لكي ينجح الحوار الفلسطيني

نواف أبو الهيجاء/كاتب وروائي من فلسطين يقيم في الأردن

التئام شمل ممثلي الفصائل والتنظيمات الفلسطينية مرة أخرى في القاهرة وبرعايتها، قد يكون بادرة لوضع حد لما يدور في البيت الفلسطيني منذ أعوام حتى وصل الأمر إلى ما هو عليه من فوضى أمنية، وخلافات جوهرية تثقل، من جديد، كاهل شعب فلسطين وتزيد من أعباء المقاتلين المجاهدين، وتمنح العدو المحتل مزيداً من القدرات على إحداث مزيد من الشروخ في الجدار الفلسطيني.

سبق أن جرت لقاءات وحوارات عدة بين الفصائل الفلسطينية في القاهرة وفي أمكنة أخرى غير القاهرة، وكانت النتائج مخيبة للآمال، بسبب بسيط جداً هو أن الحوارات واللقاءات لم تكن تصل إلى طروحات تتصل بالمسارات والمناهج المختلفة والمتباينة وإلى حدود التناقضات، كانت النقاشات والحوارات تتركز على شكليات وعموميات، تجنبا لوقوع المحذور والكشف عن أن أسباب عدم الوصول إلى الاتفاق وتفصيلاته تتركز في تجنب محاكمة المرحلة والمسيرة التي بدأت عملياً على صعيد الواقع منذ القبول بمؤتمر مدريد ومن ثم الذهاب إلى أوسلو سراً وواشنطن علناً.

لعل التجربة المرة بعد 13 أيلول/سبتمبر 1993 تكون المفتاح الأساس الذي من شأنه أن يجعل الجميع يدخلون معاً إلى غرف البيت الفلسطيني ومناقشة ما جرى بروح المحبة والإخاء والمصير الواحد لهذا الشعب.. لا أن تتم اللعبة السياسية وراء الأبواب المغلقة بصرف النظر عن البدهيات والمؤسسيات وكافة مرجعيات النضال الوطني الفلسطيني. أي يجب أولا وضع الأمور في النصاب المعيّن الدقيق من حيث:

أولا: أهداف الحوار الوطني الفلسطيني ومدى تلاحمها مع أهداف الشعب الفلسطيني.

ثانيا: موازنات القدرة على المناورة ومديّات هذه المناورة السياسية الممنوحة للقيادة الفلسطينية.

ثالثا: المشاركة المحسوبة لكافة القوى والتيارات في الالتقاء على برنامج عمل وطني موحد.

رابعا: وضع اشتراطات ومحددات لكل بادرة سياسية ولكل ردة فعل من العدو. بحيث يكون هناك خط أحمر لا يجوز لأحد أن يتجاوزه. أي الاتفاق على حد أدنى يسمح للقيادة بالتحرك فوقه ويمنعها من تجاوزه نزولاً، وفي الظروف كافة.

خامسا: المبدأ الأساس الذي يجب أن يكون بداية (هداية) ومنار الوحدة الوطنية يتجسد في التمسك بالثوابت الوطنية المعلنة وفي مقدمتها: حق العودة، وعروبة القدس، وعدم إغلاق الباب أمام الأجيال الآتية لتكملة مشوار التحرير. لأن الشرط الأساس للوحدة الوطنية هو أن يبقى الباب مفتوحاً للتحرير الشامل والكامل، أما الأهداف المرحلية الممكنة في الراهن فيجب أن يتفق بشأنها ويلتزم كل طرف بها كامل الإلتزام، والبدء، فوراً، بمنح القضية الوطنية الفلسطينية من جديد صبغتها القومية. لأن لا أحد يستطيع أن يزعم أن القضية الفلسطينية هي قضية شعب فلسطين وحده. أو كما يشاع في أجهزة الإعلام (هي قضية الفلسطينيين) لشطب حقيقة أن لفلسطين شعبها العربي الذي هو جزء من أمة العرب.

سادسا: البدء الفوري في تنفيذ برنامج إصلاحي متفق عليه، لا يخضع لضوابط (مفروضة) من هذا الطرف أو ذاك، ولا يراعي هذا الطرف على حساب المبادئ والقيم الوطنية بأي حال من الأحوال، الإصلاح المطلوب يجب أن يبدأ من ضرورة إقرار السلطة الفلسطينية بأن واجبها يفرض عليها ليس فقط تشخيص الفساد والمفسدين، بل كذلك التسلح بما يمكنها من التخلص من الفساد والمفسدين بروح تتمثل قيم الشعب ومجاهديه ومناضليه وشهداءه الأحياء والغائبين والحاضرين الذين قضوا فرحين على صورة وطن متحرر وشعب يعود إلى حقوقه وتعود إليه حقوقه.

وينبغي أن يكون الأساس في الحوار استبعاد لعبة المناصب والمراكز ومراكز القوى لهذه الفئة أو تلك أو لهذه الشخصية أو تلك، على القوى أن تضع النقاط فوق الحروف من حيث التشخيص الدقيق للمفسدين واللصوص، من جهة، والعلاج الناجع لهذه الظاهرة، من جهة أخرى.

هل يرى الجميع ما يجري من زاوية تلتقي برؤية الشعب، إن كان في الداخل أم في الشتات.؟ هل النظرة شمولية إلى درجة عدم إهمال الشرائح المؤثرة في المسار الإعلامي والثقافي أيضا.؟

هل يلتقي الجميع على مبدأ القدرات المتاحة سياسيا وعسكريا واستغلالها معاً دون أن يلقي الشعب السلاح، حتى في أحلك الظروف.؟

هنالك سؤال مهم جداً أيضا: هل يمكن وضع خطة محكمة لما بعد انسحاب المحتل من قطاع غزة، من دون حدوث انفلات أمني وانفجار التناقضات.؟

قبل المصالحة يجب أن تكون هناك مصارحة، والمصارحة تبدأ بمحاكمة المسار التفاوضي. مسار أوسلو وتفرعاته وصولاً إلى "خارطة الطريق" والتي يتبرأ منها شارون لأن له "خارطة طريق" خاصة به.

هل من الممكن تنفيس الاحتقان الشعبي الفلسطيني بحيث يتوجه الجميع بعيون وقلوب وأيادي وعقول واحدة نحو العدو وحده.؟! هل تسمح الديمقراطية الفلسطينية بمحاسبة الكبير قبل الصغير.؟ هل تسمح هذه الحرية بأن نوجه أصابع الاتهام لهذا الطرف أو ذاك ولهذه الشخصية أو تلك من دون أن نخشى العواقب.؟!

هل نقول انه يجب على السلطة الفلسطينية أن تتصرف على أساس أنها (سلطة فلسطينية) حقا وليس سلطة لطرف فلسطيني دون الآخر.؟!

هل نسأل كيف أن ما يمنح لشخوص من (فتح) مثلا بتوقيع من هذا أو ذاك لا يمنح لهذا الشخص أو ذاك لأنه ليس من (فتح). مثلاً أيضا.؟!

سؤال: هؤلاء الذين يقتصر انتماؤهم لشعبهم وقضيتهم هل يبقون كالأيتام في مآدب اللئام.

لكي يكون الحوار الوطني الفلسطيني ناجحاً يجب أن يكون شمولياً، وأن توضع كافة الاحتمالات، وعلاجات الحالات كافة أيضا، أن ينظر إلى القضايا صغيرها وكبيرها بعيون مجهرية، لأن ما يبدو ضئيلا وصغيراً اليوم يمكن أن يكون كبيراً وخطيراً جداً.. غداً.

هل ينجح حوار القاهرة هذه المرة.؟!

نتمنى. ونضع أيدينا فوق قلوبنا. لأن لنا تجارب مريرة وقاسية تقول لنا أن هناك من يشطب على الشعب، والوطن، ويبقى على (شخصه) أو (مصالحة) فقط.