جدار الكذب (1)
د. شاكر الحاج مخلف/رئيس تحرير جريدة المدار الأدبي - الولايات المتحدة الأمريكية
في الدولتين الحليفتين في الحرب على العراق "بريطانيا وأمريكا" أهدرت جهود وأموال في اتجاه جمع المعلومات عن أسلحة "الرئيس صدام حسين" الموهومة، كنت أحد الذين تابعوا تلك الحملة التي سبقت الحرب، وعندما نشر (توني بلير) الملف الخاص بالأسلحة العراقية أتصل أحد الكتاب وسألني عن رأيي وكان هو قد أقتنع بتلك التفاصيل الواردة في الملف، قلت له بوضوح تام أن توني بلير يكذب وسترى فيما بعد، ولم تمضي ساعات قليلة حتى نشرت وسائل الإعلام في الولايات المتحدة تكذيبا لتقرير بلير من خلال احتجاج طالب عراقي كان يدرس في بريطانيا مدعيا أن المخابرات البريطانية استولت على أطروحة التخرج التي أعدها وكانت عن أسلحة الدمار الشامل العراقية خلال الحرب العراقية الإيرانية، وأن تلك المخابرات غيرت في بعض التفاصيل لكي تبدو متطابقة مع ما تريد لغاية التهويل من حجم قدرات العراق التدميرية في مجال الأسلحة المذكورة في التقرير، استمرت تلك الزوبعة أيام قليلة ثم تلاشت تماما..!!
في بلد يمنع عنه قلم الرصاص ولا يجد فيه المريض حبة دواء، يحاصر حصارا قاسيا ويؤخذ نفطه مجانا.. كيف يمكن أن ينتج السلاح الذي يهدد البشرية ويدمر أمريكا خلال 45 دقيقة فقط..!! كنت أنظر إلى العراق كما لو كان أسد في عرين وقد أصابه الهزال وأحاطت به الشباك وصارت تلك الفأرة الجرباء الخبيثة المسماة الكويت تتحكم في مصيره، هذه هي القناعة التي كنت استند إليها في عدم تصديق تقرير بلير ومن بعده خطاب (كولن باول) في مجلس الأمن وتلك الحركات الاستعراضية المتلفزة التي رافقت خطابه حيث عرض صور لشاحنات متنقلة وقطارات وأماكن وهمية لا أحد يعرف موقعها سوى (باول وتينت) الذي كان يجلس خلفه ويغذيه بكلمات وجمل الدمار الشامل الوهمي!! ولم يتخلف (جورج بوش) عن تلك المسرحية فقال ما كتب له في السيناريو الرديء ولم يتردد.. وعندما نشرت أحد الصحف الأمريكية مقابلة مع رئيس إحدى لجان التفتيش (سكوت رايتر) الذي قال بالحرف الواحد "العراق خال من أسلحة الدمار الشامل وقد دمرّ في العام 1991 ما لديه من أسلحة محظورة".. تصاعدت أصوات كثيرة تصفه "بالعميل السري لنظام صدام حسين"!!.. بل بالغ الكثيرون فيما كتبوا عندما ادعوا كذباً أنه "تلقى رشاوى من العراق"، وكان العالم كله يتابع تلك الجولات التفتيشية التي يقوم بها خبراء انتقتهم المخابرات الأمريكية ودربتهم على المهمات التي أوكلتها لهم، ولكنهم لم يعثروا على شيء يدعم مصداقية الذين نشروا تلك التقارير وقالوا عن أسلحة الدمار الشامل كل كلام مثير ومخيف، وتدخلت المخابرات "الإسرائيلية" لتصب الزيت فوق النار عندما ادعت أن "الرئيس صدام حسين أمر بنقل تلك الأسلحة إلى دولة عربية مجاورة" وتلك الدولة قطعا هي ليست الأردن أو السعودية أو محافظة الكويت، كانت المخابرات "الإسرائيلية" ترسل إشارات واضحة نحو سوريا، ولم تتردد الحكومة العراقية بل أرسلت كل ما لديها من وثائق ومعلومات تخص أسلحتها إلى الأمم المتحدة، لكي تجنب شعب العراق والمنطقة حربا عقيمة لا طائل منها وتساهم بشكل عقلاني لضمان السلام العالمي وكشف الأكاذيب التي تروجها الدوائر المعادية للعراق والعرب..
مصادر أخرى للأكاذيب
اعتمدت إدارة بوش في معلوماتها التي جمعتها قبل الحرب بشأن امتلاك العراق أسطولا من الشاحنات وعربات السكك الحديدية لإنتاج "الأنثراكس" وجراثيم قاتلة أخرى على معلومات زودها بها منشق عراقي غير موثوق به حمل اسما مستعارا هو "الخادع" وحسب التقارير التي سربتها المخابرات الأمريكية لم يتخذ قرار مباشر للاتصال مع المخادع حتى فترة ما بعد الحرب وبدلا من ذلك تم الحصول على ما لديه من معلومات عن طريق وكلاء ألمان وكان ملفه الذي أنتقل إلى أيدي رجال المخابرات الأمريكية ثقيلاً وفيه إشارات تؤكد أن العراقيين قد طوروا مصانع جراثيم جواله من أجل تفادي عمليات التفتيش التي يقوم بها الخبراء الأجانب في مناطق عديدة من العراق، ولكن المخابرات الألمانية كانت حاذقة جدا فقد وجدت الكثير من الثغرات في أقوال وقصص "الخادع" والكثير من تلك القصص يظهر مفبركاً وتحيط به علامات استفهام وتغلفه الأكاذيب، ولقد وجهت نتائج المفتشون الأمريكيون ضربة قاضية لملفات "الخادع" ولكن ثمة من كان يصدق في تلك الحكاية ويراهن عليها..
الجلبي والمهندس الكيمياوي
في فترة لاحقة طلبت القيادة الأمريكية من أحمد الجلبي المساعدة فيما يتعلق بتوضيح حقيقة المعلومات المستخلصة من "الخادع" تلك المتعلقة بالشاحنات المتحركة، أهتم الجلبي بذلك الطلب وجاءته الفرصة عندما استلم رسالة عن طريق البريد الإليكتروني تتحدث عن وجود مهندس كيماوي عراقي محتجز في معسكر لجوء ألماني، ولكي يحصل على شيء من الأهمية ويضمن الحصول على اللجوء ضخم ذلك المهندس ما لديه من معلومات وتضمنت أفادته "انه مهندس كيمياوي عراقي منشق عن نظام صدام حسين، غادر العراق لأنه لا يرغب في العمل على تدمير البشرية!!، وأنه "كلف من قبل جامعة بغداد بتصميم وتصنيع شاحنات حرب بيولوجية تدخل في خدمة الجيش العراقي"، نقلت تلك المعلومات مباشرة إلى الرئيس جورج بوش الذي نظر إلى الأمر بخطورة بالغة وحذر على أثر ذلك حلقات القرار المتصلة به، وصدرت التعليمات للبحث ورصد الشاحنات الحاضنة للجراثيم الشبحية التي أطلق عليها فيما بعد اسم استراتيجي عسكري "موت الواينباغو – جحيم فوق العجلات".. تلك المعلومات هي أثمن ما حصلت عليه الجهات الاستخبارية الأمريكية من ذلك المنشق، يضاف إلى ذلك معلومات استخلصتها المخابرات الأردنية من بعض الذين دخلوا الأردن وكانوا يعملون في هيئة التصنيع العسكري العراقية، وقد اعتمد تقرير (كولن باول) على تلك المعلومات، ولكن وكالة المخابرات الأمريكية اكتشفت في وقت لاحق أن المنشق المذكور والذي يحمل لقب مهندس كيمياوي هو مجرد شقيق أحد مساعدي الجلبي وقد تم تدريبه على صنع تلك الأكذوبة وقد ساد في تلك الفترة أن وكالة المخابرات الأمريكية قد خدعت وقد استدرجت لتلاحق نظام أسلحة شبحيه..
الكذبة الكبرى
الحقيقة هي دائما أولى ضحايا الحروب، ومعرفة هذه الحقيقة تدفع برجال الإعلام إلى محاولة كسر القيود والنفاذ إلى كبد الحقيقة وفضح الأكاذيب، وتلك هي أرقى مهمة لأصحاب الأقلام الشريفة ، العالم بدون فضاء الحقيقة غابة يسودها التخريب والفوضى ومن ضمنها الحروب.. الكتاب الذين يكشفون ما وراء الحدث هم قلة ولكنهم الأقوى، أن منظومات إعلامية كبيرة تسعى للحصول على ما يغاير المألوف من خلال التوثيق والتصريح والنقل المباشر من موقع الحدث.. محطات كبرى مثل (سي. أن. أن) و(بي. بي. سي.) و(فوكس نيوز) و(سي. بي. أس.)، لم تبذل جهداً كبيراً لاختراق حالة الحصار المضروب على تلك المعلومات المهمة التي سبقت الحرب على العراق، أما الفضائيات العربية ومعها تلك الصحف فهي تبدو حالة بليدة وتسلك طريقاً عشوائيا كلما ظهر الخلل في جوانبه تداعت الجهود للتعديل أو الترقيع، المحرر (ديفيد ميلر) نشر دراسة بعنوان (الكذبة الكبرى) تتناول موضوع أسلحة الدمار الشامل العراقية، تلك الدراسة تفيض بالعيوب وتعتمد على الكثير من الأكاذيب من ضمنها المعلومات التي قدمها المنشق وفيق السامرائي الذي كان "يقاتل نظام بغداد" بملف مهتريء مليء بالأكاذيب ويتحدث عن أسلحة موهومة، والآن يوصف من قبل رجال الحكم في بغداد ومن قبل تلك الجهات التي استخدمته بأنه "كذاب كبير"!!.. كل المعلومات التي قدمها السامرائي ثبت بشكل ملموس أنها كاذبة وستنشر تلك التقارير التي كتبها بخط يده مهولاً الوضع العسكري في العراق أما تلك المقابلات التي تمت معه فهي موجودة وتحتفظ الكثير من محطات التلفزة بنسخ عنها ولن يستطيع تغيير ما قال آنذاك.. المزاعم التي حشدها رجال المعارضة العراقية الذين لا يملكون المصداقية، هكذا يوصفون في بعض الكتابات التي تنشرها صحف الولايات المتحدة الأمريكية، تلك الأكاذيب (كما توصف حالياً) وجدت صداها القوي لدى بلير وبوش، وكلها ترتكز على أسلحة الدمار الشامل العراقية المدعاة وخطرها المزعوم على المدن الغربية.. تلك كانت من العوامل التي أنضجت قرار الحرب وتدمير العراق!!..
ديفيد كاي
الموقف من التقارير الكاذبة دفع (ديفيد كاي) للاصطدام بالمؤسسة التي تمتلك القرار وفي يناير/كانون الثاني قدم استقالته كرئيس لمجموعة تقودها المخابرات المركزية ومكلفة بالبحث عن أسلحة محظورة في العراق، ومن القصص التي ناهضها (كاي) وشكلت لديه إخفاقاً في عالم المعلوماتية المتعلقة بالعراق، كانت قضية "الخادع" سراباً يتجاور مع الحقيقة، حكاية في تقارير تتنقل بين أيدي الخبراء بمنتهى السرية والكتمان، هي أكثر من الأسلحة المحظورة كانت تثير القلق، يقول (ديفيد كاي) في مذكراته: "القصة اللعينة التي تتسم بإمكانية خلق أكبر دمار شامل، تلك القصة تبدو مثل السير في حقل ألغام حيث المطلوب الحذر والاحتراس في حالة المضي قدماً".. وفي مقابلة معه قال: "إن المنشق الخادع كان في مركز قضية شديدة الأهمية بالنسبة لنا".. وفي وقت لاحق في مقابلة متلفزة يقول: "المنشق الخادع تحول إلى رمز التزوير الكاذب بالكامل"..
دور الأكراد
في فترة قريبة من بداية عام الحرب أعلنت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أنها وجدت اثنتين من الشاحنات المشتبه فيها في شمال العراق وتحديدا في المنطقة التي يسيطر عليها الطالباني!! اختيار الوقت والمكان يكشف عن خيوط عملية سرية أخرى أطرافها "الأكراد وجهاز "إطلاعات" الإيراني ورموز في أحزاب عراقية وفصائل معارضة وبشكل خاص الدينية منها هناك إشارات إلى دور النظام الكويتي أيضا في تلك العملية التي أطلق عليها اسم "مهاباد".. كان الهدف من تلك العملية التي سأذكرها بالتفصيل هو توريط الولايات المتحدة بقرار الحرب، الأطراف المشاركة في "عملية مهاباد" كل منها له مكاسب في حصول تلك الحرب.. كان الطالباني أكثر المتحمسين لتلك العملية وطلب من الأطراف التي تمثل المعارضة العراقية كتمان التفاصيل عن غريمه البرزاني فهو يروج أن الأخير له قنوات اتصال مباشر مع الرئيس صدام حسين..!!
الجلبي وأطراف أخرى
ذلك الجدار القوي والمرعب والذي دفع شعب العراق الباسل العظيم ثمنه غاليا تعاونت كل قوى الشر والظلام على بناءه، لقد التقى الأعداء التقليديون ومعهم أعداء متربصون والحقد على العراق وشعبه صار مثل غيمة كبيرة سوداء تدفعها رياح الإمبريالية إلى الموقع الذي ستمطر فوقه مطراً هو الموت لا غير، فصائل الجاسوسية وماكينة التدمير، كلاهما يتحرك بقوة هائلة بينما يعلو الضجيج الكاذب في بغداد، لقد ظلت إدارة الرئيس بوش تتمسك لفترة من الزمن باحتمال وجود شاحنات الحرب البيولوجية في مكان ما من أرض العراق، وإذا ثبت ذلك فإن قرار الحرب لا تراجع عنه، الجلبي وأطراف أخرى في المعارضة العراقية استلمت تلك الرسالة الواضحة وبدأ "زعيم المؤتمر الوطني المعارض" وبدعم شديد من "حركة الوفاق الوطني العراقي" التي يتزعمها "رئيس الوزراء الحالي أياد علاوي" التفكير في ما يناسب قرار التعجيل بالحرب فقد كانت تلك الأطراف ومعها إيران والكويت والسعودية والأردن كلها تخشى تردد الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وتراجعهما عن قرار الحرب خصوصا عندما بدأت تصريحات رئيس المفتشين تأخذ منحى يفسر لصالح العراق، وهكذا بدأت فكرة "عملية مهاباد"، تنضج في عقل الجلبي الذي حمل أسرارها وتوجه إلى طهران، في طهران عقد اجتماع ضم (الجلبي – باقر الحكيم – الطالباني - ومسؤول المخابرات الإيرانية اطلاعات)، كان الهدف مناقشة الفكرة ووضع السيناريو المناسب لتنفيذها، في ذلك الاجتماع تم البحث عن أرضية مساندة لتسويق الاتهامات وإيجاد مصداقية لها، جوهر "عملية مهاباد" كان يهدف إلى الحصول على شاحنات مشابهة لتلك التي وردت في تقارير المخابرات الأمريكية، في اجتماع لاحق أنضم السفير الكويتي في طهران إلى المجموعة وتعهد بالتمويل بينما تعهد الطرف الإيراني بتصنيع تلك الشاحنات وكانت مهمة الطالباني تحريكها في أماكن منتخبة من أرض العراق، تم تصوير الشاحنات المصنعة في مناطق مشابهة لتضاريس العراق وطار الجلبي بتلك الصور قبل دخول الشاحنات إلى العراق وقدم تلك الصور إلى الجهات التي يرتبط بها على أنها وصلته من خلال تنظيمات المؤتمر الموجودة داخل العراق!!، بعد مرور ثلاثة أيام أو أكثر نشرت الولايات المتحدة خبرا مفاده أنها وضعت ستة أقمار تجسس لمتابعة ما يدور فوق أرض العراق، ثم أعلنت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أنها وجدت اثنتين من الشاحنات المشتبه بها في شمال العراق!!، لكن تلك الوكالة تراجعت في وقت لاحق ولم تتطرق إلى تلك الشاحنات حتى استعان (كولن باول) بتلك الصور التي شاهدها كل العالم تقريبا، وكرجل إعلام بقيت فترة من الزمن أحاول معرفة السر الذي دفع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لتجاهل تلك الصور والمعلومات التي قدمها المنشق الجلبي، كان الأمر الذي يحاكي التفكير أن الوكالة المذكورة قد اكتشفت خللاً في ذلك السيناريو، ومع حاجتها إلى ذلك الدليل لكنها اعتمدت أسلوبا مغايراً، وفي فترة سبقت الحرب بعدة شهور أشار نائب الرئيس الأمريكي (ديك تشيني) إلى تلك الشاحنات باعتبارها دليلا قاطعاً على وجود أسلحة دمار شامل في العراق، لكن المفاجئة الكبيرة التي كنت أبحث عنها فجرها (جورج تينت) مدير وكالة المخابرات المركزية عندما أبلغ لجنة في مجلس الشيوخ مثل أمامها قائلاً "لقد اتصلت بتشيني لتحذيره من أن الدليل الذي يستند عليه مثير للارتياب على نحو متزايد".
اجتماع "مهاباد"
المعلومات المرفقة بالصور التي جاء بها الجلبي وكانت ثمرة "عملية مهاباد" ألقت الظل والشك على عمل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التي لم تتمكن من رصد شاحنات الحرب البيولوجية، وعندما صارت تلك المعلومات تحاصر الرجل الأول في تلك الوكالة (جورج تينت) اندفع مغادرا حالة الكتمان ليعترف ويلمح وللمرة الأولى إلى تلك المشكلة المسماة "الشاحنات المشبوهة" وفي خطاب ألقاه في (جامعة جورج تاون) يوم الخامس من شباط/فبراير عام 2003، قال بالحرف الواحد "يجب علي أن أخبركم أننا وجدنا تعارضاً في بعض المزاعم التي قدمتها بعض المصادر البشرية حول الأسلحة البيولوجية الجوالة".. التدقيق في النص يفضي إلى إشارة واضحة إلى السيناريو والمعلومات الجلبية- نسبة إلى الجلبي، ولكن دون الدخول في تفاصيل تتعلق "بعملية مهاباد" أو غيرها، وفي العودة إلى نص الخطاب نجده قد أضاف الآتي: "أنه بسبب افتقارنا إلى الصلة المباشرة بالمصادر الأكثر أهمية حول هذه المسألة فقد كنا وما نزال عاجزين عن الاختلافات"، أخضعت هذا التصريح للتحليل ووجدت أن الوكالة ومديرها يعلمون وربما لا يعلمون بتفاصيل "عملية مهاباد" التي سرب تفاصيلها بعد الحرب بعض قيادات وكوادر ورجال حراسة يعملون مع الطالباني، هل جاءت تلك التسريبات عن حسن نية أم كان الهدف الإيقاع بالجلبي وأزاحته عن طريق القيادة الكردية..؟ أم تسليط الضوء على التعاون اللوجستي بينه وبين القيادة الإيرانية..؟ أغلب الظن أن وكالة المخابرات الأمريكية قد حسمت أمرها بعد الحرب ومنحت بعض رجال الصحافة المعلومات المؤكدة عن حقيقة الجلبي، نتوقف عند هذه الإشارة المهمة التي وردت في مقالة الكاتب (توماس باتريك كارول): "أن وكالة الاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية تعتقد أن برنامج أحمد الجلبي زعيم المؤتمر الوطني العراقي والمتعلق بجمع المعلومات الاستخبارية عن أسلحة الدمار الشامل المنسوبة إلى نظام الرئيس صدام حسين كان مجرد واجهة لنشاط وعمل المخابرات الإيرانية".. وفي رسالة "الزعيمان" الكرديان برزاني – طالباني الموجهة إلى الرئيس جورج بوش حول القرار الجديد لمجلس الآمن الدولي ترد إشارة كبيرة "نحن واثقون بأنكم تتفقون معنا على انه لا يتوجب إنزال العقوبة والقصاص بكردستان لصداقتها الحميمة ودعمها اللامحدود للولايات المتحدة الأمريكية".. ولم تأتي التهمة الموجهة إلى أحمد الجلبي "كعميل مزدوج" من فراغ بل قد اعتمدت على أدلة ووثائق تحتفظ بها الجهة التي أطلقت ذلك اللقب عليه واندفعت لتحتل داره وبقية مكاتبه وتخضعها لتفتيش وتنقل منها المعلومات المطلوبة، واقتطع الآتي من تقرير لوكالة المخابرات الأمريكية ورد ضمن مقالة نشرها الضابط السابق في اللجنة السرية التابعة لهيئة الاستخبارات المركزية الأمريكية (توماس باتريك كارول) الجلبي كان يسرب المعلومات السرية التي يستقيها من أجهزة المخابرات الأمريكية إلى العملاء وأجهزة المخابرات الإيرانية، بينما كان يسرب وفي الوقت نفسه – المعلومات الاستخباراتية الإيرانية الخاطئة لأجهزة المخابرات الأميركية، كان محور عمل الجلبي يدور ضمن نطاق إثارة الولايات المتحدة للتعجيل بتوجيه ضربة عسكرية للعراق الذي يعتبر نظامه بقيادة الرئيس صدام حسين العدو اللدود لإيران"!!. ومع أن تلك المقالة نشرت بعد الحرب ولكن كاتبها يستند إلى تقارير سرية "موثقة" قد أعدت قبل الحرب، كما يعترف في جانب آخر من مقالته بنجاح مؤسسة التجسس الإيرانية في أهدافها "إيران قد نجحت في تنفيذ واحدة من كبريات العمليات الاستخباراتية السرية في التاريخ العالمي المعاصر عندما أعادت استخدام خطة "Operation Trust" التي نفذها بكفاءة عالية جهاز المخابرات السوفيتية في عهد (فلاديمير لينين)" الاعترافات تتوالى من قبل عناصر المؤسسة الاستخباراتية الأولى في العالم حول الفشل أو التراجع في الكشف والمتابعة وحجب الثقة عن رموز وقيادات وجهت طعنة نجلاء لعمل تلك المؤسسة المعروف بالدقة والكفاءة وهكذا بدأنا نقرأ ونشاهد اعترافات مسؤولون استخباراتيون أميركيون وبريطانيون منذ الحرب وخاصة بعد التورط الأمريكي في "مستنقع بلاد الرافدين" وانكشاف حجم التضليل والخداع التي قادت أمريكا وبريطانيا ودول أخرى نحو الهاوية أو بداية النهاية أن الأكاذيب والتلفيقات التي غالى بها "قادة تنظيمات عراقية معارضة" لنظام الرئيس صدام حسين كانت تتواجد في المنفى وتحصل على مساعدات مالية كبيرة، أسهمت تقاريرها والمعلومات التي نقلتها للقيادة الأمريكية والبريطانية على رسم صورة كاذبة عن حجم أسلحة الدمار الشامل العراقية قادت إلى تقديرات خاطئة دفع وسيدفع ثمنها في الدرجة الأولى الشعب الأمريكي والعراقي وربما البريطاني، وغالبا ما يلقى اللوم على أحمد الجلبي الذي يتزعم "المؤتمر الوطني العراقي"، بينما يتم حاليا تجاهل متعمد لدور إياد علاوي "رئيس الوزراء الحالي" زعيم "حركة الوفاق الوطني العراقي".. يوم أمس وأنا أكتب في تفاصيل "جدار الكذب" وصلني عبر البريد الإليكتروني تصريح لعلاوي، نشرته هيئة الإذاعة البريطانية على موقعها أقتطع منه الآتي "أعترف رئيس الحكومة العراقية المؤقتة إياد علاوي لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بأن "حركة الوفاق الوطني العراقي"، حزب المعارضة في المنفى الذي كان يترأسه قبل سقوط نظام الرئيس صدام حسين، كان وراء المعلومات التي أذاعتها المخابرات البريطانية قبل الحرب على العراق بأن نظام بغداد يملك أسلحة دمار شامل ويمكنه نشرها في مهلة 45 دقيقة"!!. لماذا يستمر رئيس "حركة الوفاق" بترميم جدار الكذب الذي صار يتهاوى بفعل معاول العقول المبصرة..؟!! هنالك سبب مهم وربما عدة أسباب سنتوقف عندها..
التغيير غير المتوقع
ما جرى للجلبي هل كان يتضمن إشارة ترسلها المخابرات الأمريكية للقادم الجديد..؟ كان يوم 2/4/2004 هو الفيصل في تحديد العلاقة والاختيار أو العبور إلى ضفة جديدة ، أخضعت القيادة الأمريكية الجلبي وعلاوي لتقييم ودراسة ومراجعة في غاية الدقة لتحركات كل منهما وعندما حسمت الاختيار اقتحمت كتيبة منزل الأول وصادرت كمية من ملفاته الشخصية وبثت الوصف التالي عبر القنوات الإعلامية "صوبت القوات الأمريكية فوهات البنادق إلى رأس احمد الجلبي وسحبوه على الأرض".. بينما عرضت قنوات التلفزة فيلما يصور ما بعد الاقتحام ظهرت فيه صورة محطمة للجلبي فوق أرضية المنزل وكانت تلك اللقطة الوثائقية معبرة جدا عن نهاية العلاقة بين الطرفين!!، غادرت تلك القوات منزل الجلبي وهي تحمل معها عدة صناديق كما تحفظت على وثائق وعلى مجموعة من الحواسيب الشخصية، البنادق التي وضعت فوق رأس الجلبي بطريقة مهينة هي النار التي أحرقت تلك الورقة التي استخدمها الأمريكيون وقادتهم إلى الشكوى أو بتعبير أدق إلى فخ قاتل، حجبت الأسباب الحقيقية وكلا الطرفين قدم تبريرا، الجلبي أدعى أن ما جرى "يمثل وضع ضغوط سياسية كبيرة على كاهله"، بينما قال الأمريكان: "إن الجلبي صار يتدخل في سياسات الولايات المتحدة"..!! كان الجلبي وعلاوي رغم صلة القرابة بينهما يتنافسان في السر والعلن على التقرب من قلب وكالة المخابرات، كلاهما عمل بجد لحسابها، التقارير التي كتبت عن علاوي والجلبي نظرت إليها الوكالة بعين الخبرة الفاحصة، كان سجل أياد علاوي يرشحه لتجاوز غريمه بنقاط عديدة وهكذا ظهرت في الصحف تقارير تهدف إلى تركيز القناعة وحسم الجدل الذي كان يدور خلف أبواب موصدة، من تلك الكتابات التي تتحدث عن الجلبي المقالة التي نشرها (روبرت بير) ضابط العمليات السابق في وكالة المخابرات الأمريكية "أرى أن أياد علاوي أفضل بكثير من الجلبي المحكوم غيابيا في الأردن بتهمة السرقة عام 1992"! لكن كاتبة أخرى مقربة من تلك الوكالة هي (لورا ميلروي) تورد رأيا مخالفا "أعتقد أن الثقة في شخص علاوي ليس في موضعها على الإطلاق".. وتسرد الكاتبة نماذج من أكاذيب علاوي التي عرضت للخطر القوات الأمريكية في نهاية "حرب عاصفة الصحراء" 1990، ثم تعمد إلى التذكير بتلك القصص الكاذبة والمفبركة التي درج زعيم "حركة الوفاق" على صناعتها وتسويقها مثل قصة "المقدم الدباغ" التي سأذكرها لاحقا، وكذلك الأكاذيب المتعلقة بإمكانية العراق في مهاجمة أمريكا ودول أوروبا خلال 45 دقيقة، كان الجلبي وعلاوي يمثلان مصنعين خطيرين للكذب كل كذبة تضاهي أخطر الصواريخ التي تستقر في ترسانة الولايات المتحدة، ولكن حبل الكذب قصير، صنع الجلبي تقارير وصور مزورة وخطط "لعملية مهاباد" التي نفذها الأكراد في الشمال، بينما صنع علاوي قصة تشبه إلى حد كبير سيناريو لفيلم هندي رديء، تلك هي قصة "المقدم الدباغ"..
(المقدم الدباغ)
هو من الأعمدة القوية التي استند إليها جدار الكذب، لم تكشف الجهات التي تعامل معها عن هويته ولم تنشر عنه سوى معلومات ضئيلة للغاية، "المقدم الدباغ" هكذا تحت هذا الاسم الحركي الوهمي تم تسويقه وتقديمه على أنه من قنوات المعلومات الأكيدة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، في الصراع المحموم بين الجلبي وعلاوي توجد الكثير من علامات الكذب والتشويه، صنع الأول أكذوبة الشاحنات بغطاء دولي وسوقها للعالم أجمع وصنع الثاني شخصية الضابط "الهارب من جيش صدام" (المقدم الدباغ) التي لم تنتشر كثيراً ولكنها دخلت صفحات تقرير توني بلير واعتبرت من الدلائل القوية على ما جاء في الاتهامات الموجهة للعراق، تلك المعلومات التي هللت لها وكالة المخابرات البريطانية (M16) وأرسلتها بشكل عاجل إلى البيت الأبيض، تقوم على القصة الملفقة التي أخترعها أياد علاوي وطلب من تابعه ترديدها والتمسك بتفاصيلها المبالغ فيها، قال: "المقدم الدباغ الذي حرصت "حركة الوفاق" من إعطاء صفة الواقعية على ما يحيط به من أخطار وهمية فاختارت له قبو محروس جيدا لكي يكون في مأمن من عملاء نظام صدام، هو عسكري هارب يغلب الظن على أنه كان يعمل في قوات المدفعية الجوية (قوات الدفاع الجوي) وقبل التحاقه "بحركة الوفاق" كان قد حضر اجتماعا لقادة الوحدات المنتشرة في أرض العراق بعد أن اتخذت القيادة العراقية منهج اللقاء الدوري المتكرر مع قادة الوحدات للوقوف على احتياجاتها ولتدارس الخطط والأفكار الحربية وكذلك استخلاص الدروس من المواجهة التي حصلت بين القوات العراقية وقوات التحالف في "حرب عاصفة الصحراء" – أم المعارك"، كان كما يدعي أنه "قد أتخذ قراره بالهروب من القوات المسلحة العراقية ومثله الكثير ممن كنا نلتقيهم في الأردن أو الشام وأغلبهم وطنيون عراقيون مخلصين لا يتحدثون في الأمور العسكرية أو يفاخرون بالرتب العسكرية، كان جلهم من الذين وقعوا تحت طائلة الاصطدام بالغوغاء الذين كانوا يتسيدون موقع القرار العسكري والحزبي في القوات المسلحة، أنني هنا أدون من موقع المسؤولية وشرف الكلمة موقف أولئك الضباط والمراتب الذين كانوا يتحسرون ويحترقون وهم يرون العراق يقاد بجهل مطبق إلى المقصلة أو حلبة التدمير في مواجهة غير متكافئة، لقد استخدم نظام "الأرعن صدام حسين" مجموعة من الجهلة والأميين ليقودوا الشعب والدولة إلى هذه المحرقة التي تتواصل فصولها بشكل مأساوي، في الوقت الذي تم إقصاء أصحاب العقول المبدعة ورجال الانتماء الحقيقي، وعوملت قيادات وكوادر الحزب معاملة يشوبها الشك والتحسب، وظلت وجوه وعقول متحجرة ومتخلفة رغم الفشل الذي يرافق عملها تحتل مواقع مؤثرة في القيادة، هذا ممر سريع إلى مجمل الأسباب التي رافقت هروب العديد من الضباط ورجال الدولة إلى الدول المجاورة ومنها إلى دول أخرى بعيدة"!!.. ولكن شخصية (المقدم الدباغ) ليست منهم على الإطلاق، هي نموذج رديء أعد على مقاس وفيق السامرائي وحشدت لتسويقه الجهود الكبيرة وفي القصة التي روجها الكثير من العيوب....
الأمريكي الوكيل
كانت المرّة الأولى التي يكشف النقاب فيها عن " المقدم الدباغ " الذي أدعى كذباً أنه أمر وحدة عسكرية تنتشر عند الحدود العراقية – الكويتية، عندما جاء الكشف عنه ضمن الحملة الإعلامية المقابلة لحادث طرد المفتشين عن أسلحة الدمار الشامل العراقية من بغداد ، وجاء ذلك في تفاصيل حملة الترويج والتلميع لشخص علاوي التي أوكلها إلى شركة مختصة بذلك يديرها سفير سابق للولايات المتحدة عمل لفترة في السعودية، كان (نك ثيروس) يسعى لتفجير قنبلة كبيرة تشد الانتباه إلى شركته وعملها في هذا المجال ، وقد وجد أياد علاوي تلك الشركة مؤثرة بعملها وعلاقاتها وقرب أصحابها من صناع القرار في البيت الأبيض، وهكذا عمد ذلك الوكيل الأمريكي في الترويج إلى وسائل وطرق لا تخلو من الإثارة والفبركة ، كانت البداية في مقابلة نشرتها جريدة (الصانداي تلغراف) ثم تبعها بمقابلة تلفزيونية لصالح محطة (أن. بي. سي.) كلاهما تضمن ذات المعلومات والصور، ولكن التحقيق التلفزيوني أنفرد ببعض المشاهد للرصد الخاص بأقمار التجسس وكذلك مقابلة مع مفتش الأسلحة الأسبق (ريشارد بتلر)، كرر فيها أقواله السابقة بشأن وجود أسلحة الدمار الشامل العراقية، كل تلك الحملة الدعائية الملفقة تم تسويقها قبل أن تنشر المخابرات البريطانية تقريرها المفضوح حاليا والموصوم بالكذب، كان (المقدم الدباغ) قد رتب معلوماته الكاذبة وجهز وثائقه كما طلبت منه قيادة الوفاق التي وفرت له الصور والتقارير المزيفة وتعاونت في ذلك مع المخابرات الأردنية والكويتية والإيرانية (قبل يومين من تاريخ كتابة هذه المقالة صرح رئيس الوزراء – ايادعلاوي – لوكالة رويتر للأنباء: "كنت زعيما لتنظيم سياسي يحتفظ بعلاقات مع 15 جهاز مخابرات مختلف دول المنطقة وفي عموم العالم"، سلمت تلك المعلومات والتقارير والوثائق المزعومة إلى وكالة المخابرات البريطانية (M16).. يقول الدباغ: أن أحد المسؤولين الكبار في حكم "الرئيس صدام" بعض التقارير أشارت إلى شخصية وزير الدفاع، قال: (المقدم الدباغ) "أن تلك الشخصية العسكرية المهمة طلبت تبليغ قيادات الفيالق والفرق العسكرية والألوية والوحدات بالحضور إلى اجتماع مهم يتعلق بالاستعدادات للحرب المحتملة، وتم تحديد المكان والزمان بشكل سري"، وحسب رواية (الدباغ) حدث الاجتماع في شهر آذار أما المكان فقد تناقضت رواية الدباغ في تحديده، تارة يذكر قاعدة عسكرية قريبة من بغداد ربما المقصود (معسكر التاجي)، وتارة يرد ذكر منطقة قريبة من تكريت، في ذلك الاجتماع كما تروي رواية الدباغ تحدث المسؤول الذي ترأس الاجتماع بتعليمات حاسمة لا تردد فيها تتعلق بالتصدي لجيوش العدوان أن هي أقدمت على مهاجمة حدود العراق، كما أضاف الدباغ، أن ذلك المسؤول تحدث بتفاصيل مخيفة عن ترسانة أسلحة سرية من نوع الأسلحة المحظورة "أسلحة الدمار الشامل" لكنه لم يفض بتفاصيل وافية عن نوعية تلك الأسلحة، لكنه قال بشكل واضح: "أن تلك الأسلحة المدمرة ستستخدم للدفاع والهجوم في ميدان المعركة ضد الغزاة الأمريكيين ومن يساندهم".. ويضيف:(الدباغ) "أن المسؤول المذكور رد على مداخلة من قادة أحد الفيالق بشأن التصورات المتوقعة للحرب والخطط والأسلحة التي ستستخدم فيها، أجاب: "إن تعليمات القيادة العسكرية وفي مقدمتها توجيهات القائد العام للقوات المسلحة واضحة وقاطعة.. إن قوات التحالف يجب أن لا تمر فوق أرض العراق تحت أي ظرف، وأن القوات العراقية عليها أن تستخدم كافة الأسلحة التي بحوزتها من الحربة وصولاً إلى أسلحة التدمير الشامل للدفاع عن أرض وشعب العراق"!! يضيف الدباغ.....
تطوير الكذب
إن وحدته العسكرية كبقية وحدات الجيش العراقي أخذت تتسلم فيما بعد عدد غير محدود من تلك الأسلحة التي ورد ذكرها في حديث المسؤول العسكري، ويضيف (المقدم الدباغ) في روايته الوهمية: "إن تلك الصناديق التي تم استلامها أتضح فيما بعد أنها تحوي قطع غيار للأسلحة القصيرة المدى مثل مدافع (أر بي جي)، وقد رافق تلك الصناديق استلام تعليمات وخطط لاستخدامها في سيارات جيب مدنية تحمل عدة أفراد من الفدائيين المخلصين لصدام حسين لضرب خطوط إمدادات العدو واصطياد الوحدات الصغيرة منها وإرباك حركة تقدم تلك الوحدات وإنزال خسائر فادحة بها، كما ألزمتهم تلك التعليمات ارتداء أقنعة واقية من الغازات المنبعثة من تلك الأسلحة (المقصود هنا في رواية المقدم الدباغ) -أن القيادة العراقية وزعت أسلحة كيميائية..!!- أتوقف قبل استكمال تفاصيل أخرى مهمة عند عمل "لجنة هاتون" لقد وجهت سؤالاً محدداً إلى رئيس جهاز المخابرات البريطانية (M16) (ريتشارد ديرلوف) حول إمكانية استخدام أسلحة الدمار الشامل العراقية ومدى تأثيرها على بريطانيا، أجاب "إن تلك الأسلحة تهدد أمن دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والعديد من دول أوروبا، وأنها يمكن أن تحقق أهدافها المقصودة خلال 45 دقيقة..!!"، أستند (ريتشارد ديرلوف) في تقاريره التي قدمها لمجلس النواب وللجان التأكد من المعلومات المنشورة بشأن أسلحة الدمار الشامل العراقية على القصة التي روجها (المقدم الدباغ)!! الغريب في الأمر أن "لجنة هاتون" اقتنعت بتلك الرواية ولم تبحث عن تبريرات أو أدلة تقدمها المخابرات البريطانية الموجودة في المنطقة منذ أمد بعيد.. لقد حجبت معلومات أكيدة عن عدم امتلاك أسلحة الدمار الشامل من قبل نظام الرئيس صدام حسين، لقد ثبت الآن أن وكالة المخابرات الأمريكية وكذلك الوكالة البريطانية كلاهما تعلم خلو العراق من تلك الأسلحة وتكفي الإشارة هنا إلى تقارير ومقابلات نشرت مع أبرز العاملين في لجان التفتيش، في أغلب التقارير التي راجعتها أثبت الآتي: "لقد ثبت أن العراق ترك مشروع تطوير برامج أسلحته المحرمة دولياً بعد حرب عام 1991 ولم ينتج على الإطلاق أسلحة كيميائية أو بيولوجية، أستند في ذلك إلى إفادة (ديفيد كاي) وغيره من العاملين في لجان التفتيش، وكذلك حادث انتحار (ديفيد كيلي) خبير الأسلحة البريطاني الذي تعارض تماما مع المعلومات التي نشرتها وكالة المخابرات البريطانية ومع التقرير الذي روجه توني بلير، وربما من المهم التوقف عند المعلومات المهمة التي نشرها (ديفيد كاي) حيث قال: "إن المعلومات..... أحلام فقط!! التي تعطي حجماً هائلاً لأسلحة الدمار الشامل العراقية، هي معلومات كاذبة، إن برنامج تلك الأسلحة المفترضة بشكل وهمي يغرق في فوضى وذلك بسبب فساد القيادة العراقية وعدم وجود أهداف محددة لديها"، لقد وصف تقرير (ديفيد كاي " الفترة ما بين عامي 1997 – 1998 في تلك المرحلة رصد الخلل الذي صار يتضخم صعوداً حتى بداية الحرب حيث يعترف الرئيس صدام حسين " لقد خانتني حتى أصابع يدي اليمنى " يواصل " ديفيد كاي) تثبيت موقفه ومعلوماته "كانت مبالغ كبيرة تهدر نحو تحقيق خطط وبرامج لإنتاج أسلحة، كانت تلك الخطط تأتي على شكل مقترحات من قبل العلماء ورجال التصنيع العسكري لكنها لم تتحقق ولم نعثر على ما يؤكد أن العراقيين أنجزوا شيئاً منها"!! كانت الإشاعة والحرب النفسية والجهد الإعلامي الذي تضخه فئات المعارضة العراقية في الخارج والتقارير الحزبية التي تحمل الأكاذيب المضخمة لأهداف التعجيل بالحرب وعوامل أخرى مرتبطة بخطط التغيير السياسي في عموم منطقة الشرق الأوسط وفي مقدمتها العراق، كلها ساهمت في الذي حدث "إن كشف هذه الحقائق وتلك المتغيرات والتفاصيل التي فجرت الحرب ومتابعتها بالدراسة والتحليل والرصد الميداني تلك مهمة رجال الفكر والصحافة من أبناء العراق بالدرجة الأولى، حصيلة ذلك تسرع في تحقيق الهزيمة، عندما تتم مراجعة أهداف ما قبل الحرب مع الصورة المتحققة حالياً نجد أن الهدف الحقيقي للحرب لم يتحقق بعد!!، وأن مجمل جهود أبناء الشعب العراقي من غير الذين يسيرون في ركاب الذي حدث، تسجل التقدم الكبير في حسم نتائج المواجهة بينما الذين يسيرون في ركاب الذي حدث يعانون الآن من مرارة الفشل ويتوقعون الهزيمة وما ينشرون من كتابات تصب فقط في خانة تيئيس الشعب ومصادرة المستقبل، اعترافات المقدم الدباغ وجهود علاوي – جلبي – وآخرين غيرهم، يصفها العراب الأمريكي (نك ثيروس) "إن المعلومات السابقة التي روجها المقدم الدباغ وغيره تبدو الآن وكأنها جرة من الغائط!! ستكسر تلك الجرة حتماً على رأس الذين تورطوا في صنع تلك الأكاذيب!!"، يضيف (ثيروس): "بوضوح شديد أقول أننا لم نعثر على أسلحة الدمار الشامل".. وتبقى استقالة (ديفيد كي) واعترافاته الكثيرة تسبب الإزعاج المستمر للرئيس بوش وللطاقم المساعد له، كما وجه جاك سترو وزير الخارجية البريطاني صفعة قوية لكل التصريحات والمعلومات المنشورة عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، أعرب بوضوح شديد عن "خيبة أمله وعن حالة الإحباط التي تلازمه لأن المفتشين لم يجدوا دليلاً على ذلك"، الآن يحاول الجميع من الذين تورطوا في بناء جدار الكذب العمل على ترميمه بأكاذيب جديدة!! ولنرصد الآن حالة التراجع الكبير في تصريح جاك سترو الذي كان يصر على صحة ودقة المعلومات التي نشرت في تقرير زعيمه توني بلير، لنتأمل التصريح الذي بثته له محطة (بي. بي. سي.)..
(يتبع)