مذبحة النجف.. وسقوط الأقنعة!
محمود القصاب/البحرين
عندما يكتب تاريخ هذه المرحلة السوداوية من تاريخ أمتنا عندئذ سيكون هذا التاريخ عصيا على الإلغاء، لأنه سيكون تاريخاً لا يمكن تغييره حتى وإن جرت محاولات لتزويره وتشويهه. هذه الحقيقة البديهية لا أظن أنها غائبة عن القوى السياسية (يمينية دينية كانت أم يسارية) والتي تتلاعب اليوم بعقول وقلوب الناس في قضايا مصيرية لا تحتمل مثل هذا الهزال والتخاذل في تحديد المواقف، فإلى جانب الصفحات البيضاء التي يسطرها ويكتبها المناضلون الشرفاء والمقاومون الأشداء من أبناء هذه الأمة سواء في العراق أو فلسطين هناك أيضا صفحات سوداء مازالت تكتب فصولها حتى هذه اللحظة والمشهد العراقي في الوقت الراهن هو صورة معبرة وصادقة عن حقيقة تلك الصفحات المتناقضة في سجل ما يكتب اليوم عن حجم المؤامرة الكبرى التي جرى التخطيط لها وتنفيذها على أرض العراق في إطار المشروع الأمريكي الصهيوني والذي رسمت خيوطه الأولى مع بدايات تفجر ثورة 17 تموز المجيدة عام 1968 التي قادها حزب البعث العربي الاشتراكي، وما حملته هذه الثورة من مشروع نهضوي وتقدمي من أجل العراق والأمة وما أنجزته من خطوات تحريرية ونهضوية. رغم بعض السلبيات هنا وبعض الإخفاقات هناك، إلا أن إصرار هذه الثورة وقيادتها الشجاعة على مواصلة المسيرة المتصاعدة وبناء تجربة رائدة في العراق وبناء وطن حر ومستقل وقوي، وتأسيس نهضة عظيمة أوصلت العراق إلى حالة متقدمة.
كل هذا قد دفع قوى الشر والعدوان إلى التآمر على هذه الثورة وقيادتها وجعل هذه التجربة تتعرض إلى سلسلة من المواجهات والمعارك داخليا وخارجيا، كان يراد منها وقف عجلة تقدم هذه الثورة وإنهاك الحكم الوطني والقومي وعدم تركه يلتقط أنفاسه، وكم تحملت قيادة العراق من أعباء ضخمة على الصعيدين الوطني والقومي واستطاعت رغم كل المعوقات التي وضعت في طريقها، أن تجعل من العراق حالة متقدمة علميا واقتصاديا وعسكريا وأن تصون العراق وتحميه من طمع الطامعين وغدر المتربصين من الدول القريبة والبعيدة، وهي تقاتل على أكثر من جبهة، لم تستسلم ولم تساوم على مصالح العراق وحقوق الأمة رغم إدراكها أن العدوان الهمجي قادم لا محالة، وأن المخطط الأمريكي الصهيوني سيتم الشروع في تنفيذه بتواطؤ بعض العرب وبمشاركة بعض القوى العراقية العميلة في ظروف فاصلة وتاريخية من حياة العراق والأمة العربية.
وقد وجدت قيادة العراق أنه ليس أمامها من خيار سوى اختيار طريق الحفاظ على القيم والمبادىء وحقوق الأمة العربية وإن خسرت السلطة في العراق.. لذلك اتخذت القرار الاستراتيجي بالتحول إلى المقاومة وقيادتها مع أول ساعات دخول القوات الغازية أرض بغداد.. وهو ما يعني اختيار طريق الشرف والكرامة لا طريق المساومة والغدر والخيانة الذي انتهجته بعض القوى الانتهازية من مدعي الإسلام واليسارية المزيفة التي قبلت بالتحالف مع الاحتلال وأوجدت له التبريرات والذرائع وساهمت برضا ووعي في تأمين جرائم القتل والتدمير التي مارستها قوات الغزو في العراق وهي بذلك تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن كل ما جرى ويجري اليوم في العراق من سفك للدماء الطاهرة وإزهاق للأرواح البريئة وهتك لحرية الأماكن والعتبات المقدسة كما هو حاصل اليوم في مدينة النجف الطاهرة حيث مرقد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وغيرها من المدن العراقية الباسلة مثل الفلوجة والأنبار والبصرة والكوت وبعقوبة.
وهذه هي أكثر الصفحات خسة وقذارة التي تكتب بيد الخوارج من المتلبسين زورا بلباس الإسلام يعاضدهم بعض "قوارض" و"جرذان" اليسارية الفاسدة من الشيوعيين وغيرهم من الميليشيا الشعوبية والعنصرية في الحركة الكردية من عملاء "الموساد" والتي قامت بواجب تأمين الغطاء السياسي والعسكري لقوات الاحتلال.
ومع تكشف الحقائق في العراق اليوم بات الجميع يدرك حجم زيف شعارات هذه القوى بكل تلاوينها وعقائدها وما تعانيه من أمراض سياسية وازدواجية مقيتة وانعكاسها الضار على مصالح الأمة، وكيف أن المبادىء والقيم قد ضاعت منها وسط المصالح السياسية الضيقة وأمام استشراء الأحقاد، كما أدرك الناس حجم الهزال السياسي والخواء الأخلاقي الذي يطبع سلوك هذه القوى وأتباعها ويجعلها أبعد ما تكون عن مناصرة الحق والعدل وأعجز ما تكون عن الارتقاء إلى مستويات الصدق والشرف في اتخاذ المواقف تجاه قضايا الأمة المصيرية، وهو ما يجعل منها مجرد جوقة من المتواطئين والمتعاونين مع الظلم والعدوان الأمريكي على العراق والأمة العربية وعلى قواها الوطنية والقومية الشريفة.
ونحن هنا لا نحاكم هذه القوى ولا نحكم على تصرفاتها من موقع التنافس السياسي أو الاختلاف الفكري.. ولكن توالي الأحداث والوقائع المريرة على الساحة العراقية وما تكشفه من حقائق يومية لا تترك أمام هذه القوى مجالا أطول للاستمرار في المناورات والتلاعب السياسي في قضية كبرى تحدد مصير الأمة بأكملها كالقضية العراقية، كما لم تترك للرافضين للاحتلال من حيث المبدأ والمساندين لحق العراقيين في الحرية والمقاومة المسلحة لم تترك لهم أي مجال للسكوت والمجاملة فقد طفح الكيل من هذه المواقف المتهاونة والمتخاذلة مع الاحتلال التي تحسب أن أصحابها قد أصابهم العمى الدائم، وفقدوا القدرة على الرؤية الصحيحة أو الرغبة الصادقة في المراجعة وإعادة النظر في تلك المواقف المخزية من الاحتلال وجرائمه المستمرة، فهي رغم كل الكوارث التي يشهدها العراق ورغم المآسي التي يعيشها الشعب العراقي جراء هذا الاحتلال مازالت هذه القوى ورموزها تدعو إلى التهدئة والحل السلمي وغيرهما من مصطلحات الذل والمهانة التي تخدم الاحتلال وتشجعه، ومازالت الدعوات المشبوهة التي تساوي بين القاتل والقتيل والظالم والمظلوم هي النغمة السائدة في خطابات وأدبيات هذه القوى والتيارات السياسية الدينية.. وإذا ما شعرت بالحرج أو أجبرتها أوضاع العراق على اتخاذ بعض المبادرات هنا أو هناك مثل إصدار بيان لرفع العتب أو تنظيم مظاهرة لامتصاص الغضب يتم كل ذلك للأسف بوحي وإيحاء من خارج الحدود ولحساب أجندات ليس لها علاقة بمصلحة العراق والعراقيين ولا بما يجري على أرضهم من قتل ودمار!.. بل إن هذه القوى الدينية ومن خلال إصرارها على الدعوات للحل السياسي في العراق إنما تعطي الضوء الأخضر للقوات المحتلة في النجف الأشرف بارتكاب المزيد من الجرائم والقتل وسفك الدماء في حين أنها تعرف وترى الموقف الواضح والصريح الصادر عن السيد مقتدى الصدر: أنه لا مشاركة سياسية ولا ديمقراطية حقيقية في ظل وجود قوات الاحتلال، بل أن انسحاب هذه القوات هو شرط أساسي لأي عملية سياسية حقيقية، ومع هذا مازالت رموز هذه القوى وحملة أقلامها رغم كل ما يقترفه الاحتلال وعملاؤه من جرائم تصدع رؤوسنا بالحديث عن الحل السياسي وعن الدكتاتورية والديمقراطية الأمريكية المزعومة في العراق. ولا ندري كيف لمجموعة من اللصوص والمجرمين وحفنة من العملاء المأجورين المفروضين على شعب العراق أن يقيموا دولة ديمقراطية؟!
ولكي لا يظن أحد أننا نتحامل على هذه القوى التي تتخفى وراء تلك الشعارات.. ولكي يطلع الناس على النوايا والأهداف الحقيقية التي تحدد مواقف هذه القوى خاصة تلك التي تدعي اليسار والتقدم، من بقايا الشيوعية المقبورة، نجد من المفيد هنا تقليب صفحات التاريخ لنعرف خلفية هذا الإصرار والاستمرار في اتخاذ المواقف المشينة تجاه كل القضايا القومية، فتلك الصفحات تقول إن هؤلاء الساقطين اليوم في الحضن الأمريكي هم أنفسهم من كانوا بالأمس ينظرون إلى ثوار ومناضلي الجزائر بأنهم "إرهابيون" فقط لأن فرنسا كانت في ذلك الوقت حليفة للاتحاد السوفيتي!. وهم أيضا من كان يسمي الصهاينة واليهود في فلسطين بـ"القوى التقدمية" والمقاتلون الفلسطينيون المدافعون عن أرضهم المسلوبة بـ"الإرهابيون"!.. وكانت هذه الأحزاب والقوى هي ذاتها أول من اعترف بوجود (الكيان الصهيوني) عام 1947، ورأوا في دخول الجيوش العربية فلسطين عام 1948 عدواناً!!ا.. كما أن بعض الأحزاب والقوى الشيوعية في الأقطار العربية هي أول من أيدت وباركت انسلاخ لواء الأسكندرون عن سوريا الذي قدمته فرنسا وبريطانيا إلى تركيا لكسبها إلى جانبهما في الحرب العالمية الثانية!!.. وذات الشيء يتكرر اليوم في العراق حيث هي إلى جانب الاحتلال وضد المقاومة العراقية وتصفها بنفس الأوصاف والنعوت التي تطلقها قوات الاحتلال!...
وهكذا كما نرى ماضيا وحاضرا أن المواقف ذاتها البعيدة عن الثوابت الوطنية والقومية تتكرر والتي هي في الواقع ذات منابت انتهازية ليس لها لا علاقة بالعقائد أو الأفكار التي تحاول التستر وراءها، وهذا ما يجعل من هذه (القوى) رديفا دائما للعوائق والكوارث التي تحول بين العرب وحريتهم واستقلالهم.
وهكذا يبدو قدر هذه الأمة أن يخرج من بين صفوفها من المنتسبين إليها زوراً في كل مرحلة انكسار تمر بها (أبو رغال جديد)، كما يخرج منها من يبيع نفسه ووطنه إلى الأعداء ويقبل أن يكون ذليلا وجسرا تعبر منه القوات الغازية لتدنس أرض الوطن وتبطش بأبنائه وتسرق حريته وسيادته!. ولكن التاريخ دائما لهم بالمرصاد إذ سرعان ما تدور الدوائر على الباغي والخائن ليسقط في وحل الهزيمة وتتساقط معه الأقنعة عن الوجوه التي تتخفى وراء مظاهر الورع والتقوى والنزاهة المزيفة وتتضح الحقائق عارية سافرة لتعيد الأمور إلى نصابها الصحيح والشخوص إلى أحجامها الطبيعية!
وهذا بعض ما فعلته أحداث النجف الذي يذبح اليوم أمام صمت وتخاذل من يفترض انهم حراسه وحماته وأن غدا لناظره قريب.