايات القرن التاسع عشر ـ من رأسمالية المنافسة الحرة إلى الرأسمالية الاحتكارية: الإمبريالية.

كما أن ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى عام 1917 أسست لمرحلة جديدة في تطور العلاقات الدولية، و اعتبارا من انتهاء الحرب العالمية الثانية، دشنت نظاما ثنائي القطبية تحكم رسميا بتلك العلاقات لغاية بداية التسعينات من القرن العشرين.

إن تأسيس عصبة الأمم أولا ومنظمة الأمم المتحدة لاحقا قد أرسى القواعد القانونية والحقوقية والمؤسساتية التي تحكم العلاقات السياسية بين اللاعبين القدامى والجدد على المسرح الدولي، استنادا إلى ميثاق المنظمة.

تأسيس حركة بلدان عدم الانحياز، بصفتها " قطبا" ثالثا مزعوما أو طريقا تنمويا لبلدان العالم الثالث المتخلفة والنامية، لم يتمكن من تحطيم القطبية الثنائية ولا الحلول محلها، بل شكل إطارا إضافيا لمواصلة الصراع الرئيسي على نطاق عالمي، إذ أن مختلف أعضاء الحركة، كانوا يتصرفون انطلاقا من مفاهيمهم الفكرية ومنظوراتهم السياسية ومصالحهم الاقتصادية ـ الاجتماعية، وكانوا في نهاية المطاف يقفون لصالح أو لطالح أحد قطبي الصراع التناحري.

لقد كانت الإمبريالية العالمية هي المدبّرة والمنفّذة الذهنية والمادية لحربين كونيتين، مؤلهة بذلك فلسفة الحرب بصفتها إحدى إجراءات القوة الوحشية القاهرة، وتعبيرا عن العنف السياسي في العلاقات الدولية.

خلال ما سمّي بـ "الحرب الباردة"، صحيح انه تم تجنّب "حروب ساخنة" عالمية، بشكل أساسي نظرا لوجود رادع فريد من نوعه: الأسلحة النووية، التي أنجبت ما يسمى بـ"توازن الرعب النووي"، ونظرا لقناعة المتحاربين المحتملين بأنهم سيخوضون حربا غير عقلانية لن يكسبها أحد منهم بل إنها ستدمرهم جميعا. بيد أن ذلك لم ينه الحرب ولم يقض على التناقض التناحري على مستوى المعمورة، ولا على العنف السياسي وتجلياته في مختلف مناطق وساحات العالم، بل نشأت مفاهيم جديدة: الحروب القذرة والحروب قليلة الشدّة، والتدخلات العسكرية، و"التدخلات الإنسانية" بشكل رئيسي من قبل القوى العظمى في بلدان الجنوب.

إن اندثار الاتحاد السوفييتي وتفكك أوصال المعسكر الاشتراكي الأوروبي قد أفضيا إلى تكريس القطبية الوحيدة تحت إمرة قوة عظمى وحيدة وهي الأقوى عسكريا وتكنولوجيا وسياسيا، وأمامها آفاق لكي تتحول ـ وفقا لاستراتيجية منظّريها ومفكّريها ـ إلى إمبراطورية عالمية: الإمبراطورية الأمريكية.

 

 

حقائق العلاقات الدولية في المرحلة الجديدة

وفي نفس هذا السياق يقول روبرت شتراوس هوب في كتابه (توازن الغد) الصادر عام 1994 إن "المهمة الأساسية لأمريكا هي توحيد الكرة الأرضية تحت قيادتها واستمرار هيمنة الثقافة الغربية، وهذه المهمة لا بد من إنجازها بسرعة في مواجهة نمور آسيا وأية قوة أخرى لا تنتمي إلى الحضارة الغربية..." إن مهمة الشعب الأمريكي القضاء على الدول القومية فالمستقبل خلال الخمسين سنة القادمة، سيكون للأمريكيين وعلى أمريكا وضع أسس الإمبراطورية الأمريكية بحيث تصبح مرادفة "للإمبراطورية الإنسانية"! (4)

إن الاستراتيجية الأمريكية للسيطرة على العالم تشكل تحديا أمام كافة الأمم والدول وبقية اللاعبين في العلاقات الدولية. وبناء عليه يجب أن ننتظر ظهور مختلف الإجابات (ردود الأفعال) على هذا التحدي، اعتمادا على عوامل كثيرة ومختلفة تبعا للأيديولوجيا والثقافة والتقاليد والوسائل المتاحة والذاكرة التاريخية وتناسب القوى المحلية والإقليمية والمصالح القومية أو الطبقية والتحالفات والوعي السياسي والأدبي والأخلاقي.

العنف السياسي: الإرهاب والعلاقات الدولية

العنف هو حالة بشرية استثنائية تنفلت من عقالها "تحت تأثير ظروف ضاغطة معينة تفرض على الفرد أو الجماعات بفعل حال ثقافية أو أسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو كردود أفعال على أفعال أخرى (عنف ضد عنف) أو تلك التي تنطلق بفعل ثقافات عدوانية إضافة إلى الجهود الكبرى التي بذلت وتبذل في سبيل تشويه المفاهيم الثقافية الأساسية للأديان التي تقرّ بالعنف على أساس دفاعي ووقائي بعيدا عن العدوانية والظلم". (5)

غالبا ما يشار إلى العنف السياسي على انه العنف الذي ينشا ويتطور في إطار بلد ما وتضطلع به قوى ترفض مظالم اجتماعية أو سياسية أو عرقية أو أيديولوجية معينة تنبثق عن سلطة شرعية أو عن سلطة استبدادية تفرضها الهيمنة الأجنبية.

من الواضح أن الإرهاب المحلي أو الدولي يختلف جيدا، سواء بسواء، عن العنف السياسي وعن النضال المشروع الذي تخوضه الشعوب المضطهدة في سبيل الحرية أو تحرير أراضيها المحتلة. إن هذه الشرعية تكفلها نفس الأديان التوحيدية والقانون الدولي العام الساري المفعول حاليا.

بمقتضى التعريف الأمريكي بعينه، الإرهاب هو "الاستعمال المحسوب للعنف أو التهديد بالعنف للوصول إلى أهداف ذات طابع سياسي أو ديني أو أيديولوجي". (6)

لقد كان القرن العشرين شاهدا على نموذج خطير من الإرهاب الذي تم رفعه إلى عرش السياسة الرسمية للدولة. وتنبثق هذه الخطورة عن انتهاج هذه السياسة من قبل قوى عظمى في علاقاتها فوق الإقليمية مع دول أخرى ضعيفة بشكل عام و تتمتع بإمكانيات قليلة أو معدومة لتقديم رد رادع لها.

إن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، على سبيل تقديم مثال بليغ، قد أبدعت في اجتراح وتطبيق الإرهاب الدولي تحت مختلف الذرائع والحجج، واستعملت واستفاضت في استعمال سلطان قوتها العسكرية والتكنولوجية في سبيل خدمة أهدافها الإمبريالية ومصالح حلفائها وخاصة "إسرائيل". لقد استعملت الإرهاب بكافة أشكاله السياسية والاقتصادية والنفسية والعسكرية والروحية والأدبية ـ الأخلاقية.

في الوقت الراهن يقوم اليمين الديني المحافظ المتطرف (المسيحي الصهيوني) في إدارة بوش بإضفاء طابع خطير جدا على السياسة الخارجية الأمريكية مستندا في ذلك إلى "أربعة مبادئ أساسية:

1ـ رفض العمل الجماعي، فالعمل الدولي يجب أن يكون تحت قيادة أمريكية أو بمبادئ أمريكية وإلا يكون مرفوضا.

2 ـ إعلاء فكرة الهيمنة الأمريكية (إلى الحد الأقصى) ورفض بزوغ أية قوة (موازنة) ورفض فكرة التعددية القطبية أو التنوع بتوزيع القوة.

3 ـ تعظيم استخدام القوة العسكرية (وإعطائها الأولوية على غيرها من الوسائل الأخرى) في تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية.

4 ـ فرض الهيمنة الأيديولوجية والثقافية الأمريكية على العالم من خلال الترويج التبشيري بالقيم الأمريكية. (7)

لا يمكن التطرق إلى سياسة إرهاب الدولة التي تنتهجها أمريكا دون ذكر هنري كيسنجر " الذي يعتبر الأب الروحي لتلك السياسة منذ أن اقنع نيكسون بتوسيع رقعة الحرب في فيتنام لكي تشمل لاوس وكمبوديا والتي راح ضحيتها ملايين القتلى الآسيويين وآلاف الجنود الأمريكيين... كما ارتكب كيسنجر عام 1973 جرائم حرب في تشيلي أدت إلى اغتيال رئيسها المنتخب شرعيا سلفادور الليندي، ولا يزال من أشرس المدافعين عن "الدولة العبرية"... الولايات المتحدة غارقة حتى أذنيها في ممارسة إرهاب الدولة ضد كوبا من عهد ايزنهاور وكينيدي وجونسون وحتى أيامنا هذه لأن كاسترو لا يعجب واشنطن ولا تقبله". (8)

ردا على سؤال وجهه صبي لكيسنجر حول شرعية الحرب على العراق أجاب السياسي المخضرم "أنا أؤمن بضرورة الحرب" فردّ عليه الصبي بأن الجواب لا يرد على سؤاله، عندها أكد كيسنجر "الحرب على العراق قانونية أيضا". (9)

في الذاكرة الجماعية التاريخية للشعوب توجد حالتان ولدت فيهما الدولة استنادا إلى أفكار إرهابية وتطورت وتوطدت من خلال أعمال إرهابية ولا زالت قائمة حتى الآن من خلال ممارسة إرهاب الدولة في علاقاتها الدولية: أمريكا و"إسرائيل".

 

راهنية ظاهرة الارهاب: الواقع والأسطورة.

ظاهرة الإرهاب السياسي ملازمة بشكل أساسي للطبقات التي تتحكم بسلطة الدولة وخاصة عندما تفتقر إلى الشرعية في مجتمعاتها. وتتفاقم اكثر فاكثر عندما يتجاوز زخم وتأثير هذه السلطة الأراضي الخاضعة لاختصاصها والمعترف بها قانونيا استنادا إلى القانون الدولي. ومن هنا تنشا السلطات الدكتاتورية والفاشية.

إن إرهاب الدولة هو الإرهاب الرئيسي والأخطر بين أنواع الإرهاب الأخرى نظرا لعواقبه المأساوية الوخيمة على نطاق داخلي وخارجي على حد سواء. إرهاب الأفراد أو إرهاب الجماعات يولد عموما في ظل إرهاب الدولة ويعتمد تأثير ممارساته على مستوى العلاقة والتداخل بين الاثنين. هذه الظاهرة لا تنحصر على أيديولوجية أو ديانة أو فلسفة أو عرق أو جنس أو أمة معينة، حتى وان وجدت دول أو مجموعات أو أفراد لديهم نفس الظروف ويمارسون الإرهاب المنظم والمتعمد كما هو الحال بالنسبة لـ "دولة إسرائيل الصهيونية" أو أمريكا.

شكلت الحربان العالميتان الأولى والثانية إلى حد كبير مرتعا لظهور مختلف أشكال الإرهاب وخاصة ضد السكان المدنيين. إن هذا الرقم البسيط الذي يقدر بـ 60 مليون ضحية للحرب العالمية الثانية فقط، يكفي لإعطاء فكرة جلية عما يعنيه الإرهاب.

إن العمل الإرهابي بامتياز هو الذي اضطلعت به أمريكا عندما ألقت قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي في ساعة تفتقر إلى أية ضرورة عسكرية، إذ أن القوة العسكرية اليابانية كانت مذبوحة عمليا، بينما كانت قيادتها تسعى في سبيل التوصل إلى استسلام دون شروط.

إن الإرهاب الذي رفع إلى مرتبة سياسة الدولة في أمريكا قد وجد له تجليات دامغة في علاقاتها الدولية مع بقية العالم لا سيما أثناء حروبها العدوانية على بلدان العالم الثالث خلال وبعد الحرب الباردة.

وبالمثل فإن "دولة إسرائيل الصهيونية" لها مرتكزات أيديولوجية ـ سياسية إرهابية بحتة، واتسم إنشاؤها وتوطدها ووجودها منذ عام 1948 بالإرهاب، كما أن ممارساتها في الإطار الجيو-سياسي لا ينمّ إلا عن إرهاب دولة منظم مدعوم في كافة المجالات وعلى كافة الأصعدة بالإرهاب الإمبريالي.

 

الدين الإسلامي ضد الإرهاب

الإسلام بصفته أيديولوجيا دينية، يشكل نظرية سياسية واقتصادية واجتماعية متكاملة، يكسب منذ 14 قرنا من الزمان مزيدا من المؤمنين به من مختلف العروق والأجناس والأمم. فهو يتوخى سعادة بني البشر في الحياة الدنيا (وفي الحياة الآخرة حسب مفاهيمه)، من خلال ترسيخ قواعد ومبادئ وقوانين تحكم حياة الأفراد والدول. المصادر الأساسية للتشريع الإسلامي هي القرآن الكريم وسنة الرسول محمد (صلعم) وأفعال وإضافات الخلفاء الراشدين الأربعة وعلماء الفقه الديني الإسلامي. من الصعب جدا إيجاد منحى من مناحي الحياة البشرية إلا وتمت معالجته بطريقة أو بأخرى في النظرية الإسلامية، ابتداء من السلطة السياسية مرورا بتوزيع الثروات والحرب والسلم وصولا إلى آداب الحديث وحق الطريق.

يجب التنويه إلى أن الإسلام يقدس حياة البشر وكرامتهم الآدمية، يحرم الانتحار وإبادة الأجناس والتطهير العرقي والعدوان والظلم والأسلمة بالإكراه، والربا، وينتقد الفقر انتقادا لاذعا ويندد بكنز الثروات ويحرم العدوان على البيئة، يحبّذ التسامح والتراحم بين بني البشر والسلام والتعاون بين الأمم...

بكلمات أخرى، تتمحور فلسفة الدين الإسلامي حول مبدأ "درء ضرر أو جلب منفعة" كما انه وضع مبدأ تم تبنيه في القانون الدولي المعاصر: " الضرورات تبيح المحظورات". ويؤكد الإسلام دائما على أن " الدين يسر لا عسر". وان الحكمة والموعظة الحسنة تشكلان افضل سبيل للدعوة إلى الإسلام.

إن الإسلام لم يبحث عن دور يضطلع به على الساحة الدولية بصفته لاعبا سياسيا ناهيك عن افتقاره إلى مؤسسات سياسية مرجعية تمثله كما هو الحال مع الكنيسة الكاثوليكية. أحداث 11/9/2001 في أمريكا شكلت ظاهريا نقطة الانطلاق لهجمة صليبية مبيتة ومحسوبة ضد الإسلام بذريعة أن منفذي التفجيرات الإرهابية ضد البرجين التوأمين والبنتاغون كانوا من المسلمين ! وبالتالي فان أمريكا استحوذت على حق سيادي في شن حملتها الحربجية ضد بلدان إسلامية بدء من أفغانستان والعراق من اجل مكافحة الإرهاب!

من الملائم التوقف هنيهة للتأمل في هذه الفلسفة الديماغوجية (الغوغائية) القائلة بأن مخترع وبطل الإرهاب الدولي عابر الأوطان وعابر القارات وربما عابر المجرات (لنتذكر برنامج الدرع الصاروخي وبرامج التصدي للأجرام السماوية التي قد تصطدم بالأرض) يريد مكافحة الإرهاب من خلال أسوأ وأعتى أنواع الإرهاب!

بصدد تفجيرات 11/9/2001 توجد كثير من الأقاويل والتكهنات وتمت معالجة الموضوع من مختلف المناظير والألوان، وتتوفر كمية هائلة من المعلومات المليئة بالتناقضات وبالطمس وغض البصر عن حقائق كثيرة حتى أن الرئيس الأمريكي ونائبه مثلا أمام لجنة الكونغرس لتقصي الحقائق بالخصوص، دون أن يدليا باليمين القانونية وهذا الكلام مرادف لشهادة زور معلنة ومع سبق الإصرار.

شخصيا كنت قد أعددت بتاريخ 20/9/2001 تحليلا وفرضيات حول ما حدث ولم ينشر البحث لأسباب لا داعي لذكرها. وفيما يلي نص البحث كاملا:

 

اعتبارات حول الأزمة العالمية التي اندلعت على اثر تفجيرات يوم 11/9/2001 الإرهابية في نيويورك وواشنطن ـ أمريكا

منذ بداية التسعينات ومع اختفاء المعسكر الاشتراكي الأوروبي الشرقي وتفكك عرى الاتحاد السوفييتي وتفكك وإضعاف وهزيمة كثير من حركات التحرر الوطني ونشوء عالم وحيد القطبية متصاحبا مع نشوة وبطر الرأسمالية بشكل عام، لا زالت أمريكا تعتزم ـ انطلاقا من مفهومها لنهاية التاريخ ـ أمركة العالم وخلق عالم متجانس يفكر ويتحدث ويتصرف على الطريقة الأمريكية. من اجل تحقيق هذه الفكرة اللاعقلانية والمستحيلة، يستلزم الأمر تفوقا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا وتكنولوجيا... الخ. ليس سرا على أحد أن الإدارات الأمريكية منذ ذلك الحين قد حققت ما يلي:

فاتورة حرب الخليج سددتها بشكل رئيسي كبير بلدان النفط في المنطقة وفاتورة حرب كوسوفو سددها الأوروبيون. والنتيجة الملموسة: مزيد من التبعية الاقتصادية والعسكرية لكلتا المنطقتين للولايات المتحدة الأمريكية، انهيار قيمة عملاتها أمام الدولار الأمريكي، تنشيط المجمع الصناعي ـ العسكري وبالتالي تنشيط الاقتصاد الأمريكي، غياب آليات (ميكانيزمات) الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن في اتخاذ الإجراءات الفعالة من اجل درء الحروب وصيانة الأمن والسلام الدوليين.

حسنا، عشية التفجيرات الإرهابية يوم 11 سبتمبر 2001، ما هو الوضع الذي كان يعيشه العالم؟ إلى أي حدّ كان مؤاتيا لنوايا ومخططات الإمبريالية الأمريكية؟

أولا: سياسيا:

ثانيا: اقتصاديا:

ثالثا: عسكريا:

الحربان اللتان اندلعتا في العقد الماضي، بإيحاء وقيادة أمريكا لم تضمنا سيطرتها الكاملة وفي كل مناطق العالم. وبغض النظر عن التفوق التكنولوجي العسكري الأمريكي على مستوى عالمي فانه ووفقا لعقليتها الإمبراطورية لا بدّ لها من وجود مباشر على الأرض بجبروتها الحربي في منطقة بالغة الحساسية للمصالح الجيوسياسية والعسكرية الأمريكية مثل أفغانستان.

رابعا: اخلاقيا:

انه من الثابت جدا تاريخيا أن الحكومات الأمريكية تمارس إرهاب الدولة ويشاطرها هذه الصفة "دولة إسرائيل الصهيونية" منذ قبل الإعلان عن نفسها كدولة عام 1948. عمليا وفي كافة المحافل الدولية التي تعالج هذه القضايا يشار دائما إلى كلتا الحكومتين بكلام وافعال لا يمكن دحضها. صورتهما الدولية يرثى لها.

 

المسؤولية عن الأعمال الإرهابية يوم 11 سبتمبر 2001.

بناء على ما تقدم، اعتقد بوجود ثلاثة فرضيات:

1 ـ المدبّر الذهني والمادي: اليمين السياسي والعسكري المتطرف في أمريكا بمشاركة أو عدم مشاركة "إسرائيل" أو وكالة صهيونية ما.

ويمكن تعليل هذه الفرضية بما يلي:

أمريكا: يكفي التذكير بتفجير السفينة الأمريكية مايني في ميناء هافانا كوبا (وافتعال مبرر لإعلان الحرب على إسبانيا عام 1899 واحتلال كوبا).

"إسرائيل": خلال الحرب العالمية الثانية أبرم قادة الحركة الصهيونية العالمية اتفاقات سرية مع هتلر من أجل إبادة اليهود الفقراء والتقدميين في أوروبا مستغلين النزعة الآرية العنصرية للنازية مقابل مبالغ طائلة من الأموال بهدف قذر يتمثل في التخلص من تلك الجماهير "الضالّة" من وجهة نظر الصهيونية وفي الوقت نفسه إجبار اليهود وإكراههم على الهجرة إلى فلسطين التي كانت تئن تحت الانتداب البريطاني في ذلك الحين.

أول سفينتين محملتين بالمهاجرين اليهود الذين كانوا متوجهين إلى فلسطين، تم تفجيرهما بحمولتهما البشرية على مدخل ميناء حيفا الفلسطيني، في ظل استغلال دعم حكومات عربية لهتلر ومن اجل تبرير إدخال الأفواج المسلحة من "المهاجرين" اليهود (الصهاينة) إلى فلسطين إذ انه كان يتم تجسيد المخطط الصهيوني المصادق عليه عام 1897: إقامة الدولة اليهودية في فلسطين في غضون 50 عاما. كان يلزمهم عاملان أساسيان: الأرض كفلها لهم "وعد بلفور" و"القوة المسلحة" كفلتها لهم الهجرة المسلحة المزودة بأحدث أسلحة الحرب العالمية الثانية.

إن طريقة الأداء التي استعملها منفذو تلك الأعمال الإرهابية (وهي جريمة بحق البشرية) تتطلب:

ـ مستوى عال من المعلومات الموثوقة حول الأمن القومي الأمريكي وخاصة حول الاستخبارات ومكافحة التجسس (العسكري والمدني) وأنظمة أمن الطيران المدني في الجو وعلى الأرض وحول وكالة الاستخبارات المركزية وهيئة التجنيس والهوية ومكتب التحقيقات الفيدرالي وغيرها.

ـ إلمام ممتاز بتقنيات الاتصالات السلكية واللاسلكية باستخدام أجهزة وأشكال متطورة جدا من اجل تنفيذ تلك الأعمال بالتزامن.

ـ مستوى عال من التنظيم والتكتم والدقة والمهارة المهنية.

- عامل الزمان والمكان: مثل هذه العملية تحتاج إلى وقت طويل جدا ويجب التنقل في فضاء واسع (أوروبا، كندا، أمريكا وغيرها) من اجل تجميع المعلومات وإعداد الخطة وتنفيذها بمشاركة شبكة واسعة (على ذمة أمريكا 50 عنصرا على الأقل) مما يجعل الأداء دون الإنفضاح أو الاختراق أمرا مستحيلا تقريبا.

شلل في أداء الدفاع حتى بعد علمهم باختطاف مزعوم لطائرة مدنية وبارتطام أخرتين بالبرجين التوأمين (بين الأولى والثانية مرت 18 دقيقة)، وارتطام طائرة أخرى بالبنتاغون (على قطاع تحت الصيانة!!) وبعد ذلك بـ 15 دقيقة أقلعت مقاتلة من طراز (أف 16) وحلقت فوق المكان لدرء هجوم آخر؟!! تصوير ارتطام الطائرة الأولى بالبرج الأول على يد أحد هواة التصوير؟!! توجيه الاتهام مباشرة دون التحقيق ودون أدلة ضد أسامة بن لادن والعرب والمسلمين، متناسين وجود اكثر من 800 منظمة متطرفة اكثر من نصفها مسلحة، وتنامي التوجه النازي الجديد في أمريكا بالإضافة إلى عدد لا يحصى من المجموعات المافيوية والإرهابية التي تعمل داخل الأراضي الأمريكية أو انطلاقا منها بتواطؤ حكوماتها وأجهزة استخباراتها أو بدون ذلك (مثال المؤسسة القومية الكوبية ـ الأمريكية). انهم يتناسون اغتيال كينيدي ومحاولة اغتيال ريغن وتفجير اوكلاهوما... الخ.

لم ينطقوا بكلمة واحدة حول احتمال وجود منفّذ محلي أمريكي. لقد قرروا من هو العدو مذنبا أم لا، وحشدوا الرأي العام القومي من خلال شوفينية حقيرة (تعصب قومي) أثارتها الأعمال الإجرامية وحجم الكارثة، من اجل شن حرب على " عدو لا يرى". إن ابن لادن ومستضيفيه ليسوا إلا كبش فداء في مخططات الإمبريالية. ولم يعد لازما الاستمرار في التحقيق والتكهن واختلاق مزيد من المذنبين، فهم بالتأكيد سيظهرون على امتداد الطريق وفقا لمقتضيات مصالح الإمبراطورية وعلى هواها.

 

2ـ المدبر الذهني: أمريكا والصهيونية

المدبر المادي: مجموعات متطرفة ـ متعصبة من أية جنسية أو معتقد أو مذهب أو فلسفة، تمّ تجنيدها بدهاء وبشكل غير مباشر من اجل أن تقدم لأمريكا والصهيونية، على طبق من ذهب، الذريعة المثلى لشن حملتهما الصليبية على العالم.

3 ـ المدبر الذهني والمدبر المادي: أية مجموعة من متطرفين ـ متعصبين ويمكن أن تكون من أية جنسية أو معتقد أو مذهب أو فلسفة. فالولايات المتحدة منذ تأسيسها قبل ما يزيد على 200عام وهي لا زالت تزرع الموت والدمار في كل مكان، وتسفك دماء الأبرياء، وتطيح بحكومات شعبية ودستورية، وتقسّم بلدانا وأمما، وتغزو شعوبا وتبيد شعوبا أخرى، مستخدمة بشكل رئيسي القوة الغاشمة في علاقاتها الدولية. لقد أسقطت قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناغازاكي وتسببت في الحرب الكورية وقسمت البلاد ولا زالت تحول دون إعادة توحيدها حتى اليوم، غزت فيتنام وذبحت شعبها وغزت مرارا وتكرارا أمريكا الوسطى وكوبا وغرانادا وبنما، تدخلت في الصومال ولبنان، قصفت ليبيا والسودان وأفغانستان وشنت الحرب على العراق ويوغوسلافيا متزعمة ائتلافات انتهازية، دعمت دبلوماسيا واقتصاديا وعسكريا كل الدكتاتوريات على وجه البسيطة وخاصة نظام التمييز العنصري. وأبغض ما في هذا الإجرام هو دعمها الدائم لـ "دولة إسرائيل الصهيونية" منذ إقامتها عام 1948، وبكافة الوسائل الممكنة بما فيها الأسلحة النووية، بينا تقوم تلك الدولة وعلى مرأى من عيون العالم بارتكاب المذابح بحق الشعب الفلسطيني، باستعمال الأسلحة والحماية الشاملة والتواطؤ من قبل أمريكا.

مجمل هذه الوقائع وغيرها كثيرة خلقت لأمريكا أعداء كثيرين.

وفي التحليل النهائي، أمريكا تتحمل حصريا المسؤولية الأولى والأخيرة عن أي عمل يرتكب ضد شعبها وأراضيها

وقبل أن تستمر أمريكا في ارتكاب الأخطاء الفاحشة ذات العواقب الوخيمة بدافع من عمى العظمة والاستكبار وجنون القوة يجب عليها أن تتوقف وتتأمل تنتقد نفسها ذاتيا وان تتصرف وفقا للشرعية الدولية ونفس ميثاق استقلالها. فلتنس أوهام القيصر والفرعون لان هذا الوهم لا يمكن تحقيقه إطلاقا، والخلاص الوحيد أمام الجميع هو التعايش السلمي بين الأمم والحضارات. (انتهى النص 20 سبتمبر 2001).

* تقول الكتب المقدسة أنه في زمن موسى عليه السلام وعندما كان يبشر بوجود إله واحد أرقى من كل ما هو دنيوي، أمر الفرعون ببناء برج لكي يصعد إلى السماء لكي يرى إله موسى. وعندما بلغ القمة نظر إلى الأسفل وقال لرعاياه: لا أرى أحدا هنا وهتف "أنا ربكم الأعلى فاعبدون". (10)

 

العلاقات بين أمريكا والإسلام

لقد تم تقديم الإسلام في حدّ ذاته منذ 11/9 على انه عدو لدود لأمريكا وبالتالي تم الإعلان عن ضرورة مكافحته واجتثاثه واتخاذ القرار بذلك. لا يمكن أن نتصور كيف ستحارب الإمبراطورية أكثر من 1200 مليون شخص يدينون بالإسلام في كافة قارات الدنيا و ستحارب حضارة كونية عمرها 14 قرنا من الزمان؟

هل ستحارب أمريكا كل المسلمين؟ هل المسلمون أو الإسلاميون جميعا أعداء لأمريكا؟ هل يوجد فرق بين الإسلام والمسلمين؟

إن العقل الباطن للرئيس جورج بوش قد خانه عندما أعلن حملته الصليبية ضد العرب والمسلمين. وعلى الرغم من انه صحح "زلة لسانه" فإنه أعطى على ارض الواقع زخما واستمرارية لمعتقداته الدينية - المسيحية الحقيقية المنسجمة مع نظريات نهاية التاريخ وصدام الحضارات. أمريكا لا تقاتل الإسلام بسبب خلافات سياسية بل لأن الإسلام في حد ذاته نظرية دينية تحريرية حقيقية على المستوى الشخصي (الفردي) والجماعي والمجتمعي والدولي، كما أن نظريته الاقتصادية تنسف الأسس النظرية والمادية لتطور الإمبريالية. إن الإدارات السابقة والحالية أيضا قد قاتلت الإسلام بشتى الطرق والوتائر.

فهذا ايوجين روستو، رئيس قسم التخطيط في وزارة الخارجية الأمريكية ومساعد وزير الخارجية ومستشار الرئيس جونسون لشؤون الشرق الأوسط، حتى عام 1967 يقول "يجب أن ندرك أن الخلافات القائمة بيننا وبين الشعوب العربية ليست خلافات بين دول وشعوب بل هي خلافات بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية، لقد كان الصراع محتدما ما بين المسيحية والإسلام منذ القرون الوسطى وهو مستمر حتى هذه اللحظة بصورة مختلفة.

ومنذ قرن ونصف خضع الإسلام لسيطرة الغرب وخضع التراث الإسلامي للتراث المسيحي. إن الظروف التاريخية تؤكد أن أمريكا إنما هي جزء مكمل للعالم الغربي بفلسفته وعقيدته ونظامه وذلك يجعلها تقف معادية للعالم الشرقي الإسلامي بفلسفته وعقيدته المتمثلة في الدين الإسلامي.

ولا تستطيع أمريكا إلا أن تقف هذا الموقف في الصف المعادي للإسلام والى جانب العالم الغربي والدولة الصهيونية لأنها إن فعلت عكس ذلك فإنها تتنكر للغتها وفلسفتها وثقافتها ومؤسساتها". (11)

ما فتئت أمريكا تلتزم بهذه الفلسفة التاريخية دون أن تتخلى عن إقامة علاقات ودية أو عدائية مع مختلف التعبيرات السياسية ذات الطابع الإسلامي تبعا لقربها أو بعدها عن مصالحها الخاصة إذ انه لا يوجد أصدقاء للإمبراطورية بل مصالح كما أن "روما تدفع لعبيدها لكنها تزدريهم" في آن واحد.

يجب أن نشير إلى أن الإسلام قد أوجد منذ نشوئه أمتين: أمة بالمعنى الكلاسيكي للتعبير ويكتنف مغزى جيو-سياسي وهي الأمة العربية والأمة الأخرى وهي الأمة الإسلامية التي تفتقر إلى هذا المغزى وهي بالأحرى أمة روحية ـ تعيش في الواقع التخيلي.

إن تنوع البلدان أو الدول العربية والإسلامية ومصالحها المختلفة ومواقفها وتحالفاتها تحدد سلوكها في إطار العلاقات الدولية. فالعامل الأيديولوجي - الديني لوحده لا يكفي لتحديد موقف وأداء اللاعبين على المسرح الدولي. إن عجز منظمة المؤتمر الإسلامي عن أن يكون ناطقا أو لاعبا سياسيا إقليميا أو دوليا يقدم الدليل الساطع على ما ذهبنا إليه سابقا. بين أعضائها أل 57 يوجد أصدقاء غير مشروطين لأمريكا، كما يوجد لها أعداء أيضا وتوجد حصينات طروادة كذلك. إن تلك الدول عموما تمول الاقتصاد الغربي كاملا من خلال النفط وتودع مداخيلها المترتبة عليه بالعملات الصعبة في البنوك الأوروبية والأمريكية، فهل ستقاتل أمريكا تلك الدول؟

كانت أمريكا ولا زالت حليفة وفية للأنظمة الاستبدادية والطاغية والدموية في بلدان إسلامية وفي الوقت نفسه كانت ولا زالت عدوة لدودة لأنظمة أخرى تعارض مخططاتها الاستعمارية والإمبريالية.

نفس الأمر ينسحب على علاقاتها ومواقفها إزاء الحركات السياسية الإسلامية خارج سلطة الدولة.

 

خريطة الحركات الإسلامية

توجد تباينات موضوعية ومنطقية بين الدين الإسلامي في حد ذاته والحركات السياسية الإسلامية، والإسلامية الزائفة والإسلامية المزعومة. نفس الأمر ينطبق على الأنظمة السياسية التي تسيطر على سلطة الدولة في البلدان الإسلامية. يوجد طيف واسع من الحركات السياسية من هذا الطراز تغطي كل الجغرافية "الإسلامية" ويتباين سلوكها فيما بينها على المستوى المحلي والإقليمي والدولي ليصل أحيانا إلى 180 درجة.

سأحاول تقديم تصنيف تقريبي لهذا الوضع بما يمكن من إلقاء الضوء ولو قليلا على هذا الواقع، من اجل تسهيل فهم هذا الموضوع المعقد والمثير للجدل والخلاف.

 

أولا: الحركات الإسلامية الدينية

تقوم على قراءة معينة للإسلام (النصوص القرآنية الكريمة والسنة النبوية المطهرة). المرجعية التاريخية لها تتمثل في حقبة النبوة والخلافة الراشدة. قضيتها الرئيسية هي إعادة أسلمة المجتمعات والدول. وتنقسم إلى نوعين:

1 - الحركات المغالية (المتطرفة) السلمية

من منظورها، المجتمعات المعاصرة اقرب إلى حالة المجتمع الجاهلي والكافر في مكة، في الفترة الممتدة من بداية البعثة النبوية (النضال الأيديولوجي) لغاية هجرة الرسول (صلعم) إلى يثرب (المدينة المنورة). وترى هذه الحركات أن الوقت لم يحن بعد للعمل في السياسة أو بناء الدولة الإسلامية أو ممارسة الجهاد (المقصود في هذه الحالة الكفاح المسلح). كما أنها لا تمارس أي عمل عنفي أو قتالي ضد المجتمعات أو الدول أو الأفراد (الكافرين). وتنقسم هذه الفئة إلى فئتين فرعيتن:

أ - حركات التكفير والهجرة: يرى دعاتها انهم المسلمون الوحيدون على وجه الأرض وان الآخرين كفار لا توجد آفاق لأسلمتهم. بالنسبة لهم، لا بد من الانعزال عن مجتمعاتهم من خلال التقوقع الداخلي أو الهجرة إلى بلدان أخرى. (يوجد تناقض صريح بين مفهومهم وسلوكهم).

ب - حركات إعادة الدعوة: تصف المجتمعات الإسلامية بنفس الطريقة السالفة الذكر، لكنها ترى انه لا يجب عليها الانعزال عن المجتمع ولا التخلي عنه ولا الاصطدام به. تنحصر مهمتها في الدعوة إلى التعاليم الأساسية للإسلام وأركانه وعباداته.

2 - الحركات الجهادية العنيفة: تتفق هذه الحركات على أن المرحلة التي يعيشها العالم اليوم يمكن مقارنتها بمرحلة هجرة الإسلام من مكة إلى يثرب (اندمجت خلالها العقيدة والدين بالدولة أي بالسياسة) وترى هذه الحركات أن حكومات البلدان الإسلامية قد خرجت عن الإسلام وهي المسؤولة عن ضلال المجتمعات في بلدانها وبناء على ذلك فإن العنف الديني هو السبيل الوحيد من اجل تحقيق إعادة أسلمة المجتمع والدولة. (يوجد تناقض فاضح بين هذا التصرف وأسس القرآن الكريم والسنة النبوية).

نتيجة اختلاف ظروف ومراحل ومناطق نشأة تلك الحركات فإنها تنقسم إلى ثلاثة فئات:

أ - حركات محلية الطابع: توجد حصرا تقريبا في البلدان الإسلامية وتنطلق من مبدأ (العدو القريب أولى بالقتال من العدو البعيد) بمعنى مقاتلة حكومات البلدان التي تنتمي إليها. وترى أن مهمتها الأولى هي مقاتلة تلك الحكومات وإسقاطها. ومن الأمثلة على هذه الفئة: الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في مصر، الجماعة المسلحة الإسلامية في الجزائر، الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا.

ب - الحركات الاستقلالية ـ الانفصالية: توجد بصفة عامة في مناطق الأقليات المسلمة في بلدان غير إسلامية. ومن الأمثلة عليها: كشمير في الهند، الشيشان في روسيا الاتحادية، أفغانستان أثناء الغزو السوفييتي. تتداخل مفاهيم هذه الحركات مع مفاهيم التحرر الوطني وتقرير المصير في تلك المناطق. هدفها بناء الدولة الإسلامية بعد الاستقلال أو الانفصال.

ج - الحركات الدولية المجال: تتفق مع الفئتين السابقتين في مفاهيمها الرئيسية لكن أولويتها تتمثل في مقاتلة العدو البعيد (أمريكا) على الرغم من أنها تعترف بان حكومات بلدانها هي العدو القريب. نشأت تلك الحركات في العقد الأخير في مناطق مختلفة من العالم مثل أفغانستان والبوسنة والهرسك والشيشان. ويعد تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن ابرز من يمثل هذا الاتجاه.

 

ثانيا: الحركات السياسية - الاجتماعية ذات البرنامج الإسلامي

تنطلق هذه الحركات من قراءة مختلفة للإسلام عن تلك التي تتبناها الحركات الدينية، حيث تنظر إلى كل الأفراد والمجتمعات والدول الإسلامية على انهم مسلمون غير ناقصي العقيدة. هدفها يتمثل في إعادة تنظيم تلك المجتمعات والدول انطلاقا من أسس إسلامية استنادا إلى برامج سياسية ـ اجتماعية مبنية على الشريعة: وهي إنتاج بشري - ليست نصا دينيا مقدسا - وتشمل مرجعيتها التاريخية التاريخ الإسلامي وتراثه المتراكم على امتداد 14 قرنا من الزمان. تذهب في تفسيرها واجتهادها إلى ابعد من نصوص القرآن والسنة النبوية الكريمة لتشمل مقاصد الشريعة ومصالح الناس... إنها قراءة اجتماعية ـ تاريخية اكثر شمولا بحيث يبقى الإسلام بمثابة الوعاء الحضاري التاريخي لتلك الحركات ومصدر رؤاها لتنظيم المجتمعات الإسلامية التي توجد فيها وتطرح برامج لا تختلف في مضمونها عن برامج الحركات السياسية - الاجتماعية غير الإسلامية.

أي أن هذه الفئة من الحركات لا تتخلى عن أيديولوجيتها الإسلامية في صيرورتها التاريخية الاجتماعية وفي الوقت نفسه، تبدو أكثر براغمائية (وضعيّة) آخذة بالاعتبار الظروف التاريخية الملموسة للمجتمع المعاصر، من خلال وضع برامج اكثر مرونة وديالكتيكية (جدلية)، في الإطارين الزماني والمكاني.

وتنقسم هذه الفئة إلى نوعين من الحركات:

1 - الحركات السلمية الساعية إلى الحكم: تناضل مباشرة في سبيل السلطة السياسية من اجل تطبيق برنامجها السياسي الاجتماعي ذي الطابع الإسلامي انطلاقا من الحكم (أو الحكومة) ومن وجهة نظرها فان برنامجها يرمي إلى تحقيق التقدم والنمو لمجتمعاتها وبلدانها. تسلك كافة السبل السلمية المباشرة وغير المباشرة المتاحة أمامها. وتقوم بتغيير وتنويع مواقفها وتحالفاتها وصراعاتها مع الدولة أو القوى السياسية والاجتماعية الأخرى بحسب ما تقتضيه مصالحها وتحقيق أهدافها. ومن الأمثلة على تلك الحركات: الإخوان المسلمين في مصر وبلدان عربية أخرى، الحزب الإسلامي في العراق، حزب الاتحاد الإسلامي الكردستاني في كردستان العراق، حركة الإصلاح في اليمن، جماعة النهضة في تونس، حركة مجتمع السلم في الجزائر وغيرها.

2 - حركات التحرر الوطني المسلحة: في الأصل هي جزء من الحركات السياسية ـ الاجتماعية ذات البرنامج الإسلامي لكن ظروف مجتمعاتها الخاضعة للاحتلال الأجنبي دفعتها إلى تبني برنامج التحرر الوطني الذي يتمحور حول الكفاح المسلح. لا تشارك في صراعات مسلحة داخلية ضد خصومها الأيديولوجيين والسياسيين في مجتمعاتها. تقصر استعمال الكفاح المسلح على صراعها ضد القوى الأجنبية التي تحتل بلدانها وتسيطر على مواردها. أمثلة: حزب الله في لبنان، حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

 

آفاق الحركات الإسلامية

إذا ما انطلقنا من المعطيات الواقعية والسياسية في العالم فانه يمكننا استشفاف تغيرات وتحولات في فكر وأداء أكثرية الحركات الإسلامية:

1 - مواصلة الانتقال من العنف إلى السياسة على الصعيد الداخلي: يلاحظ هذا التوجه منذ عام 1997 عندما طرأت تغيرات على طبيعة حركات محلية وبعض قطاعات الحركات المتطرفة السلمية. توجد بوادر على استمرار هذا التوجه نظر لعواقب تفجيرات 11/9، والسياسات الأمنية التي ينتهجها المجتمع الدولي والرفض الشعبي للعنف والتطرف الذي تتسم به تلك الحركات، وعلاقة ذلك بالإصلاح والدمقرطة المحتملين في البلدان المعنية - سواء انطلاقا من قناعة ذاتية وضرورة داخلية أو بفرضهما من الخارج - مما قد يتيح فضاءات سياسية واجتماعية قانونية لكي تتمكن تلك الحركات من التعبير عن نفسها سلميا.

التاريخ الإسلامي يشهد بان الحركات العنفية تظهر بشكل مؤقت نظرا لأسباب مختلفة لكنها تحول لاحقا إلى حركات سلمية ببرامج سياسية - اجتماعية ذات طابع إسلامي.

2 - انتقال مركز ثقل أداء بعض الحركات من المجال الداخلي إلى المجال الخارجي: إن الحركات دولية المجال مثل القاعدة والمجموعات القريبة منها ستكثف صداماتها مع قوى دولية مثل أمريكا بالإضافة إلى "إسرائيل" وتركيا والسعودية وغيرها.

3 - مزيد من التقارب بين الحركات الإسلامية السلمية والحركات القومية: لا بد من الإشارة ـ في حالة الأمة العربية ـ إلى موضوعية العلاقة التاريخية ـ الجدلية بين الإسلام والقومية العربية. يتعلق الأمر حاليا بتبادل التأثير الفكري بين الإسلام والأمة (أسلمة القومية وقومنة الإسلام).

4 - مزيد من انتشار واتساع الحركات السياسية - الاجتماعية ذات البرنامج الإسلامي: التحولات السابقة ستوسع من النطاق الجغرافي والبشري للحركات الإسلامية. "الانتخابات الديموقراطية" في بعض البلدان الإسلامية مثل تركيا والمغرب والبحرين والكويت ومصر ونتائجها تؤكد على هذا التوجه. وسيشتد هذا الانتشار إذا ما استطاعت تلك الحركات ترويج وإعادة توزيع فكرتها الجوهرية المتعلقة بدور الإسلام في التنظيم السياسي - الاجتماعي للمجتمع بين قوى سياسية وفكرية وجماهيرية عديدة. (12)

 

خلاصة البحث:

1 - إن العنف السياسي وبالتالي الإرهاب لا يقتصر حصرا على أمة أو شعب أو دين أو أيديولوجية معينة. الأحداث التي تقع في مختلف أركان العالم تثبت ذلك.

2 - إرهاب الدولة يشكل مصدر الهام وتحفيز لإرهاب الأفراد والجماعات. إن الخطر الرئيسي الذي يتربص بالبشرية هو إرهاب الدولة الذي يجب أن تتركز ضده الجهود المتضافرة لوضع حد له في اقرب وقت ممكن أو على الأقل عرقلته أو كبح جماحه أو تجميده. كما يجب مكافحة الإرهاب الأصغر (إرهاب الأفراد و/أو الجماعات) مع الأخذ بالحسبان علاقة "التغذية الإسترجاعية" والتبريرية القائمة بينه وبين إرهاب الدولة، وهي علاقة واضحة جدا خلال الآونة الأخيرة بين القوة العظمى وحلفائها من جهة والقاعدة وأنصارها من جهة أخرى. لا يوجد أي سبب يجعل البشرية تتحمل هذه اللعبة المقابرية بين صنفين أو اكثر من الأصوليات السلفية الفاشية، التي تقف على بعد ملايين السنين الضوئية عن الأيديولوجيات والأديان التي تدعي بأنها تحمى حماها.

3 - تتجلى ظاهرة الإرهاب في أشكال مختلفة وتشمل مختلف مجالات حياة البشر: الفكرية والروحية (النفسية) والأدبية والأخلاقية والاقتصادية والعسكرية.

4 - إن الأعمال الإرهابية عندما تتحول إلى إبادة أجناس وتطهير عرقي وتدمير حضارات يجب اعتبارها جرائم بحق البشرية. وعلى المجتمع الدولي (السياسي والمدني) واجب رفضها وإزالتها كأفعال ونتائج.

5 - الإرهاب الأصغر لا ينشا تلقائيا بإرادة أفراد أو جماعات بل ينبثق من ظروف اجتماعية ـ اقتصادية ملموسة في إطار أيديولوجي ـ سياسي معين في مجتمع ما، ويسعى دائما إلى تحقيق غاية ما، سواء كانت منطقية أم لا من وجهة نظر المجتمع. غالبا ما يقوم به أفراد ذوي قدرات عقلية وذهنية محدودة أو مشوهة، ومستويات متدنية من الثقافة والوعي، ويتصرفون تحت تأثير ضغط عوامل قاهرة داخلية و/أو خارجية ولا يحسبون عواقب سلوكهم. في هذه الفئة يندرج أيضا بشكل ملحوظ بعض زعماء دول العالم الأول والعالم السابع سواء بسواء.

6 - يوجد أيضا ما يسمى بالإرهاب المدني الفردي أو الجماعي، الذي يندرج في إطار الجنايات والجرائم العامة دون توخي أهداف سياسية لكنه يتطلب معالجة مختلفة. ويوجد أيضا الإرهاب السياسي (عنفي أم لا، دموي أم لا) يسير في تطبيقاته فوق القانون وفوق الاختصاص الإقليمي (خارج القانون وخارج نطاق الاختصاص الإقليمي) ويتوخى تحقيق غايات ومصالح قومية أو فوق قومية أو فوق التاريخ أو حتى فوق الدنيا. وهذا الإرهاب هو الأسوأ والأخطر.

7 - لا يمكن محاربة ظاهرة الإرهاب (بكل أصنافه) أو القضاء عليها من خلال القوة العسكرية لا داخل الدول ولا فيما بينها. لا بد من مهاجمة الظروف التي تمهد لظهوره. لا تستطيع أية دولة أو أمة مهما كانت قوتها العسكرية الاضطلاع بهذه المهمة لوحدها، من الضرورة بمكان إيجاد توافق دولي على تعريف الظاهرة ووسائل القضاء عليها، حيث انه لها أبعاد ومديات عالمية. إن اللاعقلانية بعينها هي محاربة الإرهاب بإرهاب أكبر.

8 - من العدل والحيوية التمييز بين الإرهاب ونضالات التحرر الوطني والسياسي والاقتصادي - الاجتماعي. ففي حين يشهر حماة مذهب الواقعية الأمريكية مركزية ميزان القوة، في علاقاتهم مع العالم، تجد حركات التحرر الوطني والشعوب المضطهدة نفسها مضطرة إلى إشهار مركزية ميزان الدم، من اجل التخفيف من شدة التفوق التكنولوجي - العسكري الذي يتمتع به الجبابرة.

وأخيرا، إن بقاء الجنس البشري على قيد الحياة واستمرار الحياة ذاتها على كوكب الأرض (أم كل الحضارات) يتطلب بإلحاح لا يقبل التأجيل إجراء تغيرات جذرية في جوهر العلاقات الدولية السائدة في عالم اليوم. لا بد من أنسنة وعقلنة لاعبيها الحاليين والمتوقعين. من واجب المجتمع المدني الدولي وبإمكانه أن يؤدى دورا ذا شأن قيّم في هذه المهمة الحاسمة.

 

المراجع المساعدة

(1) الحقيقة المغيبة بين المقاومة والإرهاب، ناصر الفضالة، صحيفة أخبار الخليج البحرينية، 22/5/2004.

(2) المفكر الاقتصادي المرموق سمير أمين: العرب يطبقون "روشتة" اللبرالية فأين الديموقراطية؟ فتحي عامر، البيان الإماراتية، 24/10/2003.

(3) البعد التاريخي المعاصر لمفهوم العولمة وتأثيرها على الوطن العربي، د. غازي الصوراني، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين 29/11/1999.

(4) المصدر السابق.

(5) العنف.. ظاهرة إنسانية أم سياسية؟ محمد حسين فضل الله، السفير اللبنانية، 3/6/2004.

(6) الإرهاب الدولي والعنف السياسي، ناصر الفضالة، المركز الفلسطيني للإعلام، 26/2/2004.

(7) المصدر السابق.

(8) سياسة إرهاب الدولة كمعادل للجهاد، ويليام أولتمان، شبكة البصرة الإلكترونية، يوليو 2004.

(9) المصدر السابق.

(10) الأرشيف الشخصي للكاتب، 2001.

(11) صفحات من سجل الإرهاب الأمريكي، رسالة الجهاد، إبريل 1988.

(12) خريطة الحركات الإسلامية وآفاق المستقبل القريب، المهندس طارق خالد البرواري،

www.kurdiu.org/sahafa/alhywar/No 19/14.htm