ثغرة دارفور
عبد اللطيف مهنا/كاتب وشاعر من فلسطين يقيم في دمشق
مجدداً، وبعد فترة مراوحة، عاد التصعيد ليدفع بأزمة دارفور السودانية إلى الواجهة.. الأيام الماضية القريبة، وبانتظار تقرير الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن حولها، شهدت جزراً أعقب مداً، وبدأنا نسمع كلاماً عن تحسن بدأ في أوضاع الإقليم. فالجهات المعنية بالتصعيد، وعشرات الهيئات الدولية الناشئة تحت مظلة الإغاثة وحقوق الإنسان، خففت من صراخ سابق كان يتمحور حول كارثةٍ إنسانية ماحقة ستلم لا محالة بالإقليم المنكوب، بالتوازي مع دفق مزاعم مستمر حول الإبادة الجماعية التي ترقى إلى حال التطهير العرقي، بالإضافة إلى التهجير وجرائم الاغتصاب والاختطاف وسائر العناوين المفترض أنها الممهدة لتدخل دولي مبرر في هذه الحالة ووشيك. خفوت الزوبعة لم يطل، ولم يراع تقارير محايدة لوفود تقصّت الأمر ميدانياً، هي إما كانت عربية أو إسلامية، وبعض إفريقية وحتى أوروبية، نفت كل هذه المزاعم جملة وتفصيلاً وتحدثت عن بدء عودة من نزحوا عن ديارهم، وانتظام الإغاثة نسبياً، وإن ركزت على احتمالات الكارثة الإنسانية المترتبة على اقتراب موسم الأمطار وتدني مستوى المساعدات عن الحد الأدنى المطلوب.. فجأة وكأن المعزوفة يقودها مايسترو واحد اختار التوقيت المناسب، ويتحكم بمهارة في مستوى الضجة الناجمة عن توزيع مبرمج ومتقن لأبواقها وسائر أدواتها المختلفة. عاد الكلام ترتفع وتيرته عن الإبادة الجماعية، وكثرت التقارير التي يعوزها التوثيق عن التطهير العرقي مرة أخرى، ودُبّجت المقالات ثانيةً حول حرب الإبادة التي لا يزال يقوم بها عرب ضد أفارقة، أو أفارقة هم برسم التقتيل والتهجير، وتتعرض نساؤهم للاغتصاب الجماعي وأطفالهم للاختطاف، من قبل وسيلة غامضة ومرعبة يحاك حولها الأساطير أسمها الجنجويد، ترعاها حكومة مركزية لا ثقة فيها أو في وعودها، ولا أمل في عودتها عن سياساتها التعريبية العنصرية، الأمر الذي يوحي وكأننا أمام مشهد يعيدنا إلى عصور اصطياد العبيد البائدة في الغرب الإفريقي لكن مسرحه الراهن المختار هو دارفور السوداني!
الضجة مهدت وترافقت مع مشروع قرار يتم تداوله في مجلس الأمن قدمته الولايات المتحدة الأميركية استبق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة، الذي كان قد عقد اتفاقاً مع الحكومة السودانية يمهلها ثلاثة أشهر لتحل الإشكال الدارفوري، بيد أن هذا الاتفاق كان أيضاً قد اختصر أو استبدل قسراً جراء الضغوط على هذا الأمين العام لتغدو فترة الثلاثة أشهر شهراً واحداً لا أكثر يقدم في نهايته الأمين العام تقريره حول استجابة الحكومة السودانية لما تعهدت به، وكأننا أمام شروط تعجيزية تفرض على حكومة مركزية عاجزة لوجستياً في بلدٍ شاسعٍ مترامي الأطراف متعدد التنويعات والتعقيدات، كما وتعوزها بوضوح الإمكانيات والقدرات حتى وإن لم تعوزها النوايا ومحاولات تدارك الخطر الذي يتهدد السودان. خطوات مساعدة أخرى منسجمة اتخذت دون مصادفة بالتوازي مع مشروع القرار الذي يتعرض للتعديل، نظراً لاعتراضات وتحفظات أعضاء مجلس الأمن، وإن كان إجمالاً يأتي في سياق اعتاده العالم في العقود الأخيرة، أو تعوّد على مفرداته التي تتمحور حول الحصار السياسي والاقتصادي، ومن ثم الوصول إلى فرض العقوبات في هذين المجالين، والنواحي التسليحية، فالتلويح بالغزو، وكل ذلك تحت غطاء دائم هو الشرعية الدولية، سواء قبلت هذه الشرعية أن تغدو غطاءً أو أجبرت مرغمة أو مداورة على ذلك، أي بقرار أممي يصار إلى انتزاعه من هيئة كونية غدت بحق أسيرة الأقوى.
الأمين العام للأمم المتحدة، طالب أعضاء مجلس الأمن الدولي باعتماد قرار بشأن دارفور، وألحّ باعتبار أن هناك، وفق تعبيره، مدنيين يتم مهاجمتهم، و(نحن نتحدث)! وحلف الأطلسي يعرب عن استعداده لدعم أي عمل عسكري يقوم به الاتحاد الإفريقي في دارفور، رغم أن هذا الأخير يقول انه يلحظ تحسناً هناك، ويبرر الحلف ذلك بأنه استجابة لطلب من الأمم المتحدة، وأنه سوف يقتصر مبدئياً على التخطيط والنقل والإمدادات. وثالثة الأثافي كانت أوروبية من قبل جهة كان يعوّل عليها قليلاً في إبداء بعض التوازن في معالجة الأزمة، فالبرلمان الأوروبي وصف ما يجري في الإقليم بأنه (يرقى إلى حد الإبادة الجماعية)، مطالباً الأمم المتحدة بالتحقيق عما إذا كانت قد حصلت هذه الإبادة، وطبعاً هو مع فرض العقوبات على السودان، مختلفاً مع مشروع القرار الأميركي في مسألة واحدة وهي عدم شمولها للنفط السوداني... وهذا له تفسير واحد، وهو أن نفط السودان المستخرج منه ما يعادل نصف مليون برميل يومياً تستأثر به وتعمل في استخراجه وتسويقه شركات إما أوروبية أو ماليزية أو صينية، وتستثنى من ذلك حتى الآن الأميركية. ولعل هذا ما يفسر أيضاً معارضة الصين لمشروع القرار الداعي إلى شمول العقوبات فرض عدم استيراد هذه المادة، بل التلويح الصيني الذي خفف فيما بعد، باستعمال حق النقض (الفيتو) ضد المشروع... الأمين العام استجاب سلفاً للرغبة الأوروبية إذ أعلن أنه سيشكل لجنة تحقيق في احتمال وقوع إبادة جماعية. ويبلغ التصعيد حد الإعلان عن وجود عسكري أميركي لم يحدد حجمه في الإقليم مع مراقبي الاتحاد الإفريقي، بيد أن هذا التدخل الخارجي المتفق على كونه تعجيزياً قد آتى أكله ميدانياً، إذ عكس تشدداً في مواقف حركتي التمرد: (حركة تحرير السودان) بقيادة مني أركوي منياوي، و(العدالة والمساواة) بقيادة إبراهيم خليل إبراهيم، والأولى نسخة محلية لحركة قرنق الجنوبية الانفصالية، والثانية تتزعمها رموز كانت إما وزراء في الحكومات السودانية المتعاقبة، أو شاركت في ما يدعى حملات النفير، أو الجهد الشعبي في مقاومة التمرد الجنوبي الانفصالي. إذا أعلنت الحركتان أن مفاوضات ابوجا التي بدأت أصلاً متعثرة تحت رعاية الاتحاد الإفريقي لحل الأزمة قد انهارت، وفيما يشبه توزيع الأدوار، بينما نعتها (العدالة والمساواة)، أعلنت (حركة تحرير السودان) أنها لم تقرر بعد عما إذا كانت ستواصل التفاوض، بينما أعلنت الحكومة مكابرةً أن المفاوضات سوف تعاود في العاشر من الشهر القادم. وحيث تأتي هذه المواقف من قبل حركتي التمرد على هامش التدخل الدولي التعجيزي، واستقواءً به، أشرت الحكومة السودانية على ما هو أخطر إذ إلى جانب قولها ان المتمردين يتلقون أموالاً وتوجيهات من استخبارات أجنبية، تضيف مؤكدةً أن العقيد جون قرنق الزعيم الانفصالي الجنوبي يتحرك في دارفور حيث له أصابع فيما يجري هناك، بما يعني ذلك من انعكاس سلبي على احتمالات إبرام اتفاق سلام الجنوب المنتظر الذي بدأت مسيرته المعروفة في مشاكوس الكينية.
إذن هنالك تصعيد يتم على الجبهة الدارفورية، وتتعرض هذه الثغرة الخطرة في الجسد العربي المنهك والذي يتم نهشه في أماكن عدة، وهذا التصعيد ليس مفاجئاً إذا ما رأيناه في سياق مشروع غربي واسع وشامل يعدّ للمنطقة العربية بأكملها، كثر الكلام حوله وبانت خيوطه البيضاء من السوداء، وأضحى في عداد المعلن، أما توقيت التصعيد بعد تهدئة فلاعتبارات عديدة، منها ما يتعلق بإمكانيات التنفيذ إجمالاً، إلى جانب الهموم العراقية والدواعي الانتخابية الأميركية، أي برسم التغطية على هذه الهموم واستقطاب سود الولايات المتحدة، بعد تهييجهم إثر الكلام عن إبادة عرقية للأفارقة السودانيين على أيدي العرب.
والآن، وأمام عملية واسعة النطاق لنسج غطاء دولي لتدخل (إنساني) في السودان، عملية لا يمكن أن تكتمل أو تكون بدون مسوغات، أولها قوانين ومواثيق وأعراف دولية تخرق وبذا يجوّز التدخل، حيث لا بد في هذه الحالة من تضخيم حكاية التطهير العرقي والإبادة الجماعية والاغتصاب الجماعي أيضاً، ترى أين هي الحقيقة المغدورة في ظل هذه الحملة الكاسحة؟
أولاً، وقبل كل شيء، لا يمكن تبرئة الحكومة السودانية من سوء التصرف، ولا القوى السودانية والحزبية سواء تلك الموالية أو المعارضة من التقصير في مسعاها المفترض لسودنة الحل، واستطراداً، كذلك يمكن القول ذاته في القصور العربي في محاولة تعريبه، وكذا المعالجة الإسلامية الغائبة للمسألة. كما لا يمكن بحال إنكار أن هذا الإقليم الواسع الشاسع الذي يزيد على مساحة فرنسا ويعادل مساحة أفغانستان أي يعادل حوالي عشرين بالمائة من مساحة السودان، ويضم ثلاث ولايات يقطنها ستة ملايين نسمة، يعاني كسواه من أقاليم الأطراف السودانية تهميشاً وسوء إدارة هي ليست حكراً عليه وحده، وبذا لا بد من الاعتراف بوجود أسس موضوعية شكّلت بذور الأزمة وغذتها، لكن في وسط هذه الدوامة من الخلط الرهيب المقصود والحملة الكاسحة الشاملة والموجهة تحت بيارق نصرة حقوق الإنسان مهيضة الجناح في هذا الجزء من الوطن العربي، وتبرير الأطماع الاستعمارية فيه تحت مظلة جملة من المزاعم حول الإبادة والتطهير العرقي يجب أن لا تغيب عن أذهاننا نحن العرب على الأقل، جملة من الحقائق التالية: الأولى: أنه وحيث لم يثبت حتى الآن وجود ما يمكن تسميته بحرب إبادة أو تطهير عرقي، أو صراع عرقي عربي إفريقي مزعوم في الإقليم، ولم توثق حالة اغتصاب أو خطف واحدة، ولم تدون حتى الآن شهادة محايدة حول ذلك من قبل أية لجنة تحقيق منتدبة من أية جهة رسمية، وإنما كل ذلك كلام يدور في تقارير مغفلة أو من جهات ينقصها الحياد، فإن الصراع في الإقليم كان كما كان عبر العصور يدور ببساطة بين الرعاة والمزارعين، تم تسييسه واللعب عليه لتحقيق مآرب خارجية وداخلية وأحياناً من قبل حكومة المركز.
والثانية: أن الإقليم لا يمكن تقسيمه بين عرب وأفارقة نظراً للتمازج التاريخي بين العنصرين بحيث يستحيل التفريق بينهما، حيث لا نقاء عرقي ولا اختلاف عادات أو تقاليد، والجميع يتحدث لغة عربية واحدة، طبعاً مع وجود لغات محلية قبلية أخرى، بل إن هذا الإقليم ذا العقيدة الإسلامية الواحدة والذي يعتبر مهد المهدية وغالبيته تنتمي إلى طائفة الأنصار، ويضج بالطرق الصوفية والخلوات القرآنية التي تزيد، كما يقال، على ألفي خلوة لتحفيظ القرآن، موحد من حيث ذلك أكثر من سواه من الأقاليم السودانية وظل على امتداد القرون جسراً حضارياً وإيمانياً انتقل الإسلام عبره إلى غرب ووسط إفريقيا، أي كل ما ينفي موضوعياً مسألة العنصرية، ودواعي التطهير العرقي، أو ما يدفع باتجاه الإبادة الجماعية المزعومة، أو يسوغ وفق أعراف الناس وعقائدهم وشيمهم هناك مسألة الاغتصاب الجماعي.
وثالثة: أنه وحيث ان معظم معسكرات اللاجئين الكبرى، وهم مليون وبضع مئات الآلاف، تديرها وتحميها الدولة، كما يثبت راهناً، وليس الهيئات الدولية العديدة التي تقف وراء (الحملة الإنسانية) لغوث الإقليم، فإن ما يقع تحت مصطلح (الجنجويد) أو الجن على الجياد ليس حكراً على القبائل ذات الأصول العربية وحدها، وإنما هم واحدة من سمات الإقليم، وهم في الأساس مجموعات من قطاع الطرق المغيرين على خيولهم، قد يكونون من أفارقة المحتد أو الأصول أيضاً، وهم ليسوا تنظيماً وإنما جماعات مسلحة في مجتمع لا يرفض النهب المسلح والغارات بين القبائل، لكن الإعلام الغربي ضخم المصطلح وعرّبه والصقه بالعرب، وجاء الخلط بين الجنجويد وحملات النفير أو الهبات الشعبية التي نظّمتها الدولة أو رعتها لمقاومة انفصال الجنوب لتلصق بالعرب أو ذوي الأصول العربية وحدهم، وحيث ان ضحايا أزمة دارفور وفق الإحصائيات والأرقام الموثقة تقول انه لم يزد عدد القتلى عبر الصراع على 4900 ضحية، وإن ما أحرق من القرى، والقرى هنا كما هو معروف مجموعة أكواخ، قد تمت ليس على أيدي الجنجويد وحدهم وإنما أيضاً بفعل حركتي التمرد، اللتين كانتا أول من بدأ الصراع عندما تمت مفاجأة الجيش السوداني بالاستيلاء على حين غرة على حامية قولو في جنوب جبال مرة، ومن ثم اجتياح مدن أخرى مثل كتم والفاشر، حيث تكبد هذا الجيش سلسلة هزائم وخسائر كبيرة جراء هذه المفاجأة. وكان الاتحاد الإفريقي قد وثق في تقاريره، هو وكثير من منظمات حقوق الإنسان الأكثر إنصافاً، سلسلة مما ارتكبه المتمردون من عمليات النهب والسلب وحرق القرى والتخريب وحتى الاغتصاب.
والرابعة: ان حقيقة ما يكمن وراء أكمة هذه الحملة التي يدفع في تصعيدها العامل الخارجي ويسعى للإفادة منها إلى ابعد حد، هي أن هذا الإقليم الذي أشرنا إلى اتساعه يضم ثروات طبيعية هائلة، منها إلى جانب النفط هناك، كما يقال، بحيرة من النحاس، وتتوفر فيه جبال من الحديد، إلى جانب المكتشف من اليورانيوم في شماله، بالإضافة إلى ما يربو على 80 مليون رأس من المواشي، والتنوع المناخي الذي يتراوح بين الصحراوي والجبال الخضراء ذات المناخ المتوسطي، هذا دون أن ننسى الموقع الثقافي الحضاري الذي يمكن تلخيصه في كونه مفتاح العلاقة العربية الإفريقية المراد فصمها وفق المخططات الراهنة لمحاصرة الأمة العربية.
والخامسة: أنه... وحيث لا يختلف اثنان بأن التدخل الغربي في دارفور يعقّد الحل ويزيد الأزمة تأزماً، وأن انفصال الجنوب إن وقع، والذي تمهد اتفاقية مشاكوس بشكل أو بآخر له، وتجزئة السودان الذي تلوح بوادره في دارفور، وحيث النار تحت الرماد في مناطق البيجا شرقاً، والنوبة شمالاً، يعد خنقاً استراتيجياً لمصر والعرب في شمالي إفريقيا... يمكن القول ان الأمة العربية مستهدفة اليوم في كردفان تماماً كما هي مستهدفة في العراق وقبله فلسطين. وإذا كان الأمر كذلك وهو كذلك فعلاً، فإن الغياب العربي بالنسبة لمسألة كردفان خطأ استراتيجي فادح لا يمكن تبريره، إذ أن التخلي عن السودان اليوم والتواني في سد الثغرة الخطرة في دارفور هو بمثابة تخلي عن النفس، والأحرى بالعرب، في أقل تقدير، التمثّل بقول الرئيس النيجيري، الرئيس الحالي للاتحاد الإفريقي، الذي رعى الحل الإفريقي المفترض للمسألة أو مفاوضات أبوجا المتعثرة، حين قال:
(نجتمع اليوم لنفكر معاً لأن أحد منازلنا يحترق في إفريقيا)... فما بالنا والحرائق تشتعل أو يراد لها ذلك في أكثر من ساحة من ساحات الأمة وليس في منزل واحد من منازلها فحسب؟!!